وَهَذَا سُؤال خَاصم الْمَلأ الْعلَا قَدِيما بِهِ إِبْلِيس أصل البلية
وَمن يَك خصما للمهيمن يرجعن على أم رَأس هاويا فِي الحفيرة
ويدعى خصوم الله يَوْم معادهم إِلَى النَّار طرا معشر الْقَدَرِيَّة
سَوَاء نفوه أَو سعوا ليخاصموا بِهِ الله أَو ماروا بِهِ للشريعة
وأصل ضلال الْخلق من كل فرقة هُوَ الْخَوْض فِي فعل الْإِلَه بعلة
فإنهمو لم يفهموا حِكْمَة لَهُ فصاروا على نوع من الْجَاهِلِيَّة
وَإِن مبادي الشَّرّ فِي كل أمة ذَوي مِلَّة قدسية نبوية
بخوضهم فِي ذَلِك صَار شركهم وَجَاء دروس الْبَينَات بفترة
فَإِن جَمِيع الْكَوْن أوجب فعله مَشِيئَة رب الْخلق باري الخليقة
وَذَات إِلَه الْخلق وَاجِبَة بِمَا لَهَا من صِفَات وَاجِبَات قديمَة
[ ٤٠٠ ]
.. مَشِيئَته مَعَ علمه ثمَّ قدرَة لَوَازِم ذَات الله قَاضِي الْقَضِيَّة
فقولك لم قد شَاءَ مثل سُؤال من يَقُول فَلم قد كَانَ فِي الأزلية
وَذَاكَ سُؤال يبطل الْعقل وَجهه وتحريمه قد جَاءَ فِي كل شرعة
وَفِي الْكَوْن تَخْصِيص كثير يدل من لَهُ نوع عقل أَنه بِإِرَادَة
وإصداره عَن وَاحِد بعد وَاحِد أَو القَوْل بالتجويز رمية حيرة
ولاريب فِي تَعْلِيق كل مسبب بِمَا قبله من عِلّة موجبية
بل الشَّأْن فِي الْأَسْبَاب أَسبَاب مَا ترى ومصدرها عَن حكم مَحْض الْمَشِيئَة
وقولك لم شَاءَ الْإِلَه هُوَ الَّذِي أزل عقول الْخلق فِي قَعْر حُفْرَة
فَإِن الْمَجُوس الْقَائِلين بخالق لنفع وَرب مبدع للمضرة
سُؤَالهمْ عَن عِلّة الشَّرّ أوقعت رؤوسهم فِي شُبْهَة المثنوية
وَإِن ملاحيد الفلاسفة الأولى يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيم بعلة
بغوا عِلّة للكون بعد انعدامه فَلم يَجدوا ذاكم فضلوا بضلة
وَإِن مبادي الشَّرّ فِي كل أمة ذَوي مِلَّة مَيْمُونَة نبوية
بخوضهمو فِي ذاكم صَار شركهم وَجَاء دروس الْبَينَات بفترة
[ ٤٠١ ]
.. وَيَكْفِيك نقضا أَن مَا قد سَأَلته من الْعذر مَرْدُود لَدَى كل فطْرَة
فَأَنت تعيب الطاعنين جَمِيعهم عَلَيْك وترميهم بِكُل مذمة
وتنحل من والاك صفو مَوَدَّة وَتبْغض من ناواك من كل فرقة
وحالهم فِي كل قَول وفعلة كحالك يَا هَذَا بأرجح حجَّة
وهبك كَفَفْت اللوم عَن كل كَافِر وكل غوي خَارج عَن محجة
فيلزمك الْإِعْرَاض عَن كل ظَالِم على النَّاس فِي نفس وَمَال وَحُرْمَة
وَلَا تغضبن يَوْمًا على سافك دَمًا وَلَا سَارِق مَالا لصَاحب فاقة
وَلَا شاتم عرضا مصونا وَإِن علا وَلَا ناكح فرجا على وَجه غية
وَلَا قَاطع للنَّاس نهج سبيلهم وَلَا مُفسد فِي الأَرْض فِي كل وجهة
وَلَا شَاهد بالزور إفكا وفرية وَلَا قَاذف للمحصنات بريبة
وَلَا مهلك للحرث والنسل عَامِدًا وَلَا حَاكم للْعَالمين برشوة
وكف لِسَان اللوم عَن كل مُفسد وَلَا تأخذن ذَا جرمة بعقوبة
وَسَهل سَبِيل الْكَاذِبين تعمدا على رَبهم من كل جَاءَ بفرية
[ ٤٠٢ ]
.. وَإِن قصدُوا إضلال من تستجيبهم بروم فَسَاد النَّوْع ثمَّ الرياسة
وجادل عَن الملعون فِرْعَوْن إِذْ طَغى فأغرق فِي اليم انتقاما بعصية
وكل كفور مُشْرك بإلهه وَآخر طاغ كَافِر بنبوة
كعاد ونمروذ وَقوم لصالح وَقوم لنوح ثمَّ أَصْحَاب الايكة
وَخَاصم لمُوسَى ثمَّ سَائِر من أَتَى من الْأَنْبِيَاء محييا للشريعة
على كَونهم إِذْ جاهدوا النَّاس إِذْ بغوا ونالوا من العَاصِي بُلُوغ الْعقُوبَة
وَإِلَّا فَكل الْخلق فِي كل لَفْظَة ولحظة عين أَو تحرّك شَعْرَة
وبطشة كف أَو تخطي قديمَة وكل حراك بل بِكُل سكينَة
همو تَحت أقدار الْإِلَه وَحكمه كَمَا أَنْت فِيمَا قد أتيت بِحجَّة
وهبك رفعت اللوم عَن كل فَاعل فعال ردي طردا لهذي المقيسة
فَهَل يمكنن رفع الملام جَمِيعه عَن النَّاس طرا عِنْد كل قبيحة
وَترك عقوبات الَّذين قد اعتدوا وَترك الورى الْإِنْصَاف بَين الرّعية
فَلَا تضمنن نفس وَمَال بِمثلِهِ وَلَا تعقبن عَاد بِمثل الجريمة
[ ٤٠٣ ]
.. وَهل فِي عقول النَّاس أَو فِي طباعهم قبُول لقَوْل النذل مَا وَجه حيلتي
وَيَكْفِيك نفضا مَا بجسم ابْن آدم صبي وَمَجْنُون وكل بَهِيمَة
من الْأَلَم الْمقْضِي فِي غير حِيلَة وَفِيمَا يَشَاء الله أكمل حِكْمَة
إِذا كَانَ فِي هَذَا لَهُ حِكْمَة فَمَا يظنّ بِخلق الْفِعْل ثمَّ الْعقُوبَة
وَكَيف وَمن هَذَا عَذَاب مخلد عَن الْفِعْل فعل العَبْد عبد الطبيعة
كآكل سم أوجب الْمَوْت أكله وكل بِتَقْدِير لرب الْبَريَّة
فكفرك يَا هَذَا كسم أَكلته وتعذيب نَار مثل جرعة غُصَّة
أَلَسْت ترى فِي هَذِه الدَّار من جنى يُعَاقب إِمَّا بالقضا أَو بشرعة
وَلَا عذر للجاني بِتَقْدِير خَالق كَذَلِك فِي الْأُخْرَى بِلَا مثنوية
وَتَقْدِير رب الْخلق للذنب مُوجب كتقدير عُقبى الذَّنب إِلَّا بتوبة
وَمن كَانَ من جنس المتاب لرفعه عواقب أَفعَال الْعباد الخبيثة
[ ٤٠٤ ]
.. كجبرية تمحى الذُّنُوب ودعوة تجاب من الْجَانِي وَرب شَفَاعَة
وَقَول حَلِيف الشّعْر إِنِّي مُقَدّر عَليّ كَقَوْل الذيب هذي طبيعتي
وَتَقْدِيره للْفِعْل يجلب نقمة كتقديره الْآثَار طرا بعلة
فَهَل ينفعن عذر الملوم لِأَنَّهُ كَذَا طبعه أم هَل يُقَال لعثرة
أم الذَّنب والتعذيب أوكد للَّذي طَبِيعَته فعل الشرور الشنيعة
فَإِن كنت ترجو أَن تجاب بِمَا عَسى ينجيك من نَار الْإِلَه الْعَظِيمَة
فدونك رب الْخلق فاقصده ضارعا مرِيدا بِأَن يهديك نَحْو الْحَقِيقَة
وذلل قياد النَّفس للحق واسمعن وَلَا تعرضن عَن فكرة مُسْتَقِيمَة
وَمَا بَان من حق فَلَا تتركنه وَلَا تعص من يَدْعُو لأَقوم ريعة
[ ٤٠٥ ]
.. ودع دين ذَا الْعَادَات لَا تتبعنه وعج عَن سَبِيل الْأمة الغضبية
وَمن ضل عَن حق فَلَا تقفونه وزن مَا عَلَيْهِ النَّاس بالمعدلية
هُنَالك تبدو طالعات من الْهدى تبشر من قد جَاءَ بالحنفية
بِملَّة إِبْرَاهِيم ذَاك إمامنا وَدين رَسُول الله خير الْبَريَّة
فَلَا يقبل الرَّحْمَن دينا سوى الَّذِي بِهِ جَاءَت الرُّسُل الْكِرَام السجية
وَقد جَاءَ هَذَا الحاشر الْخَاتم الَّذِي حوى كل خير فِي عُمُوم الرسَالَة
وَأخْبر عَن رب الْعباد بِأَن من عدا عَنهُ فِي الْأُخْرَى بأقبح جينة
فهذي دلالات الْعباد لحائل وَأما هداه فَهُوَ فعل الربوبة
وفقد الْهدى عِنْد الورى لَا يقيل من عدا عَنهُ بل يجزى بِلَا وَجه حجَّة
وَحجَّة مُحْتَج بِتَقْدِير ربه يُرِيد عذَابا كاحتجاج مَرِيضَة
وَأما رضانا بِالْقضَاءِ فَإِنَّمَا أمرنَا بِأَن نرضى بِمثل الْمُصِيبَة
[ ٤٠٦ ]
.. كسقم وفقر ثمَّ ذل وغربة وَمَا كَانَ من سوء بِدُونِ جريمة
فَأَما الأفاعيل الَّتِي كرهت لنا فَلَا ترتضى مسخوطة لمشيئة
وَقد قَالَ قوم من أولي الْعلم لَا رضَا بِفعل الْمعاصِي والذنُوب الكريهة
وَقَالَ فريق ترتضى لقضائه لَهَا وَمَا فِيهَا فَيلقى بسخطه
كَمَا أَنَّهَا للرب خلق وَأَنَّهَا لمخلوقة لَيست كَفعل الغريزة
فنرضى من الْوَجْه الَّذِي هِيَ خلقه ونسخط من وَجه اكْتِسَاب بحيلة
ومعصية العَبْد الْمُكَلف تَركه لما أَمر الْمولى وَإِن بِمَشِيئَة
فان إِلَه الْخلق حق مقاله بِأَن الْعباد فِي جحيم وجنة
كَمَا أَنهم فِي هَذِه الدَّار هَكَذَا بل البهم فِي الآلام أَيْضا ونعمة
وحكمته الْعليا اقْتَضَت مَا اقْتَضَت من ال فروق بِعلم ثمَّ أيد وَرَحْمَة
يَسُوق أولى التعذيب للسبب الَّذِي يقدره نَحْو الْعَذَاب بعزة
وَيهْدِي أولي التَّنْعِيم نَحْو نعيمهم بأعمال صدق فِي رَجَاء وخشية
وَأمر إِلَه الْخلق تَبْيِين مَا بِهِ يَسُوق أولي التَّنْعِيم نَحْو السَّعَادَة
[ ٤٠٧ ]
.. فَمن كَانَ من أهل السَّعَادَة أثرت أوامره فِيهِ بتيسير صَنْعَة
وَمن كَانَ من أهل الشقاوة لم ينل بِأَمْر وَلَا نهي بِتَقْدِير شقوة
وَلَا مخرج للْعَبد عَمَّا بِهِ قضى وَلكنه شَاءَ بِخلق الْإِرَادَة
وَمن أعجب الْأَشْيَاء خلق مَشِيئَة بهَا صَار مُخْتَار الْهدى والضلالة
فقولك هَل أخْتَار تركا لحكمة كَقَوْلِك هَل أخْتَار ترك الْمَشِيئَة
وأختار أَن لَا أخْتَار فعل ضَلَالَة وَلَو نلْت هَذَا التّرْك فزت بتوبة
وَذَا مُمكن لكنه مُتَوَقف على من يَشَاء الله من ذِي الْمَشِيئَة
فدونك فَافْهَم مَا بِهِ قد أجبْت من معَان إِذا إنحلت بفهم غريزة
أشارت إِلَى أصل تُشِير إِلَى الْهدى وَللَّه رب الْخلق أكمل مدحه
وَصلى إِلَه الْخلق ﷻ على الْمُصْطَفى الْمُخْتَار خير الْبَريَّة
[ ٤٠٨ ]
تمت بِحَمْد الله وعونه وَهِي مائَة وَأَرْبع وَثَمَانُونَ بَيْتا بل هِيَ مائَة وَخَمْسَة أَبْيَات الْحَمد لله رب الْعَالمين
قَالَ القَاضِي ابو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي بن مُحَمَّد الْبَزَّار سَمِعت المظفر هُنَا بن ابراهيم النَّسَفِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن عبد السَّلَام بن الواثق يَقُول سَمِعت بعض الصَّالِحين يَقُول رؤى بعض الصَّالِحين فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي
قيل من وجدت أَكثر أهل الْجنَّة قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي
فَقيل فَأَيْنَ أَصْحَاب أَحْمد بن حَنْبَل
قَالَ سَأَلتنِي عَن أَكثر أهل الْجنَّة مَا سَأَلتنِي عَن أَعلَى أهل الْجنَّة أَصْحَاب أَحْمد أَعلَى أهل الْجنَّة وَأَصْحَاب الشَّافِعِي أَكثر اهل الْجنَّة