٥٥١/ ١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثنا عبد الله بن جعفر.
عن أم بكر بنت المسور. عن أبيها.
٥٥١/ ٢ - ورياح بن مسلم. عن أبيه.
٥٥١/ ٣ - وإسماعيل بن إبراهيم. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. عن أبيه. قالوا: قدم أبو عبيد الثقفي (^١) من الطائف- وكان رجلا صالحا- وندب عمر الناس إلى أرض العراق. فخرج أبو عبيد إليها فقتل وبقي ولده بالمدينة. وكان المختار يومئذ غلاما يعرف بالانقطاع إلى
_________________
(١) ٥٥١/ ١. ٢. ٣ - إسناده: جمعي فيه ضعفاء ومن لا يعرف. - رياح بن مسلم وأبوه لم أجد لهما ترجمة. - إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني مقبول. من السادسة (تق: ١/ ٦٥). - عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة وقال: كان من الرءوس يوم الحرة. ونجا فلم يقتل ومات بعد ذلك (الطبقات الكبرى: ٥/ ١٧٢). - عبد الله بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة المخزومي أبو عبد الرحمن المكي. صحابي. كان واليا لعمر على اليمن. وهو والد عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر ومات ليالي قتل عثمان (الطبقات الكبرى: ٥/ ٤٤٤، وتق: ١/ ٤١٤).
(٢) هو أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف الثقفي. أسلم في عهد النبي -ﷺ-. وولاه عمر بن الخطاب قيادة جيش العراق فهزم الفرس وأسر قائدهم جابان. ثم لقيهم مرة أخرى يوم الجسر فاستشهد ﵀ ومعه جمع من المسلمين (انظر ترجمته في الاستيعاب: ٤/ ١٧٠٩ وأسد الغابة: ٦/ ٢٠٥).
[ ٢ / ٧٩ ]
بني هاشم. ثم خرج في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد إلى البصرة.
فأقام بها يظهر ذكر الحسين بن علي. فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد. فأخذه فجلده مائة جلدة ودرعه عباءه. وبعث به إلى الطائف (^١). فلم يزل بها حتى قام عبد الله بن الزبير ودعا إلى ما دعا إليه. فقدم عليه. فأقام معه من أشد الناس قتالا وأحسنهم (^٢) نية ومناصحة فيما يرون. وكان يختلف إلى محمد ابن الحنفية. ويسمعون منه كلاما ينكرونه. فلما مات يزيد. ومات المسور ابن مخرمة (^٣). ومصعب بن عبد الرحمن. استأذن المختار ابن الزبير في الخروج إلى العراق. فأذن له. وهو لا يشك في مناصحته وهو مصر على الغش له. فكتب ابن الزبير إلى عبد الله بن مطيع. وهو عامله على الكوفة.
يذكر له حاله عنده ويوصيه به (^٤). فكان يختلف إلى ابن مطيع. ويظهر مناصحة ابن الزبير ويعيبه في السر. ويذكر محمد بن الحنفية فيمدحه. ويصف حاله ويدعو إليه. وحرض الناس على ابن مطيع واتخذ شيعة يركب في جماعة وخيل. فعدت خيله على خيل ابن مطيع فأصابوهم. وخافه ابن مطيع فهرب. فلم يطلبه المختار. وقال: أنا على طاعة ابن الزبير. فلأي شيء خرج ابن مطيع؟. وكتب إلى ابن الزبير يقع بابن مطيع ويجنبه. ويقول: رأيته مداهنا لبني أمية فلم يسعني أن أقره على ذلك. لما حملت في عنقي من بيعتك.
فخرج من الكوفة وأنا ومن قبلي على طاعتك. فقبل منه ابن الزبير وصدقه.
_________________
(١) انظر الخبر في سير أعلام النبلاء: ٣/ ٥٤٤ والبداية والنهاية: ٨/ ٢٩٠.
(٢) في المخطوطة، وأحسنه،. وما أثبت مقتضى السياق.
(٣) كان موت المسور بن مخرمة في اليوم الذي وصل فيه خبر وفاة يزيد إلى مكة وجيش أهل الشام محاصر لابن الزبير. ثم لما بلغهم خبر وفاته فكوا الحصار ورجعوا إلى الشام.
(٤) في تاريخ الطبري: ٦/ ٩ - ١٢ سياق آخر. حيث يذكر أن المختار سجن في ولاية عبد الله بن يزيد عامل ابن الزبير على الكوفة بسبب تشيعه. ثم أطلق بشفاعة من عبد الله بن عمر بن الخطاب وكانت تحته صفية بنت أبي عبيد.
[ ٢ / ٨٠ ]
وأقره واليا على الناس (^١). فلما اطمأن ورأى أن ابن الزبير قد قبل منه. سار إلى منزل عمر بن سعد بن أبي وقاص فقتله في داره. وقتل ابنه حفصا أسوأ قتلة (^٢). وجعل يتتبع قتلة الحسين من الديوان (^٣) الذين خرجوا إليه. فيقتل كل من قدر عليه (^٤). وتغيب كل من خالفه من أهل الكوفة. ثم بعث مسالحة إلى السواد. والمدائن. وعمال الخراج. فجبيت إليه الأموال. فبعث إليه عبد الملك بن مروان. عبيد الله بن زياد. في ستين ألفا من أهل الشام.
فأخذ على الموصل. فبعث المختار. إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفا من أصحابه. لقتال عبيد الله بن زياد. فلقيه بأرض الموصل. على نهر يدعى الخازر (^٥) فتراشقوا بالنبل ساعة. وتشاولوا بالرماح. ثم صاروا إلى السيوف. فاقتتلوا أشد القتال. إلى أن ذهب ثلث الليل. وقتل أهل الشام تحت كل حجر. وهرب من هرب منهم. وقتل عبيد الله بن زياد. والحصين ابن نمير في المعرك (^٦). وبعث بالرءوس إلى المختار. فبعث برأس عبيد الله بن زياد. وبرأس الحصين بن نمير وستة نفر من رؤسائهم مع خلاد بن السائب
_________________
(١) انظر الخبر في تاريخ الطبري بسياق أطول (٦/ ٩ - ٣٧، ٧١ - ٧٥).
(٢) انظر تاريخ الطبري: ٦/ ٦٠ - ٦١.
(٣) المراد ديوان الجند. فإن كل سرية أو بعث يخرج في مهمة تسجل أسماؤهم في الديوان. والخبر يدل على أن السجلات تحفظ لمدة طويلة. مما جعل المختار يرجع إلى السجل ليعرف أسماء من اشترك في السرية التي بعثها ابن زياد لمقاتلة الحسين (انظر: السلومي، ديوان الجند ص: ١٩٩ - ٢٢٦).
(٤) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري: ٦/ ٥٧ - ٦٦.
(٥) في المخطوطة، الجازر، بالجيم والتصحيح من معجم البلدان وغيره من المصادر التي روت الخبر. والخازر- بالزاي المكسورة بعد الألف- نهر بين إربل والموصل ثم بين الزاب الأعلى والموصل. ويصب في دجلة (معجم البلدان: ٢/ ٣٣٧).
(٦) انظر تاريخ الطبري: ٦/ ٨٦ - ٩٢.
[ ٢ / ٨١ ]
الخزرجي (^١). فقدم بها المدينة يوما إلى الليل. ثم خرج بها إلى ابن الزبير.
فنصبها على ثنية الحجون (^٢).
وجعل ابن الزبير يسأل خلاد بن السائب عن التقائهم وقتالهم. فيخبره.
فقال: فكيف رأيت مناصحة المختار؟ فقال: رأيته على ما يحب أمير المؤمنين.
يدعو له على منبره. ويذكر طاعتك ومفارقة بني مروان.
ورجع المختار ومن معه إلى الكوفة. وكتب إلى ابن الزبير يخدعه ويخبره أنه إنما يقوم بأمره. ويسكنه حتى يمكنه ما يريد.
فأبصر ابن الزبير أمره. وكلمه فيه عروة بن الزبير. وعبد الله بن صفوان.
وغيرهما وأعلموه غشه وسوء مذهبه. وأنه ليس له بصاحب. قال: فمن أولى؟ احتاج إلى رجل جلد مجزئ مقدام. فقال له مصعب بن الزبير: لا تول أحدا أقوم بأمرك مني. قال: فقد وليتك العراق. فسر إلى الكوفة.
قال: ليس هذا برأي. أقدم على رجل قد عرفته. إنما هواه ورأيه في غيرنا.
وإنما يستتر بنا. وقد اجتمع معه من الشيعة بشر كثير. ولكني أقدم البصرة وأهلها سامعون مطيعون. ثم أزحف إليه بالجنود إن شاء الله. فقال ابن الزبير:
هذا الرأي. فسار مصعب إلى البصرة واليا عليها. وبلغ المختار. فعرف أنه الشر والسيف. فكتب إلى ابن الزبير يشتمه ويعيبه ويقول: إنه لا طاعة لك على أحد ممن قبلي. فأجلب بخيلك ورجلك. وخطب المختار الناس بالكوفة.
وأظهر عيب ابن الزبير. وخلعه. ودعا إلى الرضا من آل محمد -ﷺ-. وذكر محمد بن الحنفية فقرظه وسماه المهدى. وكتب ابن الزبير إلى مصعب يأمره بالمسير إلى المختار في أهل البصرة. فأمر مصعب بالتهيؤ ثم عسكر. واستعمل على ميمنته الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. وعلى ميسرته عبد الله بن مطيع.
_________________
(١) ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة (الطبقات الكبرى: ٥/ ٢٧٠) وقال: وكان ثقة قليل الحديث وقد صحب أبوه النبي ع.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء: ٣/ ٥٤٨ والبداية والنهاية: ٨/ ٢٨٦.
[ ٢ / ٨٢ ]
واستخلف على البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر (^١).
٩٨/ ٨/ اوبلغ المختار مسير مصعب بالجنود. فبعث إليه أحمر بن شميط البجلي. وأمره أن يواقعهم بالمذار (^٢). فبيتهم أصحاب مصعب فقتلوا ذلك الجيش. فلم يفلت منهم إلا الشريد (^٣). وقتل تلك الليلة عبيد الله بن علي بن أبي طالب.
وكان في عسكر مصعب مع أخواله بني نهشل بن دارم (^٤).
وخرج المختار في عشرين ألفا حتى وقف بإزائهم. وهم فيما بين الجسر إلى نهر البصريين (^٥). وزحف مصعب ومن معه فوافوهم مع الليل. ولم يكن بينهم حرب. فأرسل المختار إلى أصحابه حين أمسى. أن لا يبرحن أحد منكم موقفه حتى تسمعوا مناديا ينادي يا محمد. فإذا سمعتم. فاحملوا على القوم.
واقتلوا من لم تسمعوه مناديا ينادي يا محمد. ثم أمهل. حتى إذا حلق القمر واتسق (^٦) أمر مناديا فنادى: يا محمد. ثم حملوا على مصعب وأصحابه فهزموهم. ودخلوا عسكرهم. فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا. وأصبح المختار وليس عنده أحد له ذكر غير عشرة فوارس. وإذا أصحابه قد وغلوا
_________________
(١) في تاريخ الطبري: ٦/ ٩٥ أن مصعبا جعل على ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر. وجعل المهلب بن أبي صفرة على ميسرته.
(٢) المذار- بالفتح وآخره راء- أعجمية- وهي قصبة ميسان بين واسط البصرة. قال ياقوت: وفيها مشهد كبير قد أنفق على عمارته الأموال وعليه الوقوف وتساق إليه النذور. وهو قبر عبيد الله بن علي بن أبي طالب. وأهلها كلهم شيعة غلاة طغام أشبه شيء بالأنعام (معجم البلدان: ٥/ ٨٨).
(٣) انظر تفصيل هذه الوقعة في تاريخ الطبري: ٦/ ٩٦ - ٩٨.
(٤) نسب قريش (ص: ٤٤).
(٥) ذكر الطبري في تاريخه: ٦/ ١١٥ أن مصعب هو الذي حفر هذا النهر عند ما سار من البصرة إلى الكوفة على شط الفرات. فسمي نهر البصريين من أجل ذلك.
(٦) حلق القمر واتسق: أي إذا ارتفع القمر في السماء وبسط ضوءه (اللسان: ١٠/ ٣٧٩).
[ ٢ / ٨٣ ]
جميعا في أصحاب مصعب. فانصرف المختار منهزما فأغذ السير حتى أتى الكوفة. فدخل القصر ورجع أصحاب المختار حين أصبحوا حتى وقفوا موقفهم فلم يروا المختار. وقالوا: قد قتل. فهرب منهم من أطاق الهرب.
واختفى الباقون. وتوجه منهم ثمانية آلاف إلى الكوفة. فوجدوا المختار في القصر فدخلوا معه (^١).
وأقبل مصعب حتى خندق على سدة القصر والمسجد. وحصرهم أشد الحصار. فخرج المختار يوما على بغلة شهباء. فقاتلهم في الزياتين (^٢).
فقتلوه. وطلب أهل القصر الأمان من مصعب فآمنهم. وفيهم سبع مائة من العرب وسائرهم من الموالي والعجم. فأراد قتل هؤلاء. وترك العرب فقيل له: ما هذا بدين. ذنبهم واحد. تقتل العجم وتترك العرب. فقدمهم جميعا فضرب أعناقهم صبرا (^٣). وبعث برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع رجل من الشرط. فقدم الرسول فانتهى إلى ابن الزبير وهو في المسجد الحرام قد صلّى عشاء الآخرة. ثم قام يتنفل. قال: فو الله ما التفت إليه ولا أنصرف حتى أسحر فأوتر. ثم جلس.
فدنا الرسول فدفع إليه الكتاب. فقرأه. ثم دفعه إلى غلام له. فقال الرسول:
يا أمير المؤمنين هذا الرأس معي. فقال: ألقه فألقاه على باب المسجد. ثم أتاه فقال:
جائزتي قال: خذ الرأس الذي جئت به.
ولما قتل مصعب المختار. وظفر بالعراق. واستعمل العمال. وجبى الأموال. وكتب إليه إبراهيم الأشتر يعلمه بأنه على طاعته. وأسرع الناس إليه مع عداوته لأهل الشام. وقتله إياهم. ويسأله أن يأذن له في الوفادة إليه.
_________________
(١) أورد الطبري في تاريخه: ٦/ ١١٤ - ١١٦ قصة المختار وقتال مصعب له من طريق الواقدي ولكنه اختصرها.
(٢) هو موضع في الكوفة كان سوقا لبيع الزيت (انظر تاريخ الطبري: ٦/ ١٠٨).
(٣) انظر الطبري- تاريخ- ٦/ ١٥ - ١٦ وانظر تفاصيل أخرى في نفس المصدر: ٦/ ١٠٥ - ١١٠ والبداية والنهاية: ٨/ ٢٨٧.
[ ٢ / ٨٤ ]
فأجابه مصعب إلى ذلك (^١). فخلف أبا قارب على الجزيرة وقدم على مصعب. فأخذ بيعته لعبد الله بن الزبير وأقام عنده. آثر الناس عنده.
وأكرمهم عليه. إنما كان يجلسه على سريره. واستعمل مصعب المهلب بن أبي صفرة على الجزيرة والموصل وأذربيجان (^٢) / وأرمينية (^٣).
وفرق العمال في البلدان. ثم جمع أشراف أهل المصرين. ووفد إلى عبد الله بن الزبير. وجعل إبراهيم بن الأشتر على الوفد (^٤) جميعا.
فقال له عبد الله: نظرت إلى راية قد خفضها الله فرفعتها.
قال: يا أمير المؤمنين. هذا سيد من خلفي. إن رضي رضوا. وإن سخط سخطوا. فحل عبد الله بن الزبير إزاره فإذا ضربة على منكبه قد أجافته.
ثم قال لمصعب: أتراني كنت أحب الأشتر بعد هذه الضربة ضربنيها يوم الجمل (^٥).
وقال مصعب: يا أمير المؤمنين سم للوفد ما بدا لك من الجائزة وأنا أعطيهم إياه من العراق. قال: لا والله ولا درهما.
ثم خطب عبد الله بن الزبير فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل العراق.
_________________
(١) في تاريخ الطبري: ٦/ ١١١ رواية أخرى عن كيفية مبايعة إبراهيم بن الأشتر لابن الزبير.
(٢) أذربيجان: بالفتح ثم السكون وفتح الراء وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة وجيم. إقليم واسع من مدنه تبريز وأردبيل وقد فتحت في عهد عمر بن الخطاب فتحها حذيفة بن اليمان (معجم البلدان: ١/ ١٢٨).
(٣) أرمينية:- بكسر أوله وبفتحه وسكون الثاني وكسر الميم بعدها ياء ساكنة وكسر النون ثم ياء خفيفة مفتوحة- اسم لصقع عظيم واسع في جهة الشمال مما يلي بلاد الروم. (معجم البلدان: ١/ ١٦٠).
(٤) مكررة في المخطوطة.
(٥) مطموسة في المخطوطة.
[ ٢ / ٨٥ ]
أتيتمونا أوباشا من كل جمة (^١). والله لو كانت تصرف لصرفناكم صرف الذهب. والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام.
فقام إليه أبو حاضر الأسدي- وكان قاص الجماعة بالبصرة (^٢) - فقال:
يا أمير المؤمنين. إن لنا ولك مثلا قد مضى. هو ما قاله الأعشى:-
علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري … وعلق أخرى غيرها الرجل (^٣)
علقناك. وعلقت أهل الشام. وعلق أهل الشام آل مروان. فما عسينا أن نصنع. قال الشعبي: فما سمعت جوابا أحسن منه.
ثم انصرف مصعب والوفد إلى الكوفة. ثم قدم مصعب البصرة. فجمع مالا ووفد الثانية على عبد الله بن الزبير بمال العراق. فعزله عن البصرة. وولاها ابنه حمزة بن عبد الله (^٤) وكان شابا تائها. فأقام مصعب عند عبد الله بن الزبير. ومضى حمزة إلى البصرة. فمنع الناس العطاء وأمر بالمال يحمل إلى ابن الزبير (^٥) فمنعه من ذلك مالك بن مسمع (^٦) ووجوه أهل البصرة ونخسوا
_________________
(١) الجم:- بكسر الجيم وتشديد الميم- الشيطان. والغوغاء والسفل (لسان العرب: ١٢/ ١٠٩ مادة جمم).
(٢) في البداية والنهاية: ٨/ ٣١٨ وكان قاضي الجماعة. وهو تصحيف.
(٣) انظر الخبر بتمامه في المصدر السابق. والبيت في ديوان الأعشى الكبير: ص ١٠٧.
(٤) ترجمه ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة. وذكر ولايته البصرة وعزله عنها (القسم المتمم: ص ١٠٧) وانظر تاريخ الطبري: (٦/ ١١٧ - ١١٨).
(٥) الذي في الطبري: ٦/ ١١٨ من رواية ابن شبة عن المدائني. أن حمزة احتمل المال معه لما عزله أبوه من ولاية البصرة. وأن عبيد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي ضمن العطاء لأهل البصرة فتركوه يذهب بالمال.
(٦) مالك بن مسمع البكري الجحدري كان زعيما في قبيلته بكر بن وائل. اشترك مع معاوية ثم رجع إلى العراق. وكان على خمس قبيلته بكر في قتال مصعب المختار. وله أخبار ومشاركات في الحياة العامة (انظر فهرس تاريخ الطبري: ص ٣٨٧).
[ ٢ / ٨٦ ]
به. فخرج من البصرة. فبلغ ذلك ابن الزبير. فولى مصعب البصرة وأمره أن يتوجه إلى العراق.
قال الشعبي: فما رأينا أمير فرقة كان أشبه بأمراء الجماعة من مصعب ابن الزبير.
ولم يزل مصعب أحب أمراء العراق إليهم. كان يعطيهم عطاءين في السنة عطاء للشتاء. وعطاء للصيف. وكان يشتد في موضع الشدة. ويلين في موضع اللين. وكان محكما لأمره قويا على شأنه.
وكان عبد الملك بن مروان يكتب إلى شيعته بالعراق في اغتيال مصعب (^١). وكتب إلى شيعته بالبصرة يأمرهم أن يخرجوا على مصعب.
وأخبرهم أنه باعث إليهم بألف من أهل الشام. ولم يطمع في ذلك بالكوفة ومصعب بها. وكان يخرج كل سنة حتى يأتي بطنان حبيب (^٢). وهي من قنسرين (^٣) فيعسكر بها. وهي أقصى سلطانه. ويخرج مصعب بن الزبير حتى ينزل باجميرى (^٤) من أرض الموصل. فيعسكر. وهي أقصى سلطانه.
فقال أبو الجهم الكناني:
أبيت يا مصعب إلا سيرا … أكل عام لك باجميرى (^٥)
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري: ٦/ ١٥٧.
(٢) بطنان حبيب: موضع من أرض الشام نسب إلى حبيب بن مسلمة الفهري. لأنه تولى فتحه. وكان يشتو به عبد الملك في حربه لمصعب بن الزبير (معجم البلدان: ١/ ٤٤٨).
(٣) قنسرين:- بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده ثم سين مهملة- كورة بالشام بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب العواصم. وبعضهم يدخل قنسرين في العواصم. (معجم البلدان: ٤/ ٤٠٤).
(٤) باجميرى: بضم الجيم وفتح الميم وياء ساكنة وراء مقصورة- موضع دون تكريت من أرض الموصل (معجم البلدان: ١/ ٣١٤).
(٥) الشعر في معجم البلدان: ١/ ٣١٤ منسوبا لأبي الجهم الكناني.
[ ٢ / ٨٧ ]
وكان إذا اشتد البرد وارتج الشتاء. انصرفوا جميعا معا. هذا إلى دمشق.
وهذا إلى الكوفة. وكان ابن الزبير يكتب إلى مصعب في عبد الملك: لا تغفله واغزه قبل أن يغزوك. فإنك في عين المال والرجال.
ففرض مصعب الفروض. وأخذ في التهيئة للخروج. وقسم أموالا وأخرج العطاء. وبلغ ذلك عبد الملك. فجمع جنوده. وسار بنفسه يؤم العراق لقتال مصعب. وقال لروح بن زنباع (^١) وهو يتجهز: والله إن في أمر هذه الدنيا لعجب لقد رأيتني ومصعب بن الزبير أفقده الليلة الواحدة من الموضع الذي نجتمع فيه فكأني واله. ويفقدني فيفعل مثل ذلك. ولقد كنت أوتي باللطف.
فما أراه يجوز لي أن آكله حتى أبعث به إليه أو ببعضه. وكان يفعل مثل ذلك. ثم صرنا إلى السيف!!! ولكن هذا الملك عقيم (^٢).
فلما أجمع مصعب الخروج من الكوفة يريد عبد الملك. خرج وقد اصطف له الناس بالكوفة صفين. وقد اعتم عمته العقداء (^٣). وهو مقبل على معرفة (^٤) دابته. ثم نظر في وجوه القوم يمينا وشمالا. فوقعت عينه على عروة بن المغيرة ابن شعبة (^٥). فقال: يا عروة. قال: لبيك. قال: ادن. فدنا. فسار
_________________
(١) روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي أبو زرعة. قال الحافظ: ذكره بعضهم في الصحابة ولا يصح له صحبة. بل يجوز أن يكون ولد في عهد النبي. ولأبيه صحبة ورواية. كان أميرا على أهل فلسطين وله مع عبد الملك بن مروان قصص حسان. ومات سنة أربع وثمانين (الإصابة: ٢/ ٥٠٥).
(٢) ذكر ذلك الطبري في تاريخه: ٦/ ١٦١ بسياق آخر. وانظر البداية والنهاية: ٨/ ٣١٦.
(٣) هكذا قرأتها ولعل المعنى الملتوية فإن العقداء من الشاء: التي ذنبها كأنه معقود. والعقد التواء في ذنب الشاة (اللسان: ٣/ ٢٩٧ مادة عقد).
(٤) المعرفة: هي منبت الشعر من العنق (اللسان: ٩/ ٢٤١).
(٥) عروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي يكنى أبا يعفور. ترجمه ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة. وذكر عن الشعبي أنه كان أميرا على الكوفة وكان خير أهل بيته (الطبقات الكبرى: ٦/ ٢٦٩).
[ ٢ / ٨٨ ]
معه. فقال: أخبرني عن حسين بن علي كيف صنع حين نزل به. قال:
فأنشأت أحدثه عن صبرة وإبائه ما عرض عليه. وكراهته أن يدخل في طاعة عبيد الله بن زياد حتى قتل.
قال: فضرب بسوطه على معرفة برذونة. ثم قال:-
إن الألى بالطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
قال: فعرفت والله أنه لن يفر وأنه سيصبر حتى يقتل (^١).
قال: والشعر لسليمان بن قتة. قال: ثم سار عبد الملك. وسار مصعب.
حتى التقيا بمن معهما بمسكن (^٢). فقال عبد الملك: ويلكم ما أصبهان هذه؟ قيل سرة العراق. قال: فقد- والله- كتب إلى أكثر من ثلاثين رجلا من أشراف أهل العراق. وكلهم يقولون: إن خست (^٣) بمصعب فلي أصبهان؟ قال: فكتبت إليهم جميعا: أن نعم. فلما التقوا. قال مصعب لربيعة: تقدموا للقتال. فقالوا: هذه مخروءة (^٤) بين أيدينا. فقال: ما تأتون أنتن من المخروءة- يعني تخلفهم عن القتال- وقد كانت ربيعة قبل ذلك مجمعة على خذلانه. فأظهرت ذلك. فخذله الناس ولم يتقدم أحد يقاتل دونه.
فلما رأى مصعب ما صنع الناس وخذلانهم إياه. قال: المرء ميت على كل
_________________
(١) انظر الطبري: ٦/ ١٥٦ والبيت في لسان العرب من غير نسبة وروايته عنده: تأسوا والتأسيا (انظر فهارس اللسان: ١/ ٦١٧ مادة أسا).
(٢) مسكن: بالفتح ثم السكون وكسر الكاف- لغة شاذة في القياس لأنه من سكن يسكن فالقياس مسكن- بفتح الكاف- وهو موضع على نهر دجيل عند دير الجاثليق. (معجم البلدان: ٥/ ١٢٧).
(٣) خست: أي غدرت ونقضت العهد (اللسان: ٦/ ٧٥).
(٤) في تاريخ الطبري: ٦/ ١٥٨ أن مصعب قال لحجار بن أبجر: قدم رأيتك قال: لهذه العذرة. قال مصعب: ما تتأخر إليه والله أنتن وألأم. وفي الكامل: ٤/ ٣٢٦ أنه قال: إلى هؤلاء الأنتان؟ والمعنى أنهم أرادوا الخيانة والغدر لمصعب فتحججوا بمثل هذا القول.
[ ٢ / ٨٩ ]
حال. فو الله لئن يموت كريما أحسن به من أن يضرع (^١) إلى من قد وتره.
لا أستعين بربيعة أبدا ولا بأحد من أهل العراق. ما وجدنا لهم وفاء. انطلق يا بني- لابنه عيسى وهو معه- فاركب إلى عمك بمكة فأخبره بما صنع أهل العراق. ودعني فإني مقتول. فقال له ابنه: والله لا أخبر نساء قريش بشر عنك أبدا. قال: فإن أردت أن تقاتل. فتقدم فقاتل حتى أحتسبك.
فدنا ابنه عيسى فقاتل قتالا شديدا حتى أخذته الرماح من كل ناحية. وكثره القوم فقتل. ومصعب جالس على سريره. فأقبل إليه نفر ليقتلوه فقاتلهم أشد القتال حتى قتل. وجاء عبيد الله بن ظبيان فاحتز رأسه فأتى به عبد الملك بن مروان.
فأعطاه ألف دينار. فأبى أن يأخذها (^٢). وكان مصعب قتل على نهر يقال له: دجيل (^٣). عند دير (^٤) الجاثليق. فأمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا. ثم سار عبد الملك حتى نزل النخيلة (^٥). ودعا أهل العراق إلى البيعة فبايعوه. واستخلف على الكوفة بشر بن مروان أخاه (^٦). ثم رجع إلى الشام (^٧).
_________________
(١) يضرع: يخضع ويذل (لسان العرب: ٨/ ٢٢١).
(٢) انظر الخبر في تاريخ الطبري: ٦/ ١٥٩. وقاتله هو: زائدة بن قدامة.
(٣) دجيل:- مصغر- فرع من نهر دجلة مخرجة من أعلى بغداد. بينها وبين تكريت مقابل القادسية. ويسقي كورة وبلادا واسعة ثم تصب فضلته في دجلة ثانية (معجم البلدان: ٢/ ٤٤٣).
(٤) دير الجاثليق:- بفتح الثاء المثلثة وكسر اللام- دير قديم البناء رحب الفناء يقع غربي دجلة قرب بغداد. وهو رأس الحد بين السواد وأرض تكريت (المصدر السابق: ٢/ ٥٠٣).
(٥) النخيلة: تصغير نخلة- موضع قرب الكوفة على سمت الشام. وكان فيه مقتلة كبيرة للخوارج (المصدر السابق: ٥/ ٢٧٨).
(٦) انظر ترجمته مستوفاة في تاريخ دمشق: ٥/ ٢١٣ من مختصر ابن منظور.
(٧) انظر تاريخ الطبري: ٦/ ١٦٠ والكامل لابن الأثير: ٤/ ٣٢٩.
[ ٢ / ٩٠ ]
٥٥٢ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني عثمان بن محمد العمري. عن عمر بن نافع. عن أبيه. عن ابن عمر. أنه قيل له: أي ابني الزبير كان أشجع؟ قال: ما منهما إلا شجاع. كلاهما مشى إلى الموت وهو يراه.
٥٥٣/ ١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثنا مصعب بن ثابت.
عن أبي الأسود عن عباد بن عبد الله بن الزبير. قال:
٥٥٣/ ٢ - وحدثنا شرحبيل بن أبي عون. عن أبيه- وكان عالما بأمر ابن الزبير- قال:
_________________
(١) إسناده: فيه الواقدي. - عثمان بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب العمري المديني. سمع عائشة بنت سعد. وروى عنه خالد بن مخلد القطواني. وإسماعيل بن أبي أويس. وهشام بن عبيد الله الرازي (الجرح والتعديل: ٦/ ١٦٥). - عمر بن نافع العدوي مولى ابن عمر. ثقة من السادسة (تق: ٢/ ٦٣). - أبوه هو نافع مولى ابن عمر. فقيه مشهور. تقدم في رقم (٣٠٦). تخريجه: أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٥٥ من طريق الواقدي بإسناده. إلا أنه أسقط عثمان بن محمد العمري بين الواقدي وعمر بن نافع. ٥٥٣/ ١ - إسناده ضعيف. - مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام. لين الحديث. تقدم في (٥٠٤). - أبو الأسود هو يتيم عروة. واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي. ثقة. تقدم في رقم (٤٥٧). - عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام. ثقة. تقدم في رقم (٣٢١). ٥٥٣/ ٢ - إسناده ضعيف. - شرحبيل بن أبي عون. مستور الحال. تقدم في (٩٣). - أبو عون مستور الحال. تقدم في (٩٣).
[ ٢ / ٩١ ]
٥٥٣/ ٣ - وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد. عن هشام بن عروة.
عن أبيه. قال:
٥٥٣/ ٤ - وحدثنا عبد الله بن جعفر. عن أبي عون مولى عبد الرحمن ابن مسور. قال:
٥٥٣/ ٥ - وحدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة.
عن عمه أبي الحارث بن عبد الله. قال:
٥٥٣/ ٦ - وحدثنا عبد الله بن جعفر. عن أم بكر بنت المسور. قال:
وغير هؤلاء أيضا قد حدثني. وكتبت كل ما حدثوني به في مقتل عبد الله ابن الزبير.
_________________
(١) ٥٥٣/ ٣ - إسناده ضعيف. - عبد الرحمن بن أبي الزناد مولى قريش. صدوق. تغير حفظه. تقدم في (٦٥). ٥٥٣/ ٤ - إسناده ضعيف. - عبد الله بن جعفر هو المخرمي. ليس به بأس تقدم في (٤٠). ٥٥٣/ ٥ - إسناده ضعيف. - موسى بن يعقوب الزمعي. صدوق سيئ الحفظ. تقدم في (٣٤٥). - عمه هو أبو الحارث بن عبد الله بن وهب بن زمعة مجهول. تقدم في (٥٥٠). ٥٥٣/ ٦ - إسناده ضعيف. - أم بكر بنت المسور بن مخرمة. مقبولة. تقدمت في (٢٩٨). تخريجه: ذكر الواقدي أسانيده في حادثة مقتل ابن الزبير وساقها مساقا واحدا. والأسانيد التي أوردها مختلفة في درجة التوثيق. ويمكن أن يشهد بعضها لبعض فتتقوى. لولا وجود الواقدي. فإنه متهم بالكذب. ومن هذا سبيله فلا يتقوى حديثه بكثرة الطرق والشواهد. إلا أنه في باب الأخبار يتساهل في هذا الأمر. لا سيما وأن جمعا من الحفاظ من أمثال الذهبي وابن كثير وابن حجر قد أوردوا أخباره وقووا أمره في الأخبار التاريخية. وقد أخرج هذا السياق بكاملة ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص: ٤٧٨ - ٤٨٢) من طريق المصنف وبأسانيده المجموعة.
[ ٢ / ٩٢ ]