ولد بالمدينة سنة ثلاثين ومائة وتلقى العلم بها ثم رحل كعادة أهل زمانه المشافهة العلماء والتلقي عنهم فأخذ عن صغار التابعين ومن بعدهم في الحجاز والعراق والشام، وقدم بغداد سنة ثمانين ومائة (^٢) ثم رحل عنها إلى الرّقة والشام وعاد إلى المدينة ثم رجع إلى بغداد، فولاه الرشيد القضاء، وبقي بها إلى أن مات في شهر ذي الحجة من سنة سبع ومائتين (^٣)، وله من العمر ثمان وسبعون سنة (^٤)، وقد كان أخباريًا جامعًا، ألف كثيرا من الكتب في موضوعات متعددة، وقد ذكر ابن النديم: أن الواقدي خَلّف بعد وفاته ستمائة قمطر كُتُبا وكل قمطر منها حِمْلُ رجلين، وكان له غلامان مملوكان يكتبان له الليل والنهار، وقَبْلَ ذلك بيع له كتب بألفي دينار (^٥).
وله من الكتب: كتاب المغازي، كتاب أخبار مكة، كتاب الطبقات، فتوح الشام، فتوح العراق، الجمل، صفين، الردة والدار، وفاة النبي مولد الحسن والحسين، مقتل الحسين مقتل الحسين، ضرب الدنانير والدراهم،
_________________
(١) أنجز تحقيقها الزميل: عبد العزيز السلومي.
(٢) الطبقات الكبرى: ٧/ ٣٣٤.
(٣) المصدر السابق
(٤) الفهرست: ص ١١١.
(٥) نفس المصدر.
[ ١ / ٣٢ ]
التاريخ الكبير (^١)، كتاب الحرة (^٢)، كتاب الصوائف (*).
ولا شك في أنه قد استفاد من هذه الكتب مَنْ جاء بعده، وأولهم كاتبه محمد بن سعد، قال محمد بن موسى: الذين اجتمعت عندهم كتب الواقدي أربعة أنفس: محمد بن سعد الكاتب أولهم (^٣).
وابن سعد لا يصرح بأسماء كتب شيخه التي أخذ منها بالرواية والسماع أو بالإجازة. غير أن جمع الروايات التي أسندها من طريق الواقدي، وضم بعضها إلى بعض، يشكل الموضوعات التي ألف فيها الواقدي، فمولد الحسن والحسين، ويوم الدار، والجمل، وصفين، وفتوح الشام، والعراق، ومقتل الحسين، ومرج راهط، كلها موضوعات تحدث عنها ابن سعد في هذا القسم من طبقاته وأورد فيها روايات من طريق الواقدي، مما يدل على أنه استفاد من كتب شيخه، وقد كان أكبر شيخ أخذ عنه، فهذا القسم يحوي خمس عشرة وسبعمائة رواية منها سبع وثمانون ومائة رواية من طريق الواقدي، وهي تشكل نسبة ٢٦ % من عدد الروايات، وهي نسبة عالية لم يصل إليها بل إلى نصفها أي شيخ آخر، فأبو نعيم الفضل بن دكين، يأتي في المرتبة الثانية بعد الواقدي ولكن نسبة المرويات من طريقه تمثل ١٠ % فقط. ولا غرابة في كثرة مرويات ابن سعد عن الواقدي إذا أخذنا في الاعتبار طول ملازمته له، وكتابته عنه، واجتماع كتبه عنده، واتحاد التخصص والاهتمام العلمي بينهما.
وهنا مسألة ينبغي أن لا نغفلها ونحن نترجم للواقدي، وهي أقوال أهل العلم في عدالته، فلقد استوعب الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (^٤)،
_________________
(١) نفس المصدر.
(٢) نقل عنه السمهودي في "وفاء الوفاء" في عدة مواضع: ١/ ١٢٤، ١٢٧، ١٢٩، ١٣١، ١٣٢.
(٣) تاريخ بغداد: ٥/ ٣٢١، وانظر عن آثاره وأماكن وجود مخطوطاتها، فؤاد سركين تاريخ التراث العربي ٤٧١ - ٤٧٤.
(٤) تاريخ بغداد: ٣/ ٣ - ٢٠. (*) تاريخ دمشق ٤/ ٤٢.
[ ١ / ٣٣ ]
والمِزّي في تهذيب الكمال (^١)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (^٢)، وميزان الاعتدال (^٣)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (^٤)، الأقوال في عدالته وحكوا إجماع النقاد من أمثال الشافعي، وابن المديني، وابن حنبل، وابن معين والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم الرازي، والنسائي، والدارقطني وابن عدي، والعُقيلي، والدولابي، على وهذه وتركه، قال الذهبي: أَحَدُ أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه (^٥). وقال أيضا: جمع فأوعى، وخلط الغثّ بالسمين، والخرز بالدر الثمين فاطَّرَحُوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة (^٦).
وقال: وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يُحتاج إليه في الغزوات، والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض، فلا ينبغي أن يذكر (^٧) … إلى أن قال: ولا عبرة بتوثيق من وثّقه، كيزيد، وأبي عبيد، وأبي عبيد، والصاغاني والحربي، ومعنّ، وتمام عشرة محدثين، إذ انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس
بحجة وأن حديثه في عداد الواهي (^٨).
وأورد الحافظ ابن حجر قول الذهبي في ميزان الاعتدال: استقر الإجماع على وَهَنِ الواقدي (^٩). قال: وتعقبه بعض مشائخنا بما لا يلاقي
_________________
(١) تهذيب الكمال (ق: ١٢٤٩).
(٢) سير أعلام النبلاء: ٩/ ٤٥٤ - ٤٦٩
(٣) ميزان الاعتدال: ٣/ ٦٦٢ - ٦٦٦.
(٤) تهذيب التهذيب: ٩/ ٣٦٣ - ٣٦٨.
(٥) سير أعلام النبلاء: ٩/ ٤٥٤.
(٦) المصدر السابق: ٩/ ٤٥٥.
(٧) نفس المصدر: ٩/ ٤٦٩
(٨) سير أعلام النبلاء: ٩/ ٤٥٤.
(٩) ميزان الاعتدال: ٣/ ٦٦٦.
[ ١ / ٣٤ ]
كلامه (^١)، وقال في لسان الميزان: متروك سعة علمه (^٢)، وبهذا يتضح ضعف الواقدي واطراح حديثه، إلا أنه في باب الأخبار والمغازي والسير تورد رواياته ولكن لا يحتج بها إذا انفرد خاصة إذا كان فيها ما يستغرب أو يستنكر ومن باب أولى أن لا يعارض بها الروايات الصحيحة.
وقال الحافظ ابن كثير: الواقدي عنده زيادات حَسَنَة، وتاريخ محرّر غالبا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه، مِكْثَار (^٣).
وقد حاول ابن سيد الناس، توثيق الواقدي، وأن مآخذ الأئمة عليه بسبب الإغْرَاب والتفَّرَد، وقال: هو واسعُ العلم، وَسَعَةَ العلم، مَظِنّة لكثرة الإغراب، وكثرة الإغراب مَظنَّة للتهمة (^٤) كما حاول أحد المعاصرين (^٥) تقوية أمر الواقدي، ولكن هيهات أن ينقض الإجماع الذي نقله العلماء الحفاظ، أهل التتبع والاستقراء من أمثال: المزي، والذهبي، وابن حجر.