نذكر هنا ظواهر عامة في منهج ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى، أما الدراسة التفصيلية المتخصصة في موضوع الرسالة فستكون في المبحث التالي عن الطبقة الخامسة.
لقد عرض ابن سعد مادته العلمية وفق منهج يتسم بالدقة، والأمانة، والموضوعية، وجودة السبك والتنسيق، إلا في مواطن قليلة قد يلاحظ فيها التكرار، أو التعارض، وعُذره في ذلك يعود إلى طبيعة الأسلوب العلمي
_________________
(١) المصدر نفسه: ٦/ ٣٠٠، ٧/ ٣٦٩.
(٢) المصدر نفسه: ٦/ ٩٦، ٦/ ١٨٠.
(٣) لقد ترجمه أولا في مَنْ روى عن عمر وعلي وابن مسعود، ثم ترجمه في نفس الطبقة ولكن تحت عنوان، مَنْ روى عن علي وابن مسعود، أي ولم يرو عن عمر، وربما يكون سبب التكرار الشك في لقياه لعمر.
(٤) ليس معنى هذا إلغاء الترتيب على النسب كلية ولكن لم يعد هو العامل المعتبر في التقسيم داخل الطبقة، وانظر نماذج من ذلك في ٥/ ١٧٨ - ٢١١، ٥/ ٢٥٦ - ٢٦٥.
[ ١ / ٦٧ ]
الذي اتبعه في تدوين المعلومات، والذي يقوم على الجمع والاستقصاء للروايات الواردة في الموضوع الواحد وتدوينها بالأسلوب الحديثي القائم على الإسناد لكل معلومة وإن قل شأنها، والمستكثر للطرق وإن كانت المعلومة واحدة، وهذا الأسلوب يحقق الموضوعية العلمية، فينقل إلى القارئ الأقوال، برواتها، وألفاظها، دون أن يتدخل بالإضافة أو الحذف، الذي يؤدي إلى سلك الموضوع في اتجاه معين، وهذا لا يجعلنا نعتقد أن دوره هو الجمع فقط، ذلك أنه مع الجمع قام بعملية التصنيف والترتيب حيث وضع كل مادة علمية في موضعها المناسب، كما أنه مارس النقد والترجيح (^١)، بين الروايات - بعد أن وضعها أمام القارئ، وحتى لا يلزمه برأي محدد - ولكنه لم يكثر من هذا.
- ومن معالم منهجه الالتزام بالإسناد في غالب الكتاب (^٢)، وأسانيده منها المتصل، ومنها المرسل، ومنها المُعلّق، ومنها المنقطع، ومنها المبهم، مثل قوله: أخبرت، ذكر لي، روى قوم، قال بعض أصحابنا، قيل، رُوي، زعم بعض الناس.
- كما أنه يستخدم الإسناد الجمعي في الأخبار الطويلة، ثم يقطعه بأسانيد مفردة، ثم يعود لسياق الخبر الأساسي، بقوله: رجع الحديث إلى الأول.
- بعض التراجم مطولة (^٣)، ويقسم الكلام فيها إلى مباحث وموضوعات
_________________
(١) انظر أمثلة لذلك في الطبقات: ٣/ ٢٤٥، ٤٤٧، ٤٤٩، ٥٧٥، ٥٨٣، ٦٠١، ٦٢٦، والسند رقم ٦٧٧ في الطبقة الخامسة.
(٢) يقل استخدام الإسناد كلما اقتربنا من عصر المؤلف وخاصة عن التابعين وأتباعهم في المناطق التالية: واسط، وخراسان، والمدائن، والرّي، وقم، وهمدان، وبغداد، والأنبار، والعواصم والثغور، ومصر، وأيلة، وإفريقية، والأندلس.
(٣) مثل تراجم الخلفاء الأربعة، وخاصة عمر ومثل ترجمة ابن عباس، والحسن والحسين وعبد الله بن الزبير، وبعض التابعين مثل محمد بن الحنفية، وسعيد بن المسيب، وعلي ابن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومسروق، والشعبي، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن البصري.
[ ١ / ٦٨ ]
ويجعل لها عناوين، وبعضها مختصرة جدا (^١)، بل بعضها بدون ترجمة، ولعل مرد هذا إلى عاملين:-
أولهما: مدى أهمية الشخص المترجم له وأثره في الحياة العامة أو الحياة العلمية.
وثانيهما: مدى توفر المعلومات عن الشخص المراد ترجمته، فبعض الأشخاص تكون المعلومات عنهم كثيرة، وبعضهم ممن لا تتوفر عنه معلومات عند المصنف على أقل تقدير.
- يبدأ الترجمة بذكر الاسم، ثم يسوق النسب ويرفعه إلى القبيلة التي ينتسب إليها، ثم يذكر أولاده، الأبناء والبنات، وأمهاتهم ثم ينسب الأم ويرفع نسبها إلى البطن أو القبيلة، إلا إذا لم تتوفر لديه معلومات.
ويوضِّح - غالبا - حال الأبناء، من زواج وإنجاب، أو موت قبل الزواج، أو انقراض النسل، ويذكر تاريخ ولادة المترجم له إذا توفرت المعلومات، ويذكر بعض شيوخه وتلاميذه، وبعض ما روى، وانتقاله من مصر إلى آخر.
ويذكر تاريخ وفاته، وسببها، ومكانها، ويُنهي ترجمة غير الصحابي - غالبا - بالحكم عليه جرحًا وتعديلا وبيان منزلته عند المحدثين.