المقدمة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، ونستعينك اللهم استعانة العاجز المفتقر الذي يعلم أنه لا قوام له إلا بك، ونستهديك هداية توصلنا إلى رضوانك وسلوك صراطك المستقيم ونستغفرك لما أزلفنا من الخطأ والتقصير.
ونشكرك لما أنعمت به علينا وأمددتنا به من الخير الكثير، فأنت أهل لأن تُذكر فلا تُنْسى، وتطاع فلا تُعْصى، وتُشكر فلا تُكْفر.
والصلاة والسلام على الهادي البشير والسراج المنير، مُعَلِّمِ الإنسانية الخير، محمد بن عبد الله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، فهدى الله به قلوبا غُلْفا، وعيونا عُمْيا، وآذانا صُمّا، وأخرج الله به هذه الأمة من الظلمات إلى النور، ومن الشتات والتفرق إلى التجمع والوحدة والاعتصام بحبل الله، ومن الجهل والضلال إلى العلم والإيمان، ومن الفوضى والسلب والغارات والحروب إلى الأمن والطمأنينة والنظام الشامل، ومن الفقر وحياة البداوة، إلى الغنى وبناء الدولة المستقرة، ومن عبادة الأوثان والطواغيت إلى عبادة الله رب العالمين، ومن تشريعات البشر الجائرة الناقصة إلى التشريع الإلهي الكامل العادل، ومن المناهج والأهواء المتضاربة إلى المنهج الرباني الشامل المُوَحَّد.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ (^١).
_________________
(١) سورة الجمعة، آية (٢).
[ ١ / ٧ ]
ورضي الله عن أصحابه الكرام البررة، من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فقد أثنى عليهم ربهم بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^١).
ووصفهم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٢).
وقال - ﷺ - عنهم: "خيْرُ أُمَتِي قَرنِي ثم الذين يَلُونَهم ثم الذين يلونهم … " الحديث (^٣).
وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إنّ الله نَظَرَ في قلوب العِبَادِ فاختار محمدًا - ﷺ - فَبَعَثَهُ إلى خَلْقِه برسالَتِهِ، وانتخبه
_________________
(١) سورة التوبة، آية (١٠٠).
(٢) سورة الفتح، آية (٢٩)
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري من حديث عمران، وابن مسعود في كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -: ٨/ ١٨٩. ومسلم من حديثهما وحديث أبي هريرة. حديث رقم (٢٥٣٣، ٢٥٣٤، ٢٥٣٥).
[ ١ / ٨ ]
بعلمه، ثم نظر في قلوبِ النّاسِ بَعْدَهُ فاختار اللهُ لَهُ أصحابًا فجعلهم أنصار دِينِهِه ووزراء نبيه - ﷺ -" (^١).
وقال ابن مسعود أيضا: "من كان مُسْتَنًّا فليستَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الحي لا تُؤْمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد - ﷺ -، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتَّبِعُوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم مِنْ أخلاقهم وسيرهم، فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم" (^٢).
فهذه النصوص من الكتاب، والسنة، وأقوال علماء الصحابة ﵃، توضح سمات ذلك الجيل الفريد، الذي تربى في أحضان النبوة، وعلى تعاليم الوحي، فكان جيلا فاضلا، وأمة فريدة، هي بحق خير أمة أخرجت للناس.
إنه جيل النصر وثلة الخير، وأئمة الدعوة، وجيل القدوة، والأسوة، والمُثل السامقة والمشرقة في تاريخ الإنسانية الطويل، فلقد احتل الصحابة رضوان الله عليهم بعد الأنبياء ﵈، الصدارة، والقيادة، في موكب البشرية جمعاء، ولهذا جعلهم المولى ﷾ المثل الأعلى الذي تطمح البشرية إلى الوصول إلى مستواه، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (^٣) وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية (^٤) والصحابة هم أول من يدخل في هذا الوصف والخطاب، ولا يعرف عظمة جيل الصحابة إلا من قرأ سيرتهم وتابع حركتهم في نشر الإسلام والعمل به.
_________________
(١) أبو نعيم، حلية الأولياء: ١/ ٣٧٥.
(٢) جامع الأصول: ١/ ٢٩٢.
(٣) سورة البقرة، آية (١٤٣).
(٤) سورة آل عمران، آية (١١٠).
[ ١ / ٩ ]
إن المتأمل في تاريخ الصحابة ﵃، ليرى إخلاصهم، وصدق إيمانهم، ومحبتهم لله ولرسوله - ﷺ -، وأنهم قد بلغوا في ذلك درجة لم يبلغها أحد ممن بعدهم، مع تقيدهم بنصوص الوحي، "كتاب وسنة" ووقوفهم عندها، ومتابعتهم لها، فلا يتقدمون بين يدي الله ورسوله، برأي، أو عادة، أو تقليد، أو رغبة وشهوة، ولا يُحدِثون أمرا إلا بعد التلقي عن رسول الله - ﷺ -، ومعرفة أمره ونهيه، كما يَرَى حَمَاسَهم، وعُلُوّ هِمَمهم، ورغبتهم القوية في نشر الدين والجهاد في سبيل الله والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الخصال الثلاث (الإخلاص والمتابعة والهمة العالية) هي أساس وجود العمل وصلاحه، وعناصر الإحسان والبناء الحضاري المُثْمِر والنافع، ولذا فإنه لا يَخْطُر ببالهم المساومة على العقيدة وحرماتها، ولا الموازنة بينها وبين غيرها، لأنهم قد انْصَبَعُوا بالصبغة الربانية، والتعاليم النبوية حتى كأن أحدهم في تَحَرُّكِهِ وعمله، قرآن يُتْلَى وَسُنّة تُحْتَذَى، ومثل واقعية في حركة أشخاص يَدُبّون على الأرض، ورغبتهم في الآخرة وتعلقهم بها أعلى من وجودهم المادي، حتى كأن أنفسهم قد خرجت من حصّ أنفسهم الدنيوي، كما يرى أثرهم القيادي والمؤثر في تاريخ البشرية وتوجيهها إلى منهج الله وبناء الحضارة على مقتضى ذلك.
"وبهذا كانوا مَوْضِعَ محبّة كل مؤمن جاء بعدهم، وعرف كل مسلم لهم فضلهم ومنتهم، وأنهم سبب في وصول نعمة الإيمان والإسلام إليه، فينطق جَنَانه ولسانه بما عَلّمه ربه نحوهم ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) إذ لا يطعن في الصحابة إلا ذو غلّ في قلبه ودغل في عقيدته ودينه وكراهية لما بلغوه من هذا الدين العظيم - نعوذ
_________________
(١) سورة الحشر، آية (١٠).
[ ١ / ١٠ ]
بالله من الخذلان (^١) - وفي هذا يقول أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا أصحاب رسول الله - ﷺ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن من الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (^٢).
ولأجل هذه المعاني والسمات وغيرها في تاريخ الصحابة ﵃ - مع مالهم على المسلمين من الحق الواجب الرعاية، فإنه يتوجب على الدارسين، العناية بتاريخهم، والتعرف على فضائلهم وجهادهم وجهودهم في نشر الدين وتحقيق ذلك وتنقيته مما أُدْخِل عليه من أصحاب الأهواء والأغراض، حتى يبقى مشرقًا صالحًا للأسوة والقدوة كما هو الواقع الحقيقي.
ومساهمة مِنّي في هذا الميدان، اخترت تحقيق ودراسة "الطبقة الخامسة من طبقات الصحابة" في كتاب الطبقات الكبرى لأبي عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي ليكون موضوع الرسالة التي أتقدم بها للحصول على درجة "الدكتوراه" في التاريخ الإسلامي، وهذه الطبقة لم يسبق نشرها، فقد سقطت من الطبعات السابقة لكتاب الطبقات الكبرى، ولا شك أن نشرها يُسهم في إكمال واحدٍ من أهم وأقدم كتبنا التراثية، بل ربما كان أقدم كتاب وصل إلينا في علم الطبقات وتراجم الصحابة - لا تكاد تخلو منه مكتبة عامة، ولا خاصة، فكل هذه الدوافع كانت سببا في اختياري لهذا الموضوع، وقد علمت نقص هذه الطبقة من كتاب الطبقات الكبرى أثناء دراستي للكتاب ضمن المؤرخين الذي درست مناهجهم في القرون الثلاثة الأولى في الرسالة التي أعددتها لنيل درجة "الماجستير" في التاريخ الإسلامي،
_________________
(١) فاروق حمادة: مقدمة فضائل الصحابة للنسائي (ص: ٧).
(٢) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية (ص: ٩٧).
[ ١ / ١١ ]
وكانت بعنوان "منهج كتابة التاريخ الإسلامي، مع دراسة لتطور التدوين ولمناهج المؤرخين في القرون الثلاثة الأولى"، ثم أوقفني أحد الفضلاء على الناقص من مخطوطة الطبقات وذلك في مكتبة الشيخ المرحوم: عبد الرحيم بن صِدّيق، والتي آلت بعد وفاته إلى مكتبة الحرم المكي الشريف فلما اطلعت عليها أدركت أهميتها وعزمت على العمل على نشرها وتحقيقها وطلبت منه صورة عنها، ولكن تبين لي أن نسخته غير مرتبة الأوراق، مما جعلني أبحث عن أصل المخطوطة، وجلبت عنها صورة كاملة في ثمانية مجلدات كبيرة، وذلك بعد جهد ومشقة، كما أنه قد واجهني من الصعوبات كثرة الأسماء المبهمة في الأسانيد مما يحتاج إلى دُرْبَة ومراس في معرفة الرجال، ونظرا لأهمية المخطوطة وكونها في تاريخ الصحابة ﵃ ولحساسية الموضوعات التي تعرضت لها، ولكن مصنفها روى ما فيها من معلومات بالأسانيد على منهج الجمع والتقميش لا على منهج التحديث والتفتيش، كما قال يحيى بن معين: "إذا كتبت فقمِّش وإذا حدثت ففتِّش" (^١).
فقد رأيت أن أتبع في تحقيقها أعلى المناهج وأدقها، "منهج المحدثين" وذلك بدراسة الأسانيد والحكم عليها، وجمع الطرق والروايات لمعرفة الشواهد والمتابعات، وما في المتون من الشذوذ والغرابة، وهذه صعوبة جديدة ومِحْنَة قادت إلى مِنْحَة، حيث يسر الله لي دراسة أصول هذه العلم على المتخصصين فيه، ثم قراءة كثير من مصادره المختصرة والمطولة، والحمد لله على ذلك وقد جاءت خطة البحث في قسمين: -
- القسم الأول: الدراسة.
- القسم الثاني: التحقيق.
وجعلت الدراسة في ثلاثة فصول.
الفصل الأول: عن حياة المؤلف.
_________________
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١١/ ٨٥.
[ ١ / ١٢ ]
وقد حضرت ما استطعت من مصادر ترجمته ورتبتها ترتيبا تاريخيا حتى تعرف المصادر الأصلية للمعلومات، ومن له فضل السبق، ثم ذكرت اسمه، ونسبه، وولادته، ونشأته، ورحلاته، وثقافته، وعقيدته، ومنزلته العلمية، وشيوخه، وتلاميذه، ومؤلفاته، ووفاته، وذلك كله على سبيل الإيجاز.
والفصل الثاني: جعلته عن دراسة الكتاب وعرضت فيه للموضوعات التالية: -
الأول: منهج المؤلف في ترتيب كتاب الطبقات.
الثاني: منهجه في عرض المادة العلمية، وقد تعرضت فيه المعالم منهجه دون الدخول في التفاصيل - والتي منها الجمع والاستقصاء للروايات، وهذا يحقق قدرًا كبيرًا من الموضوعية والأمانة.
ومنها استخدام الإسناد والمحافظة عليه في غالب الكتاب، وخاصة في طبقات الصحابة، مما يُيسّر على الباحثين عملية النقد. ومنها الإطالة في بعض التراجم والاختصار في أخرى.
الثالث: جعلته دراسة تحليلية للطبقة التي أحققها "الخامسة من الصحابة) وقد بينت فيها شرطه لمن يدخل في هذه الطبقة، وحاكمته إلى شرطه، وهل وَفَّى به؟ وهل استقصى كل من ينطبق عليه شرطه؟ وهل التزم في ترتيب التراجم في هذه الطبقة منهج الترتيب على الأنساب الذي سار عليه في الطبقات السابقة؟ ولماذا أطال في بعض التراجم وقصر في أخرى؟ وما هي المعلومات التي يهتم بها في الترجمة؟ وما هي أبرز القضايا التاريخية التي تعرض لها؟ وما مصادره في ذلك؟ وما قيمة هذه المصادر؟ وكم من الروايات صح وكم منها لم يصح؟ وهل الروايات التي ذكرها في كامل الطبقة تعطي اتجاها فكريًا ومذهبيًا محددًا للمصنف؟ أم أنه أراد أن يورد كامل الروايات التي بَلَغَتْه وَكَمَا بَلَغَتْه، ويترك الأمر للباحث ليدقق ويحقق ويتعرّف على اتجاهات الرواة،
[ ١ / ١٣ ]
ومدى ضبطهم للأحداث والأخبار، مع العلم أن ابن سعد قد أسهم في بيان شيء من ذلك في تراجم غير الصحابة.
الرابع: موارده في الطبقة الخامسة.
الخامس: أهمية هذا القسم من كتاب الطبقات، إذ أن معرفة صغار الصحابة الذين لم يكن لهم إلا رؤية للنبي - ﷺ -، أمرٌ مُهِمّ في علوم الحديث، وكذا الحال بالنسبة للروايات والآثار والتي بلغت خمسة عشر وسبعمائة في هذا المصدر القديم. وقد اشتملت هذه الطبقة على تراجم مجموعة من الشخصيات المؤثرة في الحياة العلمية والفكرية والسياسية والاجتماعية، مثل ابن عباس، والحسن، والحسين، وابن الزبير، فقد شاركوا في كثير من الأحداث المهمة، والتي وقع في عرضها عند كثير من الأخباريين والمؤرخين قديما وحديثًا خلط وتشويه يحتاج إلى تحقيق وتحرير، وإيراد المصنف للأخبار بالأسانيد يساعد على ذلك ويبين المصادر الأولية للنصوص، والتي تم نقلها فيما بعد من مصدر إلى آخر مفصولة عن الأسانيد وعن القائلين بها أول مرة، حتى إذا تواردت عليها المصادر المتأخرة، وكثر ناقلوها ظُنّ أنها حقائق مُسَلّمة، بينما هي من صياغة راو واحدٍ ربما حمله اتجاهه الفكري على اختراع ذلك، أو التزيد فيه، أو وضعه في غير سياقه، حتى يعطي صورة مغايرة للواقع، و، وتخدم الاتجاه الفكري لمن صاغ الخبر أول مرّة.
كما أنها اشتلمت على نصوص في غاية الأهمية من أقوال الصحابة ﵃، واهتماماتهم في الحياة، ومواقفهم من الأحداث والفتن، وسلوكياتهم في المجتمع، ودورهم في التعليم والتوجيه، وسلوكياتهم الخاصة في العبادة، والطاعة وتزكية النفس، والقرب من الله، إلى غير ذلك مما ينبغي الإفادة منه واقتباس الدروس والعبر، والاقتداء والاهتداء بهديهم وطريقتهم.
والفصل الثالث: خصص لدراسة المخطوطة والمنهج المتبع في تحقيقها.
[ ١ / ١٤ ]
أما القسم الثاني من الرسالة فقد أُفْرد لتحقيق النص، مع دراسة الأسانيد والترجمة لرجالها، والحكم على السند، وتخريج الأحاديث والآثار والنصوص، وذكر الطرق والشواهد والمتابعات، إذا وجدت من المصادر الأصلية والتعليق على ما يلزم التعليق عليه، وشرح الغريب من الألفاظ والترجمة والتعريف بالأعلام في المتن وبيان المواضع الجغرافية إلى غير ذلك مما أوضحته في منهج التحقيق.
هذا وقد صنعت للبحث الفهارس الفنية اللازمة.
وختامًا فإني أشكر المولى جلّت قدرته على فضله وتوفيقه، وأسأله سبحانه أن يمدنا بعونه ويهدينا صراطه المستقيم ويجنبنا الزلل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.
المحقق
مكة المكرمة في ٢٠/ ٨/ ١٤٠٩ هـ
[ ١ / ١٥ ]
الدّرَاسَة