خصّص المؤلف هذه الطبقة للذين كانوا أحداث الأسنان يوم قُبِضَ النبي
- ﷺ -، ولم يَغْزُ أَحدٌ منهم، وقد حفظ عامتهم ما حدثوا بِهِ عَنْه، ومنهم مَنْ لَمْ يحفظ ما حَدّث به عَنْه، ولكِنْ أدْرَكَه ورآه. فهذا شَرْطُه في مَنْ
_________________
(١) انظر الطبقات: ٥/ ٢٤٥ - ٢٥٢ و٧/ ٢٢٦، ٢٢٧، ٧/ ٢٤٥، ٧/ ٢٨٤، ٢٨٥.
[ ١ / ٦٩ ]
يذكره في هذه الطبقة ويعتبره منهم، فلننظر هل وَفَّى بهذا الشرط؟ وهل استقصى كل من ينطبق عليهم هذا الشرط فذكرهم؟
لقد ترجم ستة وأربعين رجلًا في هذه الطبقة، منهم عشرة من بني هاشم، ورجلان من بني أسد، وثلاثة من بني زُهرة، وستة من بني مخزوم، وتسعة من بقية قريش وحلفائهم، وسبعة من الأنصار، وخمسة من سائر القبائل، وأربعة من أبناء اليهود الذين أسلموا. وكلهم ينطبق عليهم شرطه إلا ثلاثة: -
١ - عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ذكر أن عمره يوم مات النبي - ﷺ - الليل نحوا من ثلاثين سنة، وقتل مجاهدًا في أجنادين سنة ثلاث عشرة (^١)، فإذا كان هذا عمره يوم مات النبي، فكيف يكون من أحداث الأسنان؟ ولعل قائلا يقول: إنه نص على أنه لم يغز مع النبي - ﷺ - وهذا من شرطه. ولكن ليس كل مَنْ لم يغز مع النبي - ﷺ - يدخله في هذا الطبقة وإن كان كبيرًا في السِّن.
٢ - ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب الأشهلي. فإنه قد وَهِمَ في اعتباره من هذه الطبقة بسبب التشابه بين اسمه واسم صحابي آخر هو ثابت بن الضحاك أمية بن ثعلبة الخزرجي، والأول أوسي، ولَعَلّ الخزرجي هو مراد ابن سعد فإنه هو الذي ينطبق عليه شرطه في هذه الطبقة أما الأوسي فإنه ممن شهد الحديبية (^٢).
٣ - عبد الله بن صياد. وأمره مُشكل، واختلف فيه هل هو الدجال الأكبر أم غيره؟ وجزم كثير من أهل العلم بأنه دَجّالُ من الدجاجلة (^٣).
وقد عرض عليه النبي - ﷺ - الإسلام فلم يقبل، وكونه أسلم وصلح حاله
بعد ذلك، لا يكون مبررًا في إدخاله في الصحابة، لأنه لم يؤمن بالنبي - ﷺ -
_________________
(١) راجع ترجمته رقم (١٠) في هذه الطبقة.
(٢) راجع الترجمة رقم (٣٦) والتعليق رقم (٥).
(٣) راجع الترجمة رقم (٤٦) والتعليق رقم (٢).
[ ١ / ٧٠ ]
حال لُقْيَاهُ له، ولكن ابن سعد لم ينفرد باعتباره من الصحابة، بل ذكره غيره ممن ألف في الصحابة (^١).
وبالنسبة للسؤال الثاني هل استقصى كل من انطبق عليه شرطه في هذه الطبقة، والجواب: أنه لم يشترط الإحاطة والاستيعاب، فإذا وُجِدَ مَنْ هذا حاله ولم يذكره فلا يؤاخذ عليه، وإن ممن يمكن اعتباره في هذه الطبقة، النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، فإنه في سن عبد الله بن الزبير أو قريبًا منه ولم يغز مع النبي - ﷺ -، وهو ممن روى عن النبي - ﷺ - وحفظ عنه، وأحاديثه كثيرة مشهورة، قال الذهبي: هو من الصحابة الصبيان باتفاق (^٢).
وكذا يزيد بن الأسود بن سلمة بن حُجْر الكِنْدي، فقد نص ابن حجر في الإصابة على أنه من الصحابة الصغار (^٣)، ولم يترجمه ابن سعد في هذه الطبقة ولا غيرها إلا أنه ذكره عندما ترجم لوالده في الطبقة الرابعة وقال: إنه وفد على النبي - ﷺ - مع والده وهو صغير فدعا له (^٤).
وفي ترتيبه للأسماء داخل الطبقة، التزم بالترتيب على النَّسَب كما فعل في الطبقات السابقة إلا في أشياء يسيرة، فقد ذكر عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة، بعد السائب بن يزيد الكندي، وكان حقه أن يُذكر بعد نافع بن عبد الحارث الخزاعي - حسب المنهج الذي سار عليه في الطبقات السابقة بذكر مولى القوم وحليفهم معهم. ومن ذلك ذكره عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، حليف بني زهرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة، مولي الخطاب بن نفيل، بعد مولى خزاعة وكان حقهما أن يذكرا ضمن حلفاء قريش ومواليهم
_________________
(١) انظر مصادر ترجمة ابن صياد في الترجمة رقم (٤٦).
(٢) سير أعلام النبلاء: ٣/ ٤١١.
(٣) الإصابة: ٦/ ٣٤٨.
(٤) الطبقات: ٧ /ق ٢٠٣.
[ ١ / ٧١ ]
وأيضا بالنسبة للأنصار فإنه لم يَفْصل الأوس عن الخزرج بل ذكر الأسماء مختلطة.
وقد ذكرنا من الظواهر العامة في منهجه، أنه يطيل في بعض التراجم ويختصر في أخرى، وهذا بَيّنٌ في هذه الطبقة، فإن أربعة منهم (^١) قد شغلوا أربعًا وعشرين ومائة لوحة من المخطوطة، وبقية التراجم وعددها اثنتان وأربعون ترجمة كانت في إحدى وأربعين لوحة فقط. وبالنسبة للروايات والأسانيد، فقد بلغت في هذه الطبقة خمس عشرة وسبعمائة رواية، منها اثنتان وسبعون وخمسمائة رواية في تراجم الأربعة المذكورين وثلاث وأربعون ومائة رواية في بقية التراجم.
ولو بحثنا عن سبب ذلك لوجدنا أن أهمية المترجَم، وتوفر المعلومات لدى المصنف لها نصيب في هذا، فهؤلاء الأربعة كان لهم إسهامات علمية، ومشاركات سياسية، ولهم منزلة قيادية في توجيه المجتمع والتأثير عليه.
ولذا اعتنى بتتبع أخبارهم، وفضائلهم، وحياتهم الاجتماعية، والسلوكية، ومواقفهم السياسية، وقد وجد مادّة علمية تساعده على بناء الترجمة وصياغة تاريخها.
فمثلا في ترجمة عبد الله بن عباس، بعد أن ساق نسبه وذكر أولاده، ساق سبع روايات تتعلق بتحديد زمن ولادته (^٢)، ثم سبع عشرة رواية عن سبع دعاء النبي - ﷺ - له. ورؤيته الجبريل (^٣)، ثم ركز على فضائله العلمية، وتقدمه في ذلك حتى صار إمامًا يُستفتى في كثير من العلوم الشرعية والعربية، وذكر ملازمته لعمر بن الخطاب، وعلاقته مع عثمان بن عفان وأنه استخلفه على الحج عندما حصر، ثم وقوفه مع على بن أبي طالب بالمشورة والعمل له،
_________________
(١) هم ابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير.
(٢) انظر الروايات (١ - ٧).
(٣) انظر الروايات (٨ - ٢٤).
[ ١ / ٧٢ ]
ومحاجته للخوارج، ثم موقفه من خلافة يزيد، ومن عبد الله الله بن الزبير، ثم ذكر ثلاثين رواية (^١) تتعلق بهيئته الشخصية مثل خاتمه، ولباسه، وعمامته، وإزاره، وشعره، وخضاب لحيته … إلخ. ثم ذكر أكثر من عشر روايات تتعلق بوفاته وثناء المعاصرين له عليه (^٢).
والمعلومات التي قدمها عن ابن عباس معلومات أولية قيمة موثقة بالإسناد حفظها ابن سعد في هذا الكتاب الذي يعتبر من أقدم المصادر التي وصلت إلينا عن تاريخ الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وبعملية إحصائية نجد أنه قدم هذه المعلومات من خلال إحدى وأربعين ومائة رواية بلغت الأسانيد الصحيحة أو الحسنة ستة وخمسين سندًا، والأسانيد الضعيفة اثنان وسبعون سندا، والأسانيد الضعيفة جدًّا ثمانية أسانيد، والأسانيد المتوقف في الحكم عليها خمسة أسانيد، وبلغ عدد المتون التي وردت من طرق أخرى صحيحة أو حسنة ثلاثة وخمسين سندًا، وبذلك يرتفع عدد المتون الصحيحة إلى تسعة ومائة متن، أي بنسبة ٧٧ % بالنظر إلى عدد المرويات، وهذه نسبة عالية إذا قورنت مع كتب التراجم والأخبار المماثلة.
وفي ترجمة الحسن والحسين، قدم معلومات وافية عن تسميتهما وحلق شعورهما والعقيقة عنهما، وفضائلهما، وحياتهما الاجتماعية، ومواقفهما السياسية وأطال في قصة خروج الحسين إلى العراق ومقتله، ووصف ذلك وصفا دقيقا متتابعا، وأورد من التفاصيل الدقيقة عن لحظة مقتله ما يثير الشك في صدق تلك التفاصيل ومقدرة الرواية في ذلك الزمن على حفظ هذه المعلومات الدقيقة ونقلها، وقد أورد خبر المقتل بأسانيد مجموعة كلها ضعيفة من طريق الواقدي عن شيوخه والمدائني عن شيوخه، ثم كمّل ذلك بروايات مفردة من طريق المدائني ومن طريق الواقدي ومن طريق شيوخ آخرين، وبلغ
_________________
(١) انظر الروايات (٩٧ - ١٢٦).
(٢) انظر الروايات (١٢٩ - ١٤١).
[ ١ / ٧٣ ]
عدد الروايات المفردة خمسًا وأربعين رواية والذي صح إسناده منها ثمان روايات فقط، مما يدل على مبلغ التزيد والوضع في هذه القضية، التي كانت فرصة جيدة للمذهب الشيعي في الدعاية له والاجتماع حول مبادئه، واستغلال عواطف الناس ومشاعرهم بهذه القضية المؤثرة، والمتابع لنشأة ة التشيع وتطوره، يجد أنه قد دخل في طور وتحوّل فكري جديد بعد حادثة مقتل الحسين، وأنه اتخذ هذه الحادثة معلما من المعالم المتجددة في كل عام، ومأتما يظهرون به الجزع والحزن لإثارة العامة وكسب مشاعرها (^١).
وهذا القسم يشكل جزءًا مستقلا، عَنْوَنَه بقوله: مقتل الحسين صلوات الله عليه وفي آخره قال: آخر مقتل الحسين بن علي ﵀ (^٢).
أما ترجمة ابن الزبير فقد شغلت إحدى وثلاثين لوحة ذات وجهين (^٣) من المخطوطة، استوعب فيها نواحي متعددة من حياة عبد الله بن الزبير، عن ولادته ونشأته، وأولاده، وفضائله، ومشاركته في الحياة العامة، وزهده وعبادته وموقفه من الأحداث في عصره، وموقفه من بيعة يزيد بن معاوية، ثم مبايعته بالخلافة بعد موت يزيد، والأحداث التي تمت في خلافته، مثل بناء الكعبة، وثورة التوابين، ومقتل المختار، ومعركة مرج راهط، وانتزاع عبد الملك بن مروان العراق، ومقتل مصعب بن الزبير، ويختم الترجمة بوصف مقتله والأحداث التي صاحبت ذلك، ويصف الساعات الأخيرة وصفا تسجيليا دقيقًا، وقد يكون فيها مبالغة، ولكن رواته هنا أمثل قليلا من رواته
_________________
(١) ما ساقه المؤلف في مقتل الحسين - رغم ما فيه من التزيد والكذب - هو أمثل ما أشاعته الرافضة، ودوّنه الأخباريون في مصرع الحسين، ولهذا قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ٢٠٢، وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سُقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى.
(٢) أورد ذلك في خمس وعشرين لوحة من المخطوطة (ل ٤٩ - ٧٥).
(٣) انظر مخطوطة الطبقات (أحمد الثالث) (ل ٨٣ - ١١٣).
[ ١ / ٧٤ ]
في مقتل الحسين ﵁، ولبعض ما ذكره بإسناده الجمعي في مقتل ابن الزبير شواهد صحيحة، وقد اشتملت الترجمة على مائة رواية، عن تسعة وعشرين شيخا، والراوية الأساسي فيها هو الواقدي، حيث تشكل نسبة الرواية عنه ٣٩ % من عدد المرويات، ومنها خمس روايات طويلة وبأسانيد مجموعة تمثل الجانب التاريخي من حياة ابن الزبير، وتمثل ٥٠ % من النصوص الواردة في ترجمته مما يمكن معه القول بأن حوالي ٧٥% من ترجمة ابن الزبير هي من طريق الواقدي، ولذلك فإن نسبة النصوص الصحيحة فيها أقل مما في ترجمة ابن عباس، إذ تبلغ نسبتها قريبا من ٥٢% من عدد المرويات.
وفي ترجمة المسور وهو ممن عاش مع ابن الزبير وناصره، نجده يقدم ترجمته خلال سبع وثلاثين رواية منها ست وعشرون رواية من طريق الواقدي وهي تشكل ٧٠ % من عدد المرويات، وعدد المتون الصحيحة في الترجمة يمثل ٣٨ % وهي نسبة قليلة، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار النصوص التاريخية التي يرويها الواقدي من طريق عبد الله بن جعفر عن عمته أم بكر بنت المسور فإن النسبة ترتفع إلى ٧٥%.
بينما نجد ترجمة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهي أبي طالب، وهي تأتي بعد ترجمة المسور في الطول - وهو حجازي عاش بالمدينة لا تمثل روايات الواقدي فيها سوى ٣٤.٥% بالنسبة لعدد المرويات البالغ ثلاثا وعشرين رواية، ونسبة المتون الصحيحة فيها ٥٦.٥%.
وفي ترجمة الضحاك بن قيس الفِهْري يورد المؤلف سبع روايات، واحدة عن عفان بن مسلم (^١)، واثنتان عن الواقدي (^٢)، وأربع روايات عن المدائني، منها رواية بأسانيد مجموعة (^٣)، وفيها تفصيل لِمَوْقِعَة مرج راهط
_________________
(١) انظر السند رقم (٦٦٤).
(٢) انظر رقم: ٦٦٩، ٩٧٠.
(٣) رقم: ٦٦٥ - ٦٦٨.
[ ١ / ٧٥ ]
ومقتل الضحاك، وهي طويلة إذ تشكل حوالي ٧٠ % من كامل الترجمة.
أما بقية التراجم فهي قصيرة ورواياتها قليلة.
ولو تتبعنا المعلومات والنصوص المتعلقة بالأحداث التاريخية والتي أوردها المصنف من خلال تراجم هذه الطبقة وحاولنا تحليلها ونقدها لوجدناها تعطي صورًا متباينة، وتعكس وجهات نظر متعددة، لا يمكن تصنيفها في اتجاه واحد، مما يعطي صورة واضحة عن مدى أمانة المصنف واستقامته، وحرصه على عرض النصوص كما بلغته دون أن يتدخل في توجيه النصوص وفرض رأى محدد على القارئ، لقد تعمد أن يترك له الحكم على الروايات من خلال المصادر، ومعرفة عدالة الرواة وجرحهم واتجاهاتهم الفكرية، وقد أسهم في بيان شيء من هذا في تراجم غير الصحابة رضي الله.
فمثلا في قضية مقتل عثمان ﵁، يذكر نصوصا تتعلق بها، من خلال ترجمة ابن عباس، والحسن، والحسين، وفي بعضها اتهام لعلي ﵁ بالمشاركة أو الإثارة والتحريض على قتل عثمان (^١)، وفي البعض الآخر أن قتله كان بسبب إيثَارِه بني أمية على غيرهم (^٢)، وهذه النصوص المسندة في هذا المصدر القديم انتقلت إلى مَنْ بَعْدَه من المؤرخين والمصنفين، وانتشرت في كثير من الكتب دون أن تُذكر أسانيدها، فراجت على بعض الناس، وقُرِّر مُوْجِبُها دون تحقيق، بينما هذه النصوص كلها بأسانيد ضعيفة لا تقوم بها حُجّة، وهكذا الشأن في قضايا كثيرة مماثلة، دونت بالأسانيد عند المصنفين الأولين، ثم انتقلت النصوص - بعد انتهاء عصر الإسناد - مفصولة عن
_________________
(١) انظر النص رقم (٣٢٠) وقول ابن عباس للحسين في الإسناد الجمعي (٤٢٥ - ٤٣٣): والله إني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، وقول عمرو بن سعيد والي المدينة في نفس الإسناد الجمعي، لما قتل الحسين: والله لكأني أنظر إلى أيام عثمان وَتَمَثَّلَ ببيتِ مِنَ الشعر.
(٢) انظر النص رقم (٨٨) وقول الأشتر لما بلغه تولية علي ابن عباس على البصرة: ففيه قتلنا الشيخ بالأمس.
[ ١ / ٧٦ ]
الأسانيد، مما جعلها على كثير من الباحثين والمؤلفين وكأنها حقائق مُسَلّمَة، فلا يكون وجود الخبر في مصادر متعددة - سواء كانت هذه المصادر تروي بالأسانيد أم تذكر الأخبار بدون إسناد مهما كثرت وتعددت - دليلًا على صدقه إذا كان مَخْرجُ الخبر أو مداره على غير ثقة، لأن المؤلفين ينقل بعضهم عن بعض اعتمادًا على الإسناد، أما إذا كان للخبر شواهد ومتابعات عن رواة غير متهمين بالكذب فإنه يتقوى بها، أما الكذابون والوضاعون فلا يُقوي بعضهم بعضا ولو كانت طرق الخبر لديهم أو عنهم بالغة ما بلغت.
وفي ترجمة الحسن مثلا يذكر نصوصًا بأسانيد ضعيفة فيها إساءة لمعاوية ﵁، وعمرو بن العاص، وعمرو بن سفيان السلمي وعائشة أم المؤمنين ﵂ (^١)، ونجد أثر هذه النصوص في الكتابات المتأخرة، وعند المعاصرين اليوم، حيث نقلوها دون تحقيق بل أقاموا على مَضمُونِها تفسيرًا للأحداث التاريخية، واستنتاجات، ودراسات كثيرة.
كما ذكر نصوصا بأسانيد كلها ضعيفة، تصور تضييق ابن الزبير على ابن عباس وابن الحنفية، وحصرهما في شعب أبي طالب، وَوَضع الحَطَب على أبوابهما والتهديد بحرقهما وسجن أتباعهما في بئر زمزم (^٢)، واتهام ابن عباس لعبد الله بن الزبير بأنه أغْرَى حُسينًا بالخروج إلى العراق (^٣)، وأنه فرح بمقتله وأظهر الشماتة لابن عباس (^٤).
وهذه الاتهامات نجد آثارها في الكتابات التي جاءت بعد ابن سعد حتى هذا العصر، بينما هي مبنيّة على روايات ضعيفة وساقطة، ومثل هذه الروايات
_________________
(١) انظر النصوص رقم: ٢٨٥، ٢٨٨، ٣٢١.
(٢) انظر الأسانيد رقم: ٩٤، ٩٥، ٩٦.
(٣) انظر الإسناد الجمعي رقم (٤٢٥ - ٤٣٣).
(٤) انظر الإسناد رقم: ٤٤٩، ٥٥١.
[ ١ / ٧٧ ]
تشوه صورة المجتمع الإسلامي في الصدر الأول، وتصور مواقف رجاله بصورة مخالفة للواقع وللسَّمْت الذي تربوا عليه والأخلاق والآداب التي يأمر بها الدين.
كما ذكر نصوصًا مُضيئة في ترجمة الحسن بن علي ورغبته في جمع الأمة، وإيقاف القتال، وأنّ ذلك لم يكن عن عجز منه، وإنما تحققت فيه نبوة النبي - ﷺ -: إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به، وفي رواية على يَدِه، بين فئتين من المسلمين عظيمتين (^١)، فكان أول ما بايع أهل العراق بعد مقتل علي، أنه اشترط عليهم أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به (^٢)، ثم خطبهم وقال في خطبته: وإنّي والله ما أحببت أن ألي من أمر أمة محمد ما يزن مثقال حبة من خردل يهراق فيه مِحْجَمَة من دم، قد علمت ما يضرني مما ينفعني (^٣)، وقال في موطن آخر: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون مَنْ سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله .. (^٤)، وقال في الخطبة التي تنازل فيها لمعاوية: إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحتُ آخره، لذي حق أديت إليه حَقّه أحق به مِنّي، أو حق جُدتُّ به لصلاح أمة محمد … (^٥)، وقال في موضع آخر: ولكني خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفًا أو ثمانون ألفًا أو أكثر من ذلك أو أقل كلهم تَنْضَحُ أَوْدَاجُهم دما، كلهم يستعدى الله فيما أهريق دمه (^٦).
فهذه النصوص الصحيحة تبين بجلاء موقف الحسن من النزاع في أمر
_________________
(١) انظر النصوص (١٨٨) - (١٩٢) وهي كلها صحيحة.
(٢) انظر النص رقم (٢٧٨) وإسناده حسن.
(٣) انظر النص رقم (٢٧٩) وإسناده صحيح.
(٤) انظر النص رقم (٢٨١) وإسناده حسن.
(٥) انظر النص رقم (٢٨٩) وإسناده صحيح.
(٦) انظر النص رقم (٢٩٠) وإسناده حسن.
[ ١ / ٧٨ ]
الخلافة، وحرصه على حقن الدماء، وجمع كلمة الأمة، واطِّراح المصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة.
وقد تعرض لذكر الأحداث الكبيرة المثيرة التي مرت بها الأمة، مثل مقتل الحسين ﵁ (^١)، والحرة (^٢)، وحريق الكعبة (^٣)، ومرج راهط (^٤)، وثورة المختار بن أبي عبيد ثم مقتله (^٥)، ومقتل مصعب بن الزبير (^٦)، وحصار مكة الثاني، والقتال في الحرم (^٧)، ومقتل ابن الزبير (^٨).
وأورد الأخبار عن هذه الأحداث بأسانيد مجموعة، ويكملها بأسانيد مفردة، والأسانيد المجموعةُ مِنْ ناحية دَرَجَتِها حسب أصول الصناعَةَ الحديثية، إما ضعيفة، أو ضعيفة جدا، أو موضوعة.
أما الأسانيد المفردة ففيها الصحيح والحسن وفيها الضعيف والضعيف جدا أما متون هذه الأخبار، ففيها الصحيح، والمشهور الذي له شواهد تَعْضُده وتقوّيه، وفيها ما يقارب الواقع ولا يستنكر، وفيها ما في ألفاظه نكارة، وفيها ما تظهر عليه لوائح الوضع والكذب.
وكل واحدة من هذه القضايا (^٩) تحتاج إلى دراسة مستقلة، تُجْمَعُ فيها
_________________
(١) من السند رقم (٤٢٥ - ٤٧٨).
(٢) ضمن السند الجمعي رقم (٥٢٠).
(٣) ضمن الإسناد السابق
(٤) السند الجمعي رقم (٦٦٥).
(٥) السند الجمعي رقم (٥٥١).
(٦) السند السابق نفسه.
(٧) السند الجمعي (٥٥٣).
(٨) من السند رقم (٥٥٣ - ٦٠٣).
(٩) قد بينا والحمد لله درجة الأسانيد التي رويت بها هذه القضايا، وخرجنا النصوص من المصادر الحديثية والتاريخية وعلقنا على كل قضية بما تيسر والله الموفق.
[ ١ / ٧٩ ]
الروايات على سبيل الحصر والاستقصاء لكافة المصادر وبحسب تنوعها (^١) تُحقق وفق الأصول العلمية، لِيُعْرَفَ الصواب من الزائف، والحق من الباطل، وذلك يحتاج إلى جهد كبير، ودراية علمية، وخبرة واسعة بمصادر التراث الإسلامي، وهذا ينطبق على كافة القضايا في التاريخ الإسلامي، إذ كثير من الباحثين المعاصرين يكتبون في هذه القضايا وهم لا يملكون الدراية العلمية بمناهج علمائنا السابقين، فتأتي أبحاثهم ناقصة، وأحكامهم ضعيفة ومستعجلة، وغير محيطة بالقضية من كافة جوانبها، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن الاستقامة الفكرية على الاعتقاد الصحيح ومنهاج أهل السنة والجماة، من أكبر العوامل لإصابة الحق، وتوفر الاتزان العلمي في البحث، وذلك أن التلوّث بشيء من الانحرافات الفكرية المعاصرة، أو الاتجاهات البدعية التي ظهرت على امتداد التاريخ الإسلامي، لا يوفر لصاحبه الاتزان العلمي المطلوب في بحث القضايا، وإنما يسوقه هواه، وانحرافه، وبدعته، إلى تبني أحكام مُسبقة، ثم يلتقط من الأدلة ما يؤيدها ويقررها ويترك ما عداها.