يقتصر حديثنا هنا عن القسم الثاني من الكتاب، وهو طبقات الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم، القسم الأول، فهو في السيرة النبوية.
لقد راعي ابن سعد في ترتيب كتاب الطبقات، عدة عوامل: نوعية، وزمانية، ونَسَبِيّة، وجغرافية، وعلو الرواية والإسناد.
فإنه جعل كتابه قسمين: قسم للرجال، وقسم للنساء (^١)، ثم جعل الصحابة الذين هم الجيل الأول من الرجال، في خمس طبقات، ولاحظ في تقسيمه هذا، السبق في الإسلام والفضل، ثم لاحظ في إيراد التراجم داخل كل طبقة عنصر النسب والشرف، فالطبقة الأولى: وهم أهل بدرٍ بَدَأهم برسول الله - ﷺ - ثم الأقرب فالأقرب إليه في النسب، فذكر من شهدها من بني هاشم (^٢) ومواليهم، ثم من شهدها من بني عبد شمس (^٣) وحلفائهم ومواليهم، ثم من شهدها من بني أسد بن عبد العزى (^٤)، وحلفائهم، ثم من شهدها من بني عبد الدار (^٥) ثم من شهدها من بني زهرة (^٦) وحلفائهم،
_________________
(١) قسم النساء أصغر القسمين وهو يشمل المجلد الثامن من المطبوعة، الحادي عشر من مخطوطة أحمد الثالث ويقع في (١٩٦ ورقة) "تاريخ التراث: ١/ ٤٨١" وذكر فيه الصحابيات من زوجات النبي وبناته وبنات أعمامه والقرشيات ثم الأنصاريات ثم ذكر طبقة واحدة: وهن التابعيات، ولم يذكر بعدهن أحد كما فعل في قسم الرجال.
(٢) الطبقات: ٣/ ٦.
(٣) نفسه: ٣/ ٥٣.
(٤) نفسه: ٣/ ١٠٠.
(٥) نفسه: ٣/ ١١٦
(٦) نفسه: ٣/ ١٢٤
[ ١ / ٦٣ ]
ثم من شهدها من بني تيم بن مرة (^١) ومواليهم، وهكذا حتى أنهى بطون قريش ثم بدأ يذكر الأنصار (^٢).
وبدأ بالأوس قبل الخزرج حتى أنهى بطون الأوس، ويذكر مع كل بطن مواليهم وحلفاءهم، ثم بدأ بذكر بطون الخزرج وحلفائهم ومواليهم، ثم أنهى الحديث عن الطبقة الأولى (البدريون) بالحديث عن النقباء في بيعة العقبة (^٣)، ومنهم من شهد بدرًا ومع ذلك أعاد ذكرهم، وكأنه أراد أن يلحق النقباء بهذه الطبقة.
والطبقة الثانية من الصحابة: هم الذين لم يشهدوا بدرًا ولهم إسلامٌ قديم وقد هاجر عامتهم إلى أرض الحبشة وشهدوا أُحُدًا وما بعدها من المشاهد (^٤)، وقد ترجم الأعلام في هذه الطبقة على نفس النسق الذي اتبعه في ترتيب الطبقة الأولى.
والطبقة الثالثة: في من شهد الخندق وما بعدها ومن أسلم فيما بين الخندق وفتح مكة (^٥). واتّبع في ترتيبهم نفس الترتيب السابق.
والطبقة الرابعة: ممن أسلم عند فتح مكة وما بعد ذلك (^٦).
والطبقة الخامسة: في منْ قُبض رسول الله - ﷺ - وهم أحداثُ الأسنان، ولم يغز منهم أحد مع رسول الله - ﷺ -، وقد حفظ عامتهم ما حدثوا به عنه، ومنهم من أدركه ورآه ولم يحدّث عنه شيئا (^٧).
_________________
(١) نفسه: ٣/ ١٦٩.
(٢) نفسه: ٣/ ٤١٩.
(٣) الطبقات الكبرى: ٣/ ٦٠٢، ٦٢٧.
(٤) المصدر نفسه: ٤/ ٥.
(٥) المصدر نفسه: خط ٦ / ق ٦٧.
(٦) المصدر نفسه: خط ٧ /ق ٥٥.
(٧) المصدر نفسه: خط ٧/ ق ٢٤٦.
[ ١ / ٦٤ ]
وبعد تمام الحديث عن الصحابة وطبقاتهم، بدأ بذكر طبقات التابعين، ومَنْ بَعْدَهم، ولكنه أتى بعامل جديد في التقسيم، وهو العامل الجغرافي، فقسمهم حسب المدن التي استقروا بها، وبدأ بالمدينة النبوية باعتبارها دار الهجرة، وعاصمة الإسلام، والمدينة العلمية الأولى، ثم مكة، فالطائف، فاليمن، فاليمامة، فالبحرين، وهذه كلها في بلاد العرب، ثم الكوفة، والبصرة، وواسط، والمدائن، وبغداد، وخراسان، والري، وهمدان وقم، والأنبار، وهذه كلها في بلاد العراق والمشرق، ثم الشام، والجزيرة، والعواصم والثغور، ثم مصر، وأيلة، وإفريقية، والأندلس.
ولجأ المصنف إلى هذا التقسيم الجغرافي ليحقق غرضا من أغراض تأليف الكتاب، وهو معرفة أهل الفقه والعلم، والرواية للحديث، وأنسابهم، وكُنَاهم، وصفاتهم، طبقة طبقة (^١)، في كل بلد، ومعرفة الشيوخ والتلاميذ وتحديد مكان اللقيا، ليعرف اتصال الأسانيد أو انقطاعها.
وفي كل مركز من هذه المراكز، باستثناء المدينة يبدأ بذكر من نزلها من الصحابة ثم بذكر أهل العلم بها الذين أخذوا عن الصحابة، ثم الطبقة التي تليها … وهكذا إلى عصر المؤلف، ويختلف عدد من يترجمهم في كل مدينة من هذه المدن تبعا للأهمية العلمية والثقافية التي وصلت إليها تلك المدينة إلى عهده، وهذا يعطينا صورة واضحة عن تطور الحياة العلمية في الدولة الإسلامية بصفة عامة، وفي كل مدينة ومركز من هذه المراكز، مع معرفة رجال العلم في كل مصر من الأمصار، فمثلا المدينة، ومكة، والكوفة والبصرة، والشام، ومصر، نجد بها كثرة من الفقهاء والمحدثين الكبار من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم وهذا يعني بداية النشاط العلمي وَتَنَامِيه مبكرًا في هذه المراكز، بينما نجد مُدُنا أخرى أقل شأنا منها، إما لكون الحركة العلمية لم تظهر بها مبكرة، أو لكون المصنف لم تتوفر لديه معلومات عن علماء تلك
_________________
(١) الطبقات: ٣/ ٥.
[ ١ / ٦٥ ]
المدن، ولكن ما نلبث فترة من الزمن حتى نرى بروز بعض هذه المدن وجذبها للعلماء ورحلاتهم. مثل بغداد، والري، وخراسان، والأندلس، بل نجد مدنًا جديدة لم يذكرها المصنف، مثل نيسابور وأصبهان وبخاري وسمرقند.
ثم إننا نجد أن المؤلف في ترتيبه للطبقات في كل مدينة، قد راعي عاملًا جديدًا، وهو علو الرواية والإسناد، فمثلا في طبقات أهل المدينة، يقدم مَنْ روى عن أبي بكر وعمر (^١)، في الذكر على مَنْ رَوَى عن عثمان وعلي (^٢)، ومن روى عن أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وأمثالهما جعله في الطبقة الثانية (^٣)، وسار على هذا النسق في بقية الطبقات، فيقدم من روى عن كبار التابعين على من روى عن صغارهم … وهكذا.
يلاحظ من المشكلات في التوزيع الجغرافي أو حتى عند التوزيع حسب الاشتراك في صفة من الصفات، أن المؤلف قد يضطر إلى تكرار بعض التراجم في أكثر من موطن، إما بسبب سكنى أصحابها في أكثر من موطن، أو بسبب تميزهم بصفة من الصفات التي أخذها في الاعتبار عند التقسيم إلى طبقات، كأن يكون الشخص بدريًا، ونَقِيبًا، وسكن مصرًا من الأمصار، فيترجم له ثلاث مرات، كما فعل بعبادة بن الصامت (^٤)، وكذا الحال مع أبي موسى الأشعري، حيث ترجمه في أهل الفتوى، وفي الطبقة الثانية من الصحابة، وفي الصحابة الذين سكنوا الكوفة (^٥)، وكذلك الحال مع سلمان الفارسي، فقد ترجمه في الطبقة الثانية، كما ترجمه في الصحابة الذين سكنوا الكوفة، وفي الصحابة الذين سكنوا المدائن (^٦).
_________________
(١) الطبقات: خط ٨/ ق ١٤٦.
(٢) الطبقات: ٥/ ٩١.
(٣) المصدر نفسه: ٥/ ١٧٨
(٤) الطبقات الكبرى: ٣/ ٥٤٦، ٣/ ٦٢١، ٧/ ٣٨٧.
(٥) المصدر نفسه: ٢/ ٣٤٤، ٤/ ١٠٥، ٦/ ١٦.
(٦) المصدر نفسه: ٤/ ٧٥، ٦/ ٢١٦، ٧/ ٣١٨.
[ ١ / ٦٦ ]
والضحاك بن مزاحم الهلالي، ترجمه في الطبقة الثانية من الكوفيين، وفي الفقهاء المحدثين بخراسان (^١)، وشقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل ترجمه في الطبقة الأولى من الكوفيين مرتين (^٢)، باعتبار صفة قامت به (^٣)، لأن ابن سعد في ترتيبه للأعلام في كل طبقة من طبقات التابعين وأتباعهم، يلاحظ الاشتراك في الصفة، مثل، علو الإسناد، بدلًا من الترتيب على الأنساب (^٤) الذي استخدمه داخل طبقات الصحابة، ولكنه تَغَلّب على هذا الإشكال ببسط الترجمة في موضع، واختصارها في الموضع أو المواضع الأخرى، وليس بالضرورة أن يكون بسط الترجمة في أول موضع حسب ترتيب الكتاب، وإنما في المكان الأكثر مناسبة، ولكنه في غير البدريين، لا يحيل على موطن الترجمة الموسع، ولم أتبين سببًا لذلك.