وَفِي شهر ربيع الأول من سنة سبع وَسَبْعمائة دخل الْأَمِير حسام الدّين مهنا بن عِيسَى ملك الْعَرَب إِلَى مصر وَحضر بِنَفسِهِ إِلَى الْجب
[ ٢٦٨ ]
فَأخْرج الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد أَن إستأذن فِي ذَلِك فَخرج يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من الشَّهْر إِلَى دَار نَائِب السلطنة بالقلعة وَحضر بعض الْفُقَهَاء وَحصل بَينهم بحث كثير وَفرقت صَلَاة الْجُمُعَة بَينهم
ثمَّ اجْتَمعُوا إِلَى الْمغرب وَلم ينْفَصل الْأَمر
ثمَّ اجْتَمعُوا يَوْم الْأَحَد بعد يَوْمَيْنِ بمرسوم السُّلْطَان مَجْمُوع النَّهَار وَحضر جمَاعَة أَكثر من الْأَوَّلين حضر نجم الدّين بن الرّفْعَة وعلاء الدّين الْبَاجِيّ وفخر الدّين ابْن بنت أبي سعد وَعز الدّين النمراوي وشمس الدّين بن عَدْلَانِ وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء وَلم يحضر الْقُضَاة وطلبوا فَاعْتَذر بَعضهم بِالْمرضِ وَبَعْضهمْ بِغَيْرِهِ وَقبل عذرهمْ نَائِب السلطنة وَلم يكلفهم الْحُضُور بعد أَن رسم السُّلْطَان بحضورهم وانفصل الْمجْلس على خير
وَبَات الشَّيْخ عِنْد نَائِب السلطنة
وَكتب كتابا إِلَى دمشق بكرَة الْإِثْنَيْنِ السَّادِس وَالْعِشْرين من الشَّهْر يتَضَمَّن خُرُوجه وَأَنه أَقَامَ بدار ابْن شقير بِالْقَاهِرَةِ وَأَن الْأَمِير سيف الدّين سلار رسم بِتَأْخِيرِهِ عَن مُدَّة مقَام الشَّيْخ فِي الْجب ثَمَانِيَة عشر شهرا
ففرح خلق كثير بِخُرُوجِهِ وسروا بذلك سُرُورًا عَظِيما وحزن آخَرُونَ وغضبوا
[ ٢٦٩ ]
وامتدحه الشَّيْخ الإِمَام نجم الدّين سُلَيْمَان بن عبد الْقوي بقصيدة مِنْهَا فاصبر فَفِي الصَّبْر مَا يُغْنِيك عَن حيل وكل صَعب إِذا صابرته هانا
وَلست تعدم من خطب رميت بِهِ إِحْدَى إثنتين فأيقن ذَاك إيقانا
تمحيص ذَنْب لتلقى الله خَالِصَة أَو إمتحانا بِهِ تزداد قربانا
يَا سعد إِنَّا لنَرْجُو أَن تكون لنا سَعْدا ومرعاك للوراد سعدانا
وَأَن يَضْرِبك الرَّحْمَن طَائِفَة ولت وينفع من بالود والانا
يَا أهل تَيْمِية العالين مرتبَة ومنصبا فرع الافلاك تبيانا
جَوَاهِر الْكَوْن أَنْتُم غير أَنكُمْ فِي معشر أشربوا فِي الْعقل نُقْصَانا
لَا يعْرفُونَ لكم فضلا وَلَو عقلوا لصيروا لكم الأجفان أوطانا
يَا من حوى من عُلُوم الْخلق مَا قصرت عَنهُ الْأَوَائِل مذ كَانُوا إِلَى الآنا
إِن تبتلى بلئام النَّاس يرفعهم دهر عَلَيْك لأهل الْفضل قد خَانا
[ ٢٧٠ ]
.. إِنِّي لأقسم وَالْإِسْلَام معتقدي وإنني من ذَوي الْإِيمَان أيمانا
لم الق قبلك إنْسَانا أسر بِهِ فَلَا بَرحت لعين الْمجد إنْسَانا
فِي أَبْيَات كَثِيرَة غير هَذِه يمدح فِيهَا الشَّيْخ ويذم أعداءه
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة صلى الشَّيْخ فِي جَامع الْحَاكِم وَجلسَ فَاجْتمع إِلَيْهِ خلق عَظِيم وَسَأَلَهُ بَعضهم أَن يتَكَلَّم بِشَيْء يسمعونه مِنْهُ فَلم يجبهم إِلَى ذَلِك بل كَانَ يتبسم وَينظر يمنه ويسره
فَقَالَ لَهُ رجل قَالَ الله فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾
فَنَهَضَ الشَّيْخ قَائِما وابتدأ بِخطْبَة الْحَاجة خطْبَة ابْن مَسْعُود ﵁ ثمَّ إستعاذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَقَرَأَ ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾
وَتكلم على تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَفِي معنى الْعِبَادَة والاستعانة إِلَى أَن أذن مُؤذن الْعَصْر
[ ٢٧١ ]
وَفِي يَوْم الْخَمِيس السَّادِس من شهر ربيع الآخر سنة سبع وَسَبْعمائة عقد للشَّيْخ مجْلِس آخر بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بِالْقَاهِرَةِ وَاجْتمعَ فِيهِ الْقُضَاة وَغَيرهم
وَكَانَ مِمَّا جرى فِي الْمجْلس فِيمَا بَلغنِي أَنه قيل للشَّيْخ نَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم ونتوب إِلَيْهِ
فَقَالَ الشَّيْخ كلنا نَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم ونتوب إِلَيْهِ
والتفت إِلَى رجل مِنْهُم فَقَالَ لَهُ إستغفر الله الْعَظِيم وَتب إِلَيْهِ
فَقَالَ أسْتَغْفر الله الْعَظِيم واتوب إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ لآخر وَلآخر وَكلهمْ يَقُول كَذَلِك
فَقيل للشَّيْخ تب إِلَى الله ﷿ من كَذَا وَكَذَا وَذكر لَهُ كَلَام
فَقَالَ إِن كنت قلت كلَاما يسْتَوْجب التَّوْبَة فَأَنا تائب مِنْهُ
فَقَالَ لَهُ قَائِل هَذِه لَيست تَوْبَة
فَرد عَلَيْهِ الشَّيْخ وجهله
وَوَقع كَلَام يطول ذكره
وَوصل كتاب الشَّيْخ مُؤَخرا بليلة الْجُمُعَة الرَّابِع عشر من الشَّهْر يذكر فِيهِ أَنه عقد لَهُ مجْلِس ثَالِث بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بِالْقَاهِرَةِ بعد خُرُوج مهنا فِي يَوْم الْخَمِيس سادس الشَّهْر وَأَنه حصل فِيهِ خير وَأَن فِي إِقَامَته مصَالح وفوائد
[ ٢٧٢ ]