كان خليفة ثقة لدى معظم أئمة الحديث، غير أن ابن أبي حاتم وعلي بن المديني غمزاه بعض الغمز. فقد جاء عند الأول في كتاب الجرح والتعديل١: "وسألت أبي عنه فقال: لا أحدث عنه هو غير قوي، كتبت من مسنده أحاديث ثلاثة عن أبي الوليد، فأتيت أبا الوليد وسألته عنها فأنكرها وقال: ما هذه من حديثي، فقلت: كتبتها من كتاب العصفري، فعرفه، وسكن غضبه.
قال أبو محمد: انتهى أبو زرعة إلى أحاديث كان أخرجها في فوائده عن شباب العصفري، فلم يقرأها علينا، فضربنا عليها وتركنا الرواية عنه"٢.
وابن أبي حاتم وأبوه من المتشددين في الجرح، وليس فيما حكياه ما يدل دلالة قاطعة على ضعف خليفة، ذلك أن أبا الوليد الطيالسي أنكر الأحاديث في البداية -وقد يكون سبب ذلك أنه وجد في رجال الأحاديث من ينكر أمره- ثم سكت وسكن غضبه عندما علم أن الرواية عند خليفة. وهذا يعني أن خليفة كان صادقًا في روايته.
أما ابن المديني فقد روي عنه أنه قال: "لو لم يحدث شباب كان خيرًا له". وهذه الرواية جاءت في كامل ابن عدي قال: "حدثنا محمد بن جعفر بن يزيد الطبري ثنا محمد بن يونس بن موسى: سمعت علي بن المديني يقول: لو لم يحدث شباب كان خيرًا له. وكان الفضل بن الحباب يذكر أنه كان عند أبي الوليد الطيالسي، فجاءه شباب العصفري برسالة علي بن المديني أن لا يحدث يحيى بن معين، فغضب أبو الوليد وقال: لم لا أحدثه؟ قال ابن عدي: ولا أدري هذه الحكاية عن علي بن المديني "لو لم يحدث شباب كان خيرًا له" قال ابن عدي: إنما يروي عن علي بن المديني الكديمي، والكديمي لا شيء، وشباب من متيقظي رواة الحديث، وله حديث كثير، وتاريخ حسن، وكتاب في طبقات الرجال.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل ١/ ٢/ ٣٧٨. ٢ في الأصل "فلم يقرأ علينا فضربنا عليه وترك الرواية عنه" وهذا تصحيف قومته مما نقله ابن حجر في كتاب تهذيب التهذيب ص١٦٠، ط. الهند.
[ ١ / ٩ ]
وكيف يؤمن بهذه الحكاية عن علي فيه، وهو من أصحاب علي؟ ألا ترى أنه حمله الرسالة إلى أبي الوليد في ابن معين، سيما إذا كان الراوي عن علي محمد بن يونس وهو الكديمي، فدل هذا على أن الحكاية عن علي باطلة. ولخليفة من الحديث الكثير ما يستغني أن أذكر شيئًا من حديثه، وهو مستقيم الحديث صدوق١.
وخليفة ثقة عند البخاري ترجمه في تاريخه الكبير٢، كما ترجم له الذهبي ووثقه في معظم كتبه: في تذكرة الحفاظ، والميزان، وسير أعلام النبلاء، وهي أوسع ترجمة له قال: "خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط الإمام الحافظ العلامة الأخباري أبو عمرو العصفري البصري، ويلقب بشباب، صاحب التاريخ وكتاب الطبقات وغير ذلك. سمع أباه، ويزيد بن زريع، وزياد بن عبد الله البكائي، وسفيان بن عيينة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ومحمد بن جعفر غندر، وإسماعيل بن علية، ومحمد بن أبي عدي، ومعمر بن سليمان، ومحمد بن سواء، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، وابن المهدي، وأمية بن خالد، وحاتم بن مسلم، وهشامًا الكلبي، وعلي بن محمد المدائني، وخلقًا كثيرًا.
ذكر شيخنا في تهذيب الكمال أنه روى عن حماد بن سلمة، فهذا وهم بين؛ فإن الرجل لم يلحق أيضًا السماع من حماد بن زيد ولا أراه رآه.
حدث عنه البخاري بسبعة أحاديث أو أزيد في صحيحه، وبقى بن مخلد، وحرب الكرماني، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو بكر بن أبي عاصم، وعمر بن أحمد الأهوازي، وموسى بن زكريا التستري، وعبدان الجواليقي، وزكريا الساجي، وخلق. وكان صدوقًا نسابةً، عالمًا بالسير والأيام والرجال، وثقه بعضهم. وقال ابن عدي: هو صدوق من متيقظي الرواة. قلت: لينه
_________________
(١) ١ الكامل لابن عدي، نسخة الظاهرية رقم ٣٦٤ حديث و١١٥٥ عام، قطعة ١٢٣/ ١-ب. ٢ التاريخ الكبير للبخاري، ٤٤، ط. الهند.
[ ١ / ١٠ ]
بعضهم بلا حجة. قال مطين وغيره: مات سنة أربعين ومائتين. قلت: كان من أبناء الثمانين وقد أخطأ من قال: مات سنة ست وأربعين"١.
ولخليفة ترجمة جيدة في تهذيب التهذيب لابن حجر، جاء فيها: "خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العصفري التميمي، أبو عمرو البصري الملقب بشباب.
روى عن إسماعيل بن أمية، وبشر بن المفضل، وأبي داود الطيالسي، ويزيد بن زريع، وعبد الرحمن بن مهدي، وكهمس بن المنهال، ومعاذ بن معاذ العنبري، ومعتمر بن سليمان، وابن عيينة، وخلق كثير.
وعنه البخاري، وإبراهيم بن عبد الله الجنيد الختلي، وأبو يعلى الموصلي، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأحمد بن علي الأبار، وبقي بن مخلد، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وحرب الكرماني، وعبد الله بن ناجية، والحسن بن سفيان، وعبد الله بن عبد الرحمن الدرامي، وتمتام، ويعقوب بن شيبة، والصنعاني، وجماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنًا عالمًا بأيام الناس وأنسابهم. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة "٢٤٠"هـ.
قلت: لم يحدث عنه البخاري إلا مقرونًا، وإذا حدث عنه لمفرده علق أحاديثه. وقال مسلمة الأندلسي: لا بأس به"٢.
وكتب ابن خلكان مترجمًا له: "أبو عمرو خليفة بن خياط بن أبي هبيرة بن خياط الشيباني العصفري البصري المعروف بشباب، صاحب الطبقات. كان حافظًا عارفًا بالتواريخ وأيام الناس غزير الفضل. روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه وتاريخه، وعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان النسري في آخرين، وروى هو عن سفيان بن عيينة، ويزيد بن زريع، وأبي داود الطيالسي، ودرست بن حمزة، وتلك الطبقة.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٨/ ١٢٦-١٢٧، مخطوطة مكتبة أحمد الثالث، مصورة بالمجمع العلمي بدمشق، وانظر أيضًا تذكرة الحفاظ ص٤٣٦، ط. الهند الثالثة، وميزان الاعتدال ١/ ٣١٢-٣١٣. ٢ تهذيب التهذيب لابن حجر ٣/ ١٦٠-١٦١، ط. الهند.
[ ١ / ١١ ]
وتوفي في شهر رمضان سنة ثلاثين ومائتين. وقال الحافظ ابن عساكر في معجم مشايخ الأئمة: إنه توفي سنة أربعين، وقيل: ست وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والعصفري -بضم العين وسكون الصاد المهملتين وضم الفاء وبعدها راء- هذه النسبة إلى العصفر الذي يصبغ به الثياب حمرًا. وشباب -بفتح الشين المثلثة والباء الموحدة وبعد الألف باء ثانية- وقد اختلفوا في تلقيبه بذلك لأي معنى هو"١.
وذكر ابن تغري بردي خليفة في وفيات سنة ٢٤٠هـ٢، وأثنى عليه ابن العماد في الشذرات٣. وكذلك أبو بكر بن العربي حين اعتمده ونقل عنه في كتابه العواصم من القواصم٤.
_________________
(١) ١ وفيات الأعيان ١/ ١٧٢، الميمنية. ٢ انظر النجوم الزاهرة ٢/ ٣٠٣. ٣ شذرات الذهب ٢/ ٩٤. ٤ العواصم من القواصم ص١٧٤.
[ ١ / ١٢ ]