٩٤/ ٨/ ب ب قال: وبايع أهل الشام مروان بن الحكم. فسار إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو في طاعة ابن الزبير يدعو له. فلقيه بمرج راهط (^٣). فقتله وفض جمعه (^٤). ثم رجع فوجه حبيش بن دلجة القيني (^٥) في ستة آلاف وأربع مائة إلى ابن الزبير. فسار حتى نزل بالجرف (^٦) في عسكره. ودخل المدينة فنزل في دار مروان- دار الإمارة- واستعمل على سوق المدينة رجلا من قومه يدعى مالكا. أخاف أهل المدينة خوفا شديدا وآذاهم. وجعل يخطبهم
_________________
(١) خيمة جمانة: ذكر الفاكهي في أخبار مكة: ٥/ ٥٩ أن جمعا من فقهاء التابعين كانوا يعتمرون ليلة سبع وعشرين من رمضان من خيمتي جمانة من حيث اعتمرت عائشة من التنعيم. وذكره الأزرقي أيضا: ٢/ ٢٠٨ ولكنه قال: خيمة جمانة بالإفراد. وقال الأستاذ رشدي ملحس في تعليقه على كتاب الأزرقي: ١/ ٢٢٠ جمانة: أكمة واقعة عن مسجد عائشة بمقدار غلوة سهم. أما الفاكهي فقد فسرها بأن المراد جمانة بنت أبي طالب أخت أم هانئ. وانظر ترجمة جمانة في الإصابة: ٧/ ٥٥٣ وذكر الأثر الذي أخرجه الفاكهي نقلا عن كتابه.
(٢) أخرج الأزرقي في أخبار مكة: ١/ ٢١٩ اعتمار ابن الزبير بعد بناء الكعبة من خيمة جمانة من التنعيم من طريق الواقدي عن علي بن زيد بن جدعان عن أبيه عن جده وهذا إسناد ضعيف جدا.
(٣) مرج راهط: موضع في الغوطة من دمشق (معجم البلدان: ٣/ ٢١).
(٤) انظر خبر هذه الوقعة في تاريخ الطبري: ٥/ ٥٣٧ وما بعدها. والبداية والنهاية: ٨/ ٢٤١ وما بعدها. وسيأتي مزيد تفصيل في ترجمة الضحاك بن قيس من هذه الطبقة.
(٥) انظر ترجمته في مختصر تاريخ دمشق: ٦/ ١٩٣.
(٦) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام به كانت أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة (معجم البلدان: ٢/ ١٢٨).
[ ٢ / ٧٤ ]
فيشتمهم ويتوعدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغش لأمير المؤمنين.
فكتب عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (^١) وهو واليه على البصرة. أن يوجه إلى المدينة جيشا. فبعث الحنتف (^٢) بن السجف التميمي في ثلاثة آلاف. فخرجوا معهم ألف وخمس مائة فرس وبغال وحمولة.
وبلغ الخبر حبيش بن دلجة. فقال: نخرج من المدينة فنلقاهم. فإنا لا نأمن أهل المدينة أن يعينوهم علينا. فخرج وخلف على المدينة ثعلبة الشامي. فالتقوا بالربذة عند الظهر. فاقتتلوا قتالا شديدا. فقتل حبيش بن دلجة. وقتل من أصحابه خمس مائة. وأسر منهم خمس مائة. وانهزم الباقون أسوأ هزيمة (^٣).
ففرح أهل المدينة بذلك. وقدم بالأسارى فحبسوا في قصر خل (^٤). فوجه إليهم عبد الله بن الزبير مصعب بن الزبير فضرب أعناقهم جميعا (^٥).
قالوا: فلما بويع عبد الملك بن مروان. بعث عروة بن أنيف (^٦) في ستة
_________________
(١) الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر المعروف له ترجمة في طبقات ابن سعد: ٥/ ٤٦٤.
(٢) هكذا في المخطوطة. وفي تاريخ الطبري: ٥/ ٦١٢. ومختصر تاريخ دمشق: ٦/ ١٩٤، الحنيف،.
(٣) انظر تاريخ الطبري: ٥/ ٦١٢ فقد ذكر القصة بغير هذا السياق.
(٤) قصر خل: قال السمهودي في وفاء الوفا: ٤/ ١٢٨٩: قصر خل- بالخاء المعجمة- ويعرف اليوم بحصن خل غربي بطحان. قال ابن شبة: هو بظاهر الحرة على طريق رومة وقد أمر معاوية النعمان بن بشير ببنائه ليكون حصنا لأهل المدينة. ويقال بل أمر به معاوية مروان بن الحكم فولاه مروان النعمان بن بشير. وسمي قصر خل لأنه على الطريق. وكل طريق في حرة أو رمل يقال له: خل. قال: وفيه حجر منقوش فيه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين مما عمل النعمان بن بشير. قال: وكان قصر خل في بعض السنين سجنا.
(٥) من قوله قال:، وبايع أهل الشام مروان، إلى هنا. أخرجه بنصه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في مختصره: ٦/ ١٩٤.
(٦) انظر الكامل لابن الأثير: ٤/ ٣٤٨.
[ ٢ / ٧٥ ]
آلاف إلى المدينة. وأمرهم أن لا ينزلوا على أحد. ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة لا بد منها. وأن يعسكروا بالعرصة. فنزل عروة بجيشه العرصة. وهرب الحارث بن حاطب (^١) عامل ابن الزبير على المدينة. فكان عروة ينزل فيصلي بالناس الجمعة. ثم يرجع إلى معسكره. فلم يبعث إليهم ابن الزبير أحدا ولم يلقوا قتالا. فكتب إليهم عبد الملك. أن يقبلوا إلى الشام ففعلوا. ولم يتخلف منهم أحد. ورجع الحارث بن حاطب إلى المدينة عاملا لابن الزبير. ثم بعث عبد الملك بن مروان. عبد الملك بن الحارث بن الحكم (^٢) في أربعة آلاف إلى المدينة فما دونها. يلقون جموع ابن الزبير ومن أشرف لهم من عماله (^٣).
وكان سليمان بن خالد بن أبي خالد الزرقي عابدا له فضل. فولاه ابن الزبير خيبر وفدك (^٤). فخرج فنزل في عمله. فبعث عبد الملك بن الحارث.
أبا القمقام في خمس مائة إلى سليمان بن خالد. فقتله. وقتل من كان معه.
فلما انتهى خبره إلى عبد الملك بن مروان أغاظه (^٥) وكره قتله (^٦).
_________________
(١) هو الحارث بن حاطب بن معمر الجمحي ولد بأرض الحبشة وقيل بمكة ثم هاجر به اهله إلى الحبشة وهو صغير وكان يلي المساعي في أيام مروان. انظر نسب قريش (ص ٣٩٥) والكامل في التاريخ: ٤/ ٣٤٨. والإصابة: ١/ ٥٦٨. والتحفة اللطيفة: ١/ ٤٤١.
(٢) انظر نسب قريش (ص: ١٦٩).
(٣) انظر الكامل لابن الأثير: ٤/ ٣٤٨.
(٤) فدك: قرية بالقرب من خيبر إلى الشرق منه. وهي على بعد يومين أو ثلاثة من المدينة. كان أهلها قد صالحوا رسول الله -ﷺ- على نصف ثمارهم وأرضهم. فكانت خالصة له لم يوجف المسلمون عليها من خيل ولا ركاب. وذلك سنة سبع من الهجرة بعد فتح خيبر. وتعرف اليوم بالحائط وغالب أهلها من قبيلة هتيم (معجم البلدان: ٤/ ٢٣٨ ومعجم المعالم الجغرافية ص: ٢٣٥).
(٥) في الكامل: فاغتم عبد الملك لقتله وهو بمعنى أغاظه: أي أحزنه.
(٦) انظر الخبر في الكامل لابن الأثير: ٤/ ٣٤٨ ويضيف تفصيلات أخرى عن الواقعة.
[ ٢ / ٧٦ ]
ووجه عبد الملك بن مروان طارق بن عمرو (^١) في ستة آلاف وأمره أن يكون فيما بين أيلة (^٢) ووادي القرى (^٣) مددا لمن يحتاج إليه من عمال عبد الملك بن مروان أو من كان يريد قتاله من أصحاب ابن الزبير. وكان أبو بكر بن أبي قيس في طاعة ابن الزبير قد ولاه جابر بن الأسود (^٤) خيبر.
فقصد له طارق فقتله في ست مائة (^٥) من أصحابه. وهرب من بقي منهم في كل وجه. فكتب الحارث بن حاطب إلى عبد الله بن الزبير أن عبد الملك ابن مروان بعث طارق بن عمرو في جمع كثير. فهم فيما بين أيلة إلى ذي خشب (^٦). يجدوا (^٧) في أموال الناس ويقتطعونها ويظلمونهم. فلو بعثت إلى
_________________
(١) طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان ولاه عبد الملك بن مروان على المدينة سنة ٧٢ هـ خمسة أشهر ثم اشترك مع الحجاج في قتال ابن الزبير. انظر ترجمته في: تهذيب تاريخ دمشق: ٧/ ٤٣.
(٢) أيلة مدينة قديمة لها ذكر في التاريخ وهي مدينة العقبة الحالية الميناء الأردني على خليج العقبة (المعالم الجغرافية ص: ٣٥).
(٣) وادي القرى. سمي بهذا لكثرة قرأه. وهو يعرف اليوم بوادي العلا. والعلا مدينة معروفة تبعد عن المدينة النبوية ب (٣٥٠) كم (معجم المعالم الجغرافية: ص ٢٥٠).
(٤) جابر بن الأسود بن عوف بن عبد عوف الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف وكان واليا على المدينة لعبد الله بن الزبير (انظر ترجمته في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: ١/ ٤٠٣).
(٥) في ابن الأثير: الكامل: ٤/ ٤٣٩ أصيب أبو بكر وأكثر من مائتي رجل من أصحابه.
(٦) ذو خشب: بضم الخاء والشين المعجمة: واد على مسيره ليلة من المدينة وله ذكر في الحديث والمغازي (معجم البلدان: ٢/ ٣٧٢).
(٧) يجدوا: الجداد والجداد- بالفتح والكسر- صرام النخل وقطع ثمرها. ويطلق على أوان الصرام أي وقته. والمراد أنهم ينهبون أموال الناس ويقطعون ثمارهم (انظر: لسان العرب: ٣/ ١١٢ مادة جدد).
[ ٢ / ٧٧ ]
المدينة رابطة (^١) لا تدخل فكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. أن يوجه إلى المدينة ألفين. ويستعمل عليهم رجلا فاضلا. فوجه إليهم ابن رواس في ألفين. فقدموا المدينة فمنعوها من جيوش أهل الشام. وكانوا قوما لا بأس بهم. وكانت المدينة مرة في يد ابن الزبير. ومرة في يد عبد الملك ابن مروان. أيهما غلب عليها استولى على أمرها. وكانت أكثر ذلك تكون في يد ابن الزبير. فلما بلغ ابن الزبير مقتل أبي بكر بن أبي قيس (^٢). كتب إلى ابن رواس أن يخرج في أصحابه إلى طارق بن عمرو. فشق ذلك على أهل المدينة. وخرج ابن رواس وبلغ ذلك طارقا فندب أصحابه. ثم التقوا بشبكة الدوم (^٣) على تعبية. فاقتتلوا قتالا شديدا. ثم كانت الدولة لطارق وأصحابه. فقتل ابن رواس وأصحابه قتلا ذريعا. ونجا رجل منهم. فقدم المدينة فأخبر بمقتل ابن رواس وأصحابه. فسيء بذلك أهل المدينة. ثم خرج ذلك الرجل إلى عبد الله بن الزبير. فأخبره الخبر. ورجع طارق إلى وادي القرى. وكتب ابن الزبير إلى واليه بالمدينة (^٤) أن يفرض لألفين من أهل المدينة يكونوا ردءا للمدينة ممن يدهمها. ففرض الفرض ولم يأت المال.
فبطل ذلك الفرض وسمي فرض الريح (^٥).
_________________
(١) رابطة: أي جيشا يرابط حول المدينة ليمنعها من غزو أهل الشام وعدوانهم. والرباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدو (اللسان: ٧/ ٣٠٢ مادة ربط).
(٢) والي خيبر من قبل أمير المدينة.
(٣) شبكة الدوم: هي عرض من أعراض المدينة. والشبكة مفرد الشباك والدوم هو الشجر المعروف. وقال السمهودي: هو موضع بوادي إضم يسمى الشبكة بعد ذي خشب (البكري: معجم ما استعجم: ١/ ٢٧١ و٢/ ٧٧٩ والسمهودي وفاء الوفا: ٤/ ١٢٤١).
(٤) هو طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري آخر وال لابن الزبير على المدينة (انظر: ترجمته في الطبقات ج: ٥/ ١٦٠) وخبره في ابن الأثير، الكامل: ٤/ ٣٤٩.
(٥) فرض الريح: سمي بهذا لأنه لم ينفذ. والنص من قوله:، ووجه عبد الملك طارق ابن عمرو، إلى هنا. أخرجه ابن عساكر كما في تهذيب تاريخ دمشق ٧/ ٤٣ نقلا عن ابن سعد. وما تضمنه من أحداث ذكرها كل من الطبري في تاريخه ٦/ ١٦٦ باختصار. وابن الأثير الكامل: ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ ٢ / ٧٨ ]