قالوا: وقد كان الحسين قدم مسلم بن عقيل بن أبي طالب (^٢) إلى الكوفة. وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة المرادي (^٣). وينظر إلى اجتماع الناس عليه ويكتب إليه بخبرهم. فقدم مسلم بن عقيل الكوفة مستخفيا.
وأتته الشيعة (^٤). فأخذ بيعتهم. وكتب إلى حسين بن علي: إني قدمت
_________________
(١) إسناده ضعيف. لجهالة الواسطة بين يزيد والحسين. - جعفر بن سليمان الضبعي البصري. صدوق يتشيع. تقدم في (٤٢٣). - يزيد بن أبي يزيد الضبعي مولاهم البصري. يعرف بالرشك- بكسر الراء وسكون المعجمة- ثقة عابد وقد وهم من لينه. من السادسة (تق: ٢/ ٣٧٢). - من شافه الحسين- لم أقف على اسمه. تخريجه: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: ٥/ ل ٦٩ من طريق ابن سعد به.
(٢) فرم الأمة: فسرها بقوله: مقنعتها والمقنع: هو ما تغطي به المرأة رأسها، (انظر اللسان: ٨/ ٣٠٠ مادة قنع). وقد تقدم في السند رقم (٤٢٣) تفسير ذلك من كلام أهل اللغة وأن الفرم: هو خرقة الحيض ونقل صاحب اللسان قول الحسين هذا.
(٣) انظر خبره في تاريخ الطبري: ٥/ ٣٤٧ - ٥٠ و٣٥٤ - وما بعدها.
(٤) انظر خبره ومقتله في المصدر السابق: ٥/ ٣٤٩ - ٣٦٥.
(٥) في المحمودية: الشيعية.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت إليك ثمانية عشر ألفا فعجل القدوم فإنه ليس دونها مانع. فلما أتاه كتاب مسلم أغذ السير حتى انتهى إلى زبالة (^١). فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف (^٢). وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة في آخر خلافة معاوية فهلك وهو عليها. فخاف يزيد أن لا يقدم النعمان على الحسين. فكتب إلى عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان وهو على البصرة. فضم إليه الكوفة. وكتب إليه بإقبال الحسين إليها. فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها. فأقبل عبيد الله بن زياد على الظهر سريعا حتى قدم الكوفة. فأقبل متعمما متنكرا حتى دخل السوق. فلما رأته السفلة وأهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه وهم يظنون أنه حسين. وذاك أنهم كانوا يتوقعونه. فجعلوا يقولون لعبيد الله: يا ابن رسول الله. الحمد لله الذي أراناك.
وجعلوا يقبلون يده ورجله. فقال عبيد الله: لشد ما فسد هؤلاء. ثم مضى حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم صعد المنبر وكشف عن وجهه فلما رآه الناس مال بعضهم على بعض وأقشعوا (^٣) عنه.
_________________
(١) زبالة:- بضم أوله- منزل بطريق مكة من الكوفة تقع بين واقصة والثعلبية قال أبو عبيد السكوني: فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد (معجم البلدان: ٣/ ١٢٩).
(٢) في تاريخ الطبري: ٥/ ٣٧٤. ٣٧٥ رواية أخرى من طريق أبي مخنف فيها أن مسلم ابن عقيل لما قبض عليه ابن زياد بعث رسولا إلى الحسين يخبره بذلك وينصحه بعدم القدوم فجاءه الرسول بزبالة.
(٣) أقشعوا عنه: ذهبوا وتفرقوا (اللسان: ٨/ ٢٧٤ مادة:، قشع،).
[ ١ / ٤٥٩ ]
وبني عبيد الله بن زياد تلك الليلة بأهله أم نافع (^١) بنت عمارة بن عقبة ابن أبي معيط. وأتى تلك الليلة برسول الحسين بن علي قد كان أرسله إلى مسلم بن عقيل يقال له: عبد الله بن بقطر (^٢). فقتله. وكان قدم مع عبيد الله من البصرة شريك بن الأعور الحارثي وكان شيعة لعلي. فنزل أيضا على هانئ بن عروة. فاشتكى شريك. فكان عبيد الله يعوده في منزل هانئ.
ومسلم بن عقيل هناك لا يعلم به. فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلا يقتلونه إذا دخل عليهم وأقبل عبيد الله فدخل على شريك يسأل به. فجعل شريك يقول:
ما تنظرون بسلمى أن تحيوها اسقوني ولو كانت فيها نفسي. فقال عبيد الله ما يقول: قالوا: يهجر (^٣). وتحشحش القوم في البيت. فأنكر عبيد الله ما رأى منهم. فوثب فخرج ودعا مولى لهانئ بن عروة كان في الشرطة فسأله فأخبره الخبر. فقال: أولا (^٤). ثم مضى حتى دخل القصر وأرسل إلى هانئ ابن عروة وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة فقال: ما حملك على أن تجير عدوي وتنطوي عليه. فقال: يا ابن أخي إنه جاء حق هو أحق من حقك وحق أهل بيتك. فوثب عبيد الله وفي يده عنزة (^٥) فضرب بها رأس هانئ حتى خرج الزج (^٦) واغترز في الحائط ونثر دماغ الشيخ فقتله مكانه. وبلغ
_________________
(١) تاريخ الطبري: ٥/ ٣٦٥.
(٢) ابن كثير. البداية والنهاية: ٨/ ١٦٨. وعبد الله بن بقطر أخو الحسين من الرضاعة ويذكر الطبري: ٥/ ٣٩٤. وابن كثير أيضا: ٨/ ١٦٨ أن رسول الحسين إلى أهل الكوفة هو قيس بن مسهر الصيداوي وسيذكره المصنف في (ص: ٤٦٣).
(٣) انظر تاريخ الطبري: ٥/ ٣٦٣.
(٤) هكذا في الأصل وفي المحمودية، أولى، ولم يتضح معناها لي.
(٥) عنزة: العنزة: عصا في قدر نصف الرمح أو أكثر في طرفها الأعلى سنان مثل سنان الرمح وفي طرفها الأسفل زج كزج الرمح يتوكأ عليها الشيخ الكبير (انظر لسان العرب: ٥/ ٣٨٤ مادة عنز).
(٦) الزج: الحديدة التي تركب في أسفل الرمح. وتركز به الرمح في الأرض.
[ ١ / ٤٦٠ ]
الخبر مسلم بن عقيل فخرج في نحو من أربع مائة من الشيعة. فما بلغ القصر إلا وهو في نحو ستين رجلا. فغربت الشمس واقتتلوا قريبا من الرحبة. ثم دخلوا المسجد وكثرهم أصحاب عبيد الله بن زياد. وجاء الليل فهرب مسلم حتى دخل على امرأة من كندة يقال لها: طوعة. فاستجار بها. وعلم بذلك محمد بن الأشعث بن قيس فأخبر به عبيد الله بن زياد. فبعث إلى مسلم فجيء به فأنبه وبكته وأمر بقتله. فقال: دعني أوصي. قال: نعم. فنظر (^١) إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: إن لي إليك حاجة وبيني وبينك رحم.
فقال عبيد الله: انظر في حاجة ابن عمك. فقام إليه فقال: يا هذا إنه ليس هاهنا رجل من قريش غيرك. وهذا الحسين بن علي قد أظلك فأرسل إليه رسولا فلينصرف. فإن القوم قد غروه وخدعوه وكذبوه. وإنه إن قتل لم يكن لبني هاشم بعده نظام. وعلي دين أخذته منذ قدمت الكوفة فاقضه عني. واطلب جثتي من ابن زياد فوارها (^٢). فقال (^٣) له ابن زياد: ما قال لك؟ فأخبره بما قال. فقال: قل له: أما مالك فهو لك لا نمنعك منه وأما حسين. فإن تركنا لم نرده. وأما جثته فإذا قتلناه لم نبال ما صنع به. ثم أمر به فقتل. فقال عبد الله بن الزبير الأسدي (^٤) في ذلك:
إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري … إلى هانئ في السوق وابن عقيل (^٥)
_________________
(١) في الأصل مكررة.
(٢) انظر مقتله ووصيته في تاريخ الطبري: ٥/ ٣٧٦. ٣٧٧ بسياق مقارب من طريق أبي مخنف.
(٣) من هنا بداية سقط من نسخة المحمودية بمقدار ورقة.
(٤) هو عبد الله بن الزبير- بفتح الزاي المشددة والباء الموحدة مكسورة- بن سليم الأسدي الكوفي. له أخبار مع عبد الله بن الزبير بن العوام وله ترجمة في تاريخ دمشق (ص: ٥٠٦) من جزء حرف العين.
(٥) أورد الطبري في تاريخه: ٥/ ٣٨٠ هذا الشعر باختلاف في بعض الألفاظ وفي ترتيب الأبيات. وعددها عنده ثمانية. ونسبه إلى عبد الله بن الزبير. وقال: ويقال: قاله الفرزدق. والشعر في مقاتل الطالبيين: ص ١٠٨ منسوب لابن الزبير الأسدي. وأيضا في تاريخ دمشق في ترجمة ابن الزبير الأسدي. والكامل لابن الأثير: ٤/ ٣٦. ونسبه في لسان العرب لسليم بن سلام الحنفي: ٤/ ٥٠٢.
[ ١ / ٤٦١ ]
ترى جسدا قد غير الموت لونه … ونضح دم قد سال كل مسيل
أصابهما أمر الإمام فأصبحا … أحاديث من يهوي (^١) بكل سبيل
ترى (^٢) بطلا قد هشم السيف رأسه (^٣) … وآخر يهوي من طمار (^٤) قتيل
أيركب أسماء الهماليج آمنا … وقد طلبته مذ حج بقتيل (^٥)
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم … فكونوا بغايا أرضيت بقليل
يعني أسماء بن خارجة الفزاري. كان عبيد الله بن زياد بعثه وعمرو بن الحجاج الزبيدي إلى هانئ بن عروة. فأعطياه العهود والمواثيق. فأقبل معهما حتى دخل على عبيد الله بن زياد فقتله.
قال: وقضى عمر بن سعد دين مسلم بن عقيل. وأخذ جثته فكفنه ودفنه. وأرسل رجلا إلى الحسين فحمله على ناقة وأعطاه نفقة. وأمره أن يبلغه ما قال مسلم بن عقيل. فلقيه على أربع مراحل فأخبره (^٦).
وبعث عبيد الله برأس مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة إلى يزيد بن معاوية (^٧).
_________________
(١) في الطبري: يسري بدل يهوي. تاريخ الطبري: ٥/ ٣٨٠.
(٢) في الطبري: إلى بطل.
(٣) في الطبري: وجهه.
(٤) طمار: الطمار: المكان العالي (اللسان: ٤/ ٥٠٢).
(٥) في الطبري:، بذحول، وهو الثار.
(٦) ذكر الطبري في تاريخه: ٥/ ٣٧٥ رواية من طريق أبي مخنف: أن الذي بعث الرسول إلى الحسين هو محمد بن الأشعث بطلب من مسلم بن عقيل.
(٧) تاريخ الطبري: ٥/ ٣٨٠. والبداية والنهاية: ٨/ ١٥٧.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وبلغ الحسين قتل مسلم وهانئ فقال له ابنه علي الأكبر: يا أبه ارجع فإنهم أهل (^١) وغدرتهم وقلة وفائهم ولا يفون لك بشيء. فقالت بنو عقيل لحسين: ليس هذا بحين رجوع. وحرضوه على المضي. [فقال حسين لأصحابه: قد ترون ما يأتينا وما أرى القوم إلا سيخذلوننا فمن أحب أن يرجع فليرجع.] فانصرف عنه من (^٢) صاروا إليه في طريقه وبقي في أصحابه الذين خرجوا معه من مكة ونفير قليل من صحبه في الطريق (^٣).
فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسا.