[قال: ثم أتى يزيد بن معاوية بثقل الحسين ومن بقي من اهله ونسائه.
فأدخلوا عليه قد قرنوا في الحبال. فوقفوا بين يديه. فقال له علي بن حسين:
أنشدك الله (^٣) يا يزيد ما ظنك برسول الله -ﷺ- لو رآنا مقرنين في الحبال.
أما كان يرق لنا.] فأمر يزيد بالحبال فقطعت وعرف الانكسار فيه (^٤).
وقالت له سكينة بنت حسين: يا يزيد. بنات (^٥) رسول الله -ﷺ- سبايا!! فقال (^٦): يا بنت أخي هو والله علي أشد منه عليك (^٧). وقال:
أقسمت بالله لو أن بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه ولكن فرقت
_________________
(١) المخصرة: هي ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا أو مقرعة أو عنزة. وقد كانت من شعار الملوك (اللسان: ٤/ ٢٤٢).
(٢) في المحمودية، بلغ،.
(٣) في المحمودية، بالله،.
(٤) لم يرد في الطبري ذكر لقرنهم بالحبال وذكر ابن الأثير في الكامل: ٤/ ٨٦ أن علي بن الحسين كان مغلولا عند ما أدخل على يزيد ثم أمر يزيد بفك غله.
(٥) في المحمودية، أبنات،.
(٦) في المحمودية (قال).
(٧) ذكر قريبا منه ابن الأثير في الكامل: ٤/ ٨٦.
[ ١ / ٤٨٨ ]
بينه وبينه سمية. وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين. فرحم الله أبا عبد الله عجل عليه ابن زياد. أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه.
ولوددت أني أتيت به سالما. ثم أقبل على علي (^١) بن حسين فقال: أبوك قطع رحمي ونازعني سلطاني فجزاه الله جزاء القطيعة والإثم. فقام رجل من أهل الشام فقال: إن سباياهم لنا حلال (^٢). [فقال علي بن حسين:
كذبت ولؤمت ما ذاك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتأتي بغير ديننا] (^٣).
فأطرق يزيد مليا. ثم قال للشامي: اجلس. ثم أمر بالنساء فأدخلن على نسائه وأمر نساء آل أبي سفيان فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام. فما بقيت منهن امرأة إلا تلقتنا تبكي وتنتحب. ونحن على حسين ثلاثا. وبكت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز على حسين. وهي يومئذ عند يزيد بن معاوية.
فقال يزيد: حق لها أن تعول على كبير قريش وسيدها. وقالت فاطمة بنت علي لامرأة يزيد: ما ترك لنا شيء. فأبلغت يزيد ذلك. فقال يزيد: ما أتى إليهم أعظم. ثم ما ادعوا شيئا ذهب لهم إلا أضعفه لهم. ثم دعا بعلي بن حسين. وحسن بن حسن. وعمرو بن حسن. فقال لعمرو بن حسن وهو يومئذ ابن إحدى عشرة سنة: أتصارع هذا؟ يعني خالد بن يزيد. قال:
لا. ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى أقاتله. فضمه إليه يزيد. وقال:
شنشنة أعرفها من أخزم (^٤). هل تلد الحية إلا حية؟! ثم بعث يزيد إلى المدينة: فقدم عليه بعده من ذوي السن من موالي بني هاشم. ثم من موالي
_________________
(١) حرف الجر، على، ساقط من المحمودية.
(٢) الذي في تاريخ الطبري: ٥/ ٤٦١ وابن الأثير. الكامل: ٤/ ٨٦ أن يزيد قال: لو شئت لفعلت ذلك. أي جعلتهم سبايا. وأن الذي رد عليه فاطمة بنت الحسين.
(٣) انظر نسب قريش (ص: ٥٨).
(٤) مثل يضرب لمن يشبه أصله. وهو مثل قولهم: العصا من العصية. وهل تلد الحية إلا حية (انظر مجمع الأمثال للميداني: ١/ ٣٦١).
[ ١ / ٤٨٩ ]
بني علي (^١). وضم إليهم أيضا عدة من موالي أبي سفيان. ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من نسائه واهله وولده معهم. وجهزهم بكل شيء لم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها. وقال لعلي بن حسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت. وإن أحببت أن أردك إلى بلادك وأصلك. قال: بل تردني إلى بلادي. فرده إلى المدينة ووصله (^٢). وأمر الرسل الذين وجههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا.
ومتى شاءوا (^٣). وبعث بهم مع محرز بن حريث (^٤) الكلبي. ورجل من بهراء (^٥). وكانا من أفاضل أهل الشام.
قال: وبعث يزيد برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو عامل له يومئذ على المدينة (^٦) فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي. فقال
_________________
(١) في المحمودية:، من موالي علي،.
(٢) انظر نسب قريش (ص: ٥٨).
(٣) النص من قول سكينة بنت الحسين: يا يزيد … إلى هنا أورده الطبري في تاريخه: ٥/ ٤٥٧ - ٤٦٢ بسياق مختلف في التقديم والتأخير والزيادة. من رواية أبي مخنف.
(٤) في المحمودية، حريث بن مسعود،.
(٥) في المحمودية، من بني بهراء، وبهراء قبيلة نزل أكثرها مدينة حمص من الشام وهم من قضاعة أخو بلي بن عمرو (انظر اللباب في تهذيب الأنساب: ١/ ١٩١).
(٦) ذكر المصنف هذا القول ضمن الإسناد الجمعي الذي قدم به مقتل الحسين ﵁ وذلك الإسناد لا تقوم به حجة. وقد أشار ابن كثير في البداية والنهاية: ٨/ ٢٠٤ إلى هذا القول ونسبه إلى ابن سعد ثم نقل عن ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن عمر بن صالح- قال: وهما ضعيفان- أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد حتى توفي. فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. وفي رواية أخرى أخرجها ابن عساكر في ترجمة ريا حاضنة يزيد أن رأس الحسين وضع في خزائن السلاح حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك فدفن في مقبرة المسلمين. ثم لما جاءت دولة بني العباس نبشوه وأخذوه معهم (مختصر تاريخ دمشق: ٨/ ٣٦٩)، وأورد الذهبي في السير: ٣/ ٣١٩ سند هذه الحكاية عن ابن عساكر هكذا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة ابن يزيد الحضرمي: حدثني أبي عن أبيه قال أخبرني أبي. حمزة بن يزيد الحضرمي. قال: رأيت امرأة … ثم قال الذهبي: وهي قوية الإسناد. قلت: ريا حاضنة يزيد. قال ابن عساكر: إنها عمرت إلى زمن الدولة العباسية ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا فهي مستورة الحال. ومحمد بن يحيى ابن حمزة قال فيه ابن حبان في الثقات ٩/ ٧٤: ثقة في نفسه. ويتقى حديثه ما روى عنه أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وأخوه عبيد فإنهما يدخلان عليه كل شيء. وهذا الخبر من رواية ابنه أحمد. فهو مما يتقى ويترك. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٨/ ٢٠٤: وادعت الطائفة المسمون بالفاطميين أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور به في مصر قال: وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك. وقال أيضا ٨/ ١٦٥:، والصحيح إنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام،. ثم قال في ٨/ ٢٠٤: فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومن الناس من أنكر ذلك. وعندي أن الأول أشهر فالله أعلم. قلت: لا يلزم من اشتهار القول أن يكون هو الصواب. وقد صحح ابن كثير القول بأن رأس الحسين لم يبعث إلى الشام صراحة كما ترى. وهذا هو الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متعددة من الفتاوى: ٣/ ٤١١ و٤/ ٤٨٦. وانظر سؤال في يزيد ص ١٧. والروايات في حمل الرأس إلى الشام ثم إلى المدينة كلها ضعيفة ومتناقضة. والذي صححه الأئمة وثبت في صحيح البخاري كما تقدم في التعليق على الإسناد رقم (٤٤٤) أن الرأس حمل إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة. وانظر مزيدا من الأقوال في هذه المسألة (النويري، نهاية الأرب: ٢٠/ ٤٧٦).
[ ١ / ٤٩٠ ]
مروان: اسكت. ثم تناول الرأس فوضعه بين يديه. وأخذ بأرنبته (^١) فقال:
يا حبذا بردك في اليدين … ولونك الأحمر في الخدين
كأنما باتا بمجسدين (^٢)
_________________
(١) الأرنبة: طرف الأنف (اللسان: ١/ ٤٣٥).
(٢) في المحمودية، بمسجدين، والمجسد والمجسد: هو الثوب المصبوغ بالزعفران ونحوه وقيل: هو الثوب الأحمر (اللسان: ٣/ ١٢١).
[ ١ / ٤٩١ ]
والله لكأني انظر إلى أيام عثمان. وسمع عمرو بن سعيد الصيحة من دور بني هاشم فقال:
عجت نساء بني زياد عجة … كعجيج نسوتنا غداة الأرنب (^١)
والشعر لعمرو بن معدي كرب في وقعة كانت بين بني زبيد وبين بني الحارث بن كعب.
ثم خرج عمرو بن سعيد إلى المنبر فخطب الناس (^٢). ثم ذكر حسينا وما كان من أمره. وقال: والله لوددت أن رأسه في جسده وروحه في بدنه يسبنا ونمدحه. ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته. فقام ابن أبي حبيش (^٣).
أحد بني أسد بن عبد العزى بن قصي فقال: أما لو كانت فاطمة حية لأحزنها ما ترى.
فقال عمرو: اسكت لا سكت. أتنازعني فاطمة وأنا من عفر ظبابها (^٤). والله إنه لابننا وإن أمه لابنتنا. أجل والله لو كانت حية لأحزنها قتله. ثم لم تلم من قتله يدفع عن نفسه. فقال ابن أبي حبيش: إنه ابن فاطمة. وفاطمة بنت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى.
_________________
(١) قال الطبري في تاريخه: ٥/ ٤٦٦ الأرنب: وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب من رهط عبد المدان. وهذا البيت لعمرو بن معديكرب الزبيدي وذكره في اللسان: ١/ ٤٣٥ وروايته عنده، بني زبيد،.
(٢) من أول الخبر إلى هنا ذكره الطبري في تاريخه: ٥/ ٤٦٦ من رواية هشام ابن الكلبي عن عوانة بن الحكم مع اختلاف في السياق. ولم يذكر ورود الرأس إلى المدينة.
(٣) هو السائب بن أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى. ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح. له ترجمة في الاستيعاب: ٢/ ٥٧٠ وفي الإصابة: ٣/ ١٨. وقال: إنه مات بالمدينة زمن معاوية. فإن كان كذلك فلعل المراد ابنه عبد الله.
(٤) عفر ظبابها: أي جذب سيفه وضرب به حتى عفر خصمه بالتراب (انظر اللسان، مادة عفر وظبب).
[ ١ / ٤٩٢ ]
ثم أمر عمرو بن سعيد: برأس الحسين فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه (^١).
وقال عبد الله بن جعفر: لو شهدته لأحببت أن أقتل معه. ثم قال: عز علي بمصرع حسين.