وقد انحدر ابن سعد في ترحاله إلى مكة، والحركة العلمية فيها محدودة النشاط إذا قيست بزميلاتها من المراكز العليمة الأخرى، لأن نشاط البلد كان يتناسب طردًا مع مقر الخلافة، فحيث وجد الخليفة وجد النشاط. فالبلد الذي يستقر فيه الخليفة، هو الذي يكون صاحب الحظ الأوفر ثقافيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا … الخ.
ففي فجر الإسلام، كان الحجاز -مكة والمدينة- صاحب الريادة العلمية ولما انتقلت الخلافة إلى الشام في العهد الأموي، نشطت الحركة العلمية فيها أكثر منها في الأمصار الأخرى. وعندما صار زمام الأمر بيد العباسيين انتقلت الريادة العلمية إلى العراق -البصرة، الكوفة، وبغداد- معقل بني العباس.
وعلى كل حال كانت مكة وإلى جانبها من أغنى مصادر روايات التشريع الإسلامي لأن الأولى دار نشأة النبي ﷺ، والثانية دار هجرته، وكلاهما منشأ المهاجرين والأنصار، الذين عاشروا النبي ﷺ، وحدثوا عنه، وتناقل التابعون ومن بعدهم ما سمعوا منه (^٢).
_________________
(١) انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٤. وتاريخ التراث ١/ ٤٧٠ - ٤٧٥.
(٢) انظر ضحى الإسلام لأحمد أمين ٢/ ٧٥.
[ ٣٤ ]
بالإضافة إلى حركة الحج الدائمة التي كانت تصل العالم الإسلامي بعلماء الحرمين الشريفين، فكان أناس يذهبون للحج ويقصدون لقاء العلماء أيضًا وفي ذلك يقول الداودي: "فقد كان خلق يحجون والباعث لهم لقي ابن عيينة فيزدحمون عليه أيام الحج" (^١).
وكان سفيان بن عيينة محدثًا ومفسرًا وفقيهًا، ولد بالكوفة (١٠٧ هـ)، ونشأ وتوفي في مكة (١٩٦ هـ). له كتاب (التفسير)، وكتب في الحديث (^٢). وكان من شيوخ ابن سعد (^٣)
وممن قدم مكة وسكنها ومات فيها من العلماء: العلاء بن عبد الجبار البصري (ت (٢١٢) هـ) المحدث الثقة، شيخ ابن سعد (^٤). وسعيد بن منصور المروزي (ت (٢٢٧) هـ) رواية إسماعيل بن عُليَّة، كما أخذ عن ابن عيينة (^٥). وله كتاب (السنن) وأحاديث (العوالي) و(التفسير) (^٦).
وكان فيها من المؤرخين: أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي (ت (٢١٧) هـ أو (٢٢٢) هـ)، صاحب كتاب (تاريخ مكة)، روى عن ابن سعد (^٧)، وروى عنه ابن سعد (^٨)، وكان محدثًا ثقةً، وقد أخرج له البخاري (^٩).
_________________
(١) انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٩٠.
(٢) انظر: المصدر السابق، وتاريخ التراث لسزكين ١/ ١٣٩.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢.
(٤) انظر طبقات ابن سعد ٥/ ٥٠١. وتهذيب التهذيب ٨/ ١٨٥.
(٥) انظر: المصدرين السابقين ٥/ ٥٠٢. و٤/ ٨٩ - ٩٠.
(٦) انظر: تاريخ التارث لسزكين ١/ ١٥٣ وقد طبع مجلدان من سننه.
(٧) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ٥٥٣.
(٨) انظر: ترجمة "محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان" رقم ١٤١ حيث ينقل ابن سعد عنه فيها.
(٩) انظر: تقريب التهذيب ١٦.
[ ٣٥ ]
لقد كانت المدرسة الثقافية في مكة ترتكز على الكتاب والسنة، وما يؤخذ منهما من أحكام فقهية. بالإضافة إلى الأخبار التاريخية. وكان أكثر أخذ ابن سعد في مكة عن سفيان بن عيينة. كما أفاد من الأزرقي في الأخبار التاريخية.
وكان آخر مطاف ابن سعد في تجواله أن عاد إلى بغداد واستقر فيها إلى أن مات.