يحتوى هذا القسم كما هو معلوم على تراجم صغار الصحابة ﵃، ومعرفة هذه الطبقة من الصحابة مُهمة في علم الحديث، حتى يعرف
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٢٨٦).
(٢) المصدر السابق (ص: ١٠٥).
(٣) المصدر السابق (ص: ٢٨٣).
(٤) المصدر السابق (ص: ٢٨٢).
(٥) المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق.
(٧) المصدر السابق (ص: ٢٨٤).
(٨) المصدر السابق (ص: ٢٥٢)
(٩) المصدر السابق (ص: ١٠٥).
(١٠) المصدر السابق (ص: ١٠٧).
(١١) المصدر السابق (ص: ١٠٢).
[ ١ / ٨٤ ]
اتصال الرواية أو إرسالها، لأن بعض هؤلاء الصحابة ليس لهم سماع ورواية عن النبي - ﷺ - وإنما لهم رؤية وإدراك، وبعضهم لم يسمع من النبي - ﷺ - إلا القليل، فتكون أحاديثهم التي لم يسمعوها من النبي - ﷺ - من باب مرسل الصحابي الذي لم يسمعه من الرسول - ﷺ - مباشرة وإنما سمعه من صحابي آخر، وبعض هؤلاء يُنَازَع في صحبته وابن سعد يثبتها، وهذه فائدة.
كما اشتملت هذه الطبقة على تراجم وأخبار مجموعة من الشخصيات المهمة والمؤثرة في الحياة العلمية والفكرية، والحياة السياسية والاجتماعية فابن عباس والحسن والحسين وعبد الله بن الزبير بن العوام، من الشخصيات المشهورة في التاريخ الإسلامي، والمؤثرة في مجرى الأحداث وقد تزعموا قيادة المجتمع في عصرهم، وشاركوا في إدارة الدولة الإسلامية، وفي الجهاد، وفي الأحداث الداخلية، والقضايا العامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى جمع شمل الأمة واتحادها كما حصل على يد الحسن بن علي. كما قاموا بالمعارضة لما رأوه خروجا عن القاعدة الإسلامية وترك الشورى في الولاية العظمى، كما فعل الحسين بن علي وابن الزبير من رفضهما البيعة ليزيد، ثم خرج الحسين إلى العراق، فكانت المأساة العظمى بقتله، واعتصم ابن الزبير بمكة رافضًا للبيعة حتى إذا مات يزيد دعا إلى نفسه فبويع بالخلافة في معظم الأقاليم الإسلامية ولكن بني أمية ومن شايعهم لم يبايعوا له، بل عقدوا بيعتهم لمروان ثم لابنه عبد الملك، وجرت أمور عظيمة حتى حوصرت مكة وضربت الكعبة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير مظلوما في حرم الله.
وهذه الأحداث وقع في عرضها عند الأخباريين والمؤرخين قديما وحديثا خلط وتشويه، يحتاج إلى تحقيق وتحرير، وابن سعد بما عرض من المعلومات والأخبار المسندة، يساعد على إجلاء الصورة وتبين الحقيقة، والتمكن من نقد المرويات على ضوء أسانيدها، وقد تحقق لنا هذا والحمد لله من خلال
[ ١ / ٨٥ ]
المنهج العلمي الذي سلكناه في تحقيق نصوص هذه الطبقة، وقد وجدنا أن ابن سعد ينفرد بذكر نصوص لا توجد عند غيره، سواء في باب الأخبار والوقائع أو في باب الآثار عن الصحابة ﵃ من الأقوال والأفعال وبعض هذه النصوص بأسانيد صحيحة، وبعضها بأسانيد يستفاد منها في الشواهد والمتابعات لنصوص أخرى فترفع درجتها، وبعضها بأسانيد ضعيفة جدًّا.
كما أن في الأحاديث والآثار التي أوردها في تراجم أهل هذه الطبقة والبالغة خمسة عشر وسبعمائة سندا، يستفيد منها أهل العلم في زيادة الطرق وتقويتها لما هو مروي عند غير ابن سعد.
وفي ترجمة ابن عباس أورد نصوصًا في غاية الأهمية، توضح المنهج الذي ينبغي أن يسلك في معاملة المخالفين، وكيفية مُحَاجّتهم، وبماذا يحاجون؟ فقد أرسله علي بن أبي طالب إلى الخوارج الذين أنكروا التحكيم، وخرجوا على علي ﵁ فقال له علي: اذهب إليهم وخاصمهم وادعهم إلى الكتاب والسنة ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه.
وفي النص الثاني: القرآن حَمّال ذو وجوه، تقول، ويقولون، ولكن حاجّهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها مَحِيصا، فخرج ابن عباس إليهم، فحاجهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حُجة" (^١). فبيان الحق، وإزالة الشبهة أول ما ينبغي أن يبدأ به مع المخالف، ثم إن المحاجة والمناظرة في المسألة موضوع الخلاف لابد أن تكون على منهج واضح صحيح وبحجة بينة قاطعة للنزاع، ولذا قال علي: القرآن ذو وجوه، تقول، ويقولون أي في تأويل الآيات، ولكن السنة عن النبي - ﷺ - تحدد تحدد الوجه المراد من الآية، وعندئذ لا
_________________
(١) انظر السند رقم (٩١، ٩٢) وهما بمعنى واحد، والنص صحيح أخرجه أحمد وغيره، وإن كان المصنف رواه من طريق الواقدي.
[ ١ / ٨٦ ]
مجال للاجتهاد في تأويل المراد بالآية مع وجود النص من النبي - ﷺ -.
وقد أورد نصوصًا توضح موقف بعض الصحابة مثل ابن عباس وابن عمر من الأحداث التي جرت في وقتهم مثل بيعة يزيد، وخروج الحسين وبيعة ابن الزبير، فقد بايع ابن عمر وابن عباس ليزيد بن معاوية ونصحا من لم يبايع بالبيعة والدخول فيما دخل فيه عامة المسلمين مع أنه يوجد في الأمة من هو أفضل من يزيد وأولى بالأمر منه، ولكن لا يتوصل إلى ذلك إلا بارتكاب مفاسد أعظم من المصالح التي تتحقق بتولية الأولى والأفضل، وقد نظرا - رحمهما الله - إلى الأمر نظرة شمولية فارتكبا أقل المفسدتين وجلبا أكبر المصلحتين، وهذا هو منهج وهذا هو منهج الاعتدال الإسلامي في التعامل مع مثل هذه الأحداث، وقد التزما بهذه البيعة ولم يخلعا يزيدا عندما خلعه أهل المدينة، ولما دعاهما ابن الزبير إلى البيعة له بعد موت يزيد قالا له: أنت في زمن فُرقَة وليس عندنا خلاف ولكن ننظر حتى يتم الأمر وتأتسق لك البلاد، كما أنهما لم يبايعا لمروان ولا لعبد الملك - عندما دعيا إلى مبايعة نفسيهما، فتركا الأمر حتى يجتمع الناس على واحد، وهكذا ينبغي أن يكون التعامل مع مثل هذه الأحداث، ينطلق من مبدأ شرعي ملتزم، ونظرة شمولية، توازن بين المصالح والمفاسد، بحيث تتحق أكثر المصالح وتندفع أكبر المفاسد، وما حمد الذين خرجوا موقفهم، وما تحقق ما أرادوا من المصالح إلا بارتكاب ما هو أعظم من المفاسد، ولكنهم مع ذلك اجتهدوا فأخطأوا في اجتهادهم والله يثيب المجتهد وإن أخطأ.
[ ١ / ٨٧ ]