السّفر إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة لَيْسَ بمشروع وَأما من سَافر إِلَى مَسْجِد النَّبِي ﷺ ليُصَلِّي فِيهِ وَيسلم على النَّبِي ﷺ وعَلى صَاحِبيهِ ﵄ فمشروع كَمَا ذكر بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَأما لَو قصد إِعْمَال الْمطِي لزيارته ﷺ وَلم يقْصد الصَّلَاة فَهَذَا السّفر إِذا ذكر رجل فِيهِ خلافًا للْعُلَمَاء وَأَن مِنْهُم من قَالَ إِنَّه مَنْهِيّ عَنهُ وَمِنْهُم من قَالَ أَنه مُبَاح وَأَنه على الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِطَاعَة وَلَا قربَة فَمن جعله طَاعَة وقربة على مُقْتَضى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ كَانَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاع وَذكر حجَّة كل قَول مِنْهُمَا أَو رجح أحد الْقَوْلَيْنِ لم يلْزمه مَا يلْزم من تنقص إِذْ لَا تنقص وَلَا إزراء بِالنَّبِيِّ ﷺ
[ ٣٦٩ ]
وَقد قَالَ مَالك ﵀ لسائل سَأَلَهُ أَنه نذر أَن يَأْتِي قبر النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن كَانَ أَرَادَ مَسْجِد النَّبِي ﷺ فليأته وَليصل فِيهِ وَإِن كَانَ أَرَادَ الْقَبْر فَلَا يفعل للْحَدِيث الَّذِي جَاءَ لَا تعْمل الْمطِي إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد وَالله أعلم
كتبه أَبُو عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْمَالِكِي كَذَلِك يَقُول عبد الله بن أبي الْوَلِيد الْمَالِكِي قَالَ الْمُؤلف ﵀ نقلت هَذِه الْأَجْوِبَة كلهَا من خطّ الْمُفْتِينَ بهَا قَالَ ووقفت على كتاب ورد مَعَ أجوبة أهل بَغْدَاد وَصورته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله نَاصِر الْملَّة الإسلامية ومعز الشَّرِيعَة المحمدية بدوام أَيَّام الدولة الْمُبَارَكَة السُّلْطَانِيَّة الْمَالِكِيَّة الناصرية ألبسها الله تَعَالَى لِبَاس الْعِزّ المقرون بالدوام وحلاها بحلية النَّصْر المستمر بمرور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي الْمَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْأَنَام صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله البررة الْكِرَام
اللَّهُمَّ إِن بابك لم يزل مَفْتُوحًا للسائلين ورفدك مَا برح مبذولا للوافدين من عودته مسألتك وَحدك لم يسْأَل أحدا سواك وَمن
[ ٣٧٠ ]
منحته منائح رفدك لم يفد على غَيْرك وَلم يحتم إِلَّا بحماك أَنْت الرب الْعَظِيم الْكَرِيم الأكرم قصد بَاب غَيْرك على عِبَادك محرم أَنْت الَّذِي لَا إِلَه غَيْرك وَلَا معبود سواك عز جَارك وَجل ثناؤك وتقدست أسماؤك وَعظم بلاؤك وَلَا إِلَه غَيْرك وَلم تزل سنتك فِي خلقك جَارِيَة بامتحان أوليائك وأحبابك تفضلا مِنْك عَلَيْهِم وإحسانا من لَدُنْك إِلَيْهِم ليزدادوا لَك فِي جَمِيع الْحَالَات ذكرا ولإنعامك فِي جَمِيع التقلبات شكرا وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾
اللَّهُمَّ وَأَنت الْعَالم الَّذِي لَا تعلم وَأَنت الْكَرِيم الَّذِي لَا تبخل قد علمت يَا عَالم السِّرّ وَالْعَلَانِيَة أَن قُلُوبنَا لم تزل ترفع إخلاص الدُّعَاء صَادِقَة وألسنتنا فِي حالتي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ناطقة أَن تسعفنا بإمداد هَذِه الدولة الْمُبَارَكَة الميمونة السُّلْطَانِيَّة الناصرية بمزيد الْعلَا والرفعة والتمكين وَأَن تحقق آمالنا فِيهَا بإعلاء الْكَلِمَة فِي ذَلِك بِرَفْع قَوَاعِد دعائم الدّين وقمع مكايد الْمُلْحِدِينَ لِأَنَّهَا الدولة الَّتِي بَرِئت من غشيان الجنف والحيف وسلمت من طغيان الْقَلَم وَالسيف
وَالَّذِي ينطوي عَلَيْهِ ضمائر الْمُسلمين ويشتمل عَلَيْهِ سرائر الْمُؤمنِينَ أَن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر للدّين مِمَّن قَالَ فِيهِ رب
[ ٣٧١ ]
الْعَالمين وإله السَّمَوَات وَالْأَرضين الَّذِي بتمكينه فِي أرضه حصل التَّمْكِين لملوك الأَرْض وَعُظَمَاء السلاطين فِي كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي يُتْلَى فَمن شَاءَ فليتدبر ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر﴾ وَهُوَ مِمَّن مكنه الله تَعَالَى فِي الأَرْض تمكينا يَقِينا لَا ظنا وَهُوَ مِمَّن يَعْنِي بقوله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا﴾
وَالَّذِي عهد الْمُسلمُونَ وتعوده الْمُؤْمِنُونَ من المراحم الْكَرِيمَة والعواطف الرحيمة إكرام أهل الدّين وإعظام عُلَمَاء الْمُسلمين
وَالَّذِي حمل على رفع هَذِه الْأَدْعِيَة الصَّرِيحَة إِلَى الحضرة الشَّرِيفَة وَإِن كَانَت لم تزل مَرْفُوعَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَة قَوْله ﷺ الدّين النَّصِيحَة قيل لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم وَقَوله ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فهذان الحديثان مشهوران بِالصِّحَّةِ ومستفاضان فِي الْأمة
ثمَّ إِن هَذَا الشَّيْخ الْمُعظم الْجَلِيل وَالْإِمَام المكرم النَّبِيل أوحد
[ ٣٧٢ ]
الدَّهْر وفريد الْعَصْر طراز المملكة الملكية وَعلم الدولة السُّلْطَانِيَّة لَو أقسم مقسم بِاللَّه الْعَظِيم الْقَدِير أَن هَذَا الإِمَام الْكَبِير لَيْسَ لَهُ فِي عصره مماثل وَلَا نَظِير لكَانَتْ يَمِينه برة غنية عَن التَّكْفِير وَقد خلت من وجود مثله السَّبع الأقاليم إِلَّا هَذَا الإقليم يُوَافق على ذَلِك كل منصف جبل على الطَّبْع السَّلِيم وَلست بالثناء عَلَيْهِ أطريه بل لَو أطنب مطنب فِي مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ لما أَتَى على بعض الْفَضَائِل الَّتِي هِيَ فِيهِ أَحْمد بن تَيْمِية درة يتيمة يتنافس فِيهَا تشترى وَلَا تبَاع لَيْسَ فِي خَزَائِن الْمُلُوك درة تماثلها وتؤاخيها انْقَطَعت عَن وجود مثله الأطماع
لقد أَصمّ الأسماع وأوهى قوى المتبوعين والأتباع سَماع رفع أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية إِلَى القلاع
وَلَيْسَ يَقع من مثله أَمر ينقم مِنْهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنه يكون أمرا قد لبس عَلَيْهِ وَنسب إِلَى مَا لَا ينْسب مثله إِلَيْهِ والتطويل على الحضرة الْعَالِيَة لَا يَلِيق إِن يكن فِي الدُّنْيَا قطب فَهُوَ القطب على التَّحْقِيق قد نصب الله السُّلْطَان أَعلَى الله شَأْنه فِي هَذَا الزَّمَان منصب يُوسُف الصّديق صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ لما صرف الله وُجُوه أهل الْبِلَاد إِلَيْهِ حِين أَمْحَلت الْبِلَاد وَاحْتَاجَ أَهلهَا إِلَى الْقُوت المدخر لَدَيْهِ وَالْحَاجة بِالنَّاسِ والآن إِلَى قوت الْأَرْوَاح الْمشَار فِي ذَلِك الزَّمَان إِلَيْهَا لإخفاء أَنَّهَا للعلوم الشَّرِيفَة والمعان اللطيفة
[ ٣٧٣ ]
وَقد كَانَت فِي بِلَاد المملكة السُّلْطَانِيَّة حرسها الله تَعَالَى تكال إِلَيْنَا جزَافا بِغَيْر أَثمَان منحة عَظِيمَة من الله للسُّلْطَان ونعمة جسيمة إِذْ خص بِلَاد مَمْلَكَته وإقليم دولته بِمَا لَا يُوجد فِي غَيرهَا من الأقاليم والبلدان وَكَانَ قد وَفد الوافدون من سَائِر الْأَمْصَار إِلَى تِلْكَ الديار فوجدوا صَاحب صواع الْملك قد رفع إِلَى القلاع وَمثل هَذِه الْميرَة لَا تُوجد فِي غير تِلْكَ الْبِلَاد لتشترى أَو تبَاع فصادف ذَلِك جَدب الأَرْض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها حَتَّى صَارُوا من شدَّة حَاجتهم إِلَى الأقوات كالأموات وَالَّذِي عرض للْملك بالتضييق على صَاحب صواعه مَعَ شدَّة الْحَاجة إِلَى غذَاء الْأَرْوَاح لَعَلَّه لم يتَحَقَّق عِنْده أَن هَذَا الإِمَام من أكَابِر الْأَوْلِيَاء وأعيان أهل الصّلاح وَهَذِه نزغة من نزغات الشَّيْطَان قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَقل لعبادي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن إِن الشَّيْطَان ينزغ بَينهم إِن الشَّيْطَان كَانَ للْإنْسَان عدوا مُبينًا﴾
وَأما إزراء بعض الْعلمَاء عَلَيْهِ فِي فتواه وَجَوَابه عَن مَسْأَلَة شدّ الرّحال إِلَى الْقُبُور فقد حمل جَوَاب عُلَمَاء هَذِه الْبِلَاد إِلَى نظرائهم من الْعلمَاء وقرنائهم من الْفُضَلَاء وَكلهمْ أفتى أَن الصَّوَاب فِي الَّذِي بِهِ أجَاب
وَالظَّاهِر بَين الْأَنَام أَن إكرام هَذَا الإِمَام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فِيهِ قوام الْملك ونظام الدولة وإعزاز الْملَّة واستجلاب
[ ٣٧٤ ]
الدُّعَاء وكبت الْأَعْدَاء وإذلال أهل الْبدع والأهواء وإحياء الْأمة وكشف الْغُمَّة ووفور الْأجر وعلو الذّكر وَرفع الْبَأْس ونفع النَّاس ولسان حَال الْمُسلمين تال قَول الْكَبِير المتعال ﴿فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز مسنا وأهلنا الضّر وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الْكَيْل وَتصدق علينا إِن الله يَجْزِي المتصدقين﴾
والبضاعة المزجاة هِيَ هَذِه الأوراق المرقومة بالأقلام والميرة الْمَطْلُوبَة هِيَ الإفراج عَن شيخ الْإِسْلَام وَالَّذِي حمل على هَذَا الْإِقْدَام قَوْله ﵇ الدّين النَّصِيحَة وَالسَّلَام
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله الطيبين الْكِرَام وَسلم تَسْلِيمًا هَذَا آخر هَذَا الْكتاب
قَالَ الْمُؤلف ووقفت على كتاب آخر من بَغْدَاد أَيْضا صورته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْمُرْسلين مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَصَحبه اجمعين
اللَّهُمَّ فَكَمَا أيدت مُلُوك الْإِسْلَام وولاة الْأُمُور بِالْقُوَّةِ والأيد وشيدت لَهُم ذكرا وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخْرا وللمكسور العائذ بِأَكْنَافِ بابهم جبرا فاشدد اللَّهُمَّ مِنْهُم بِحسن معونتك لَهُم
[ ٣٧٥ ]
أزرا وأعل لَهُم جدا وارفع قدرا وزدهم عزا وزودهم على أعدائك نصرا وامنحهم تَوْفِيقًا مُسَددًا وتمكينا مستمرا
وَبعد فَإِنَّهُ لما قرع أسماع أهل الْبِلَاد المشرقية والنواحي العراقية التَّضْيِيق على شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية سلمه الله عظم ذَلِك على الْمُسلمين وشق على ذَوي الدّين وَارْتَفَعت رُؤُوس الْمُلْحِدِينَ وجابت نفوس أهل الْأَهْوَاء والمبتدعين وَلما رأى عُلَمَاء أهل هَذِه النَّاحِيَة عظم هَذِه النَّازِلَة من شماتة أهل الْبدع وَأهل الْأَهْوَاء بأكابر الأفاضر وأئمة الْعلمَاء أنهوا حَال هَذَا الْأَمر الفظيع وَالْأَمر الشنيع إِلَى الحضرة الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة زَادهَا الله شرفا وَكَتَبُوا أجوبتهم فِي تصويب مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ سلمه الله فِي فَتَاوَاهُ وَذكروا من علمه وفضائله بعض مَا هُوَ فِيهِ وحملوا ذَلِك إِلَى بَين يَدي مَوْلَانَا ملك الْأُمَرَاء أعز الله أنصاره وضاعف اقتداءه غيرَة مِنْهُم على هَذَا الدّين ونصيحة لِلْإِسْلَامِ وأمراء الْمُؤمنِينَ
والآراء المولوية الْعَالِيَة أولى بالتقديم لِأَنَّهَا ممنوحة بالهداية إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
وَأفضل الصَّلَاة وأشرف التَّسْلِيم على النَّبِي الْأُمِّي صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الطيبين الطاهرين وَسلم تَسْلِيمًا
[ ٣٧٦ ]