وَقد وصل مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى عُلَمَاء بَغْدَاد فَقَامُوا فِي الِانْتِصَار لَهُ وَكَتَبُوا بموافقته وَرَأَيْت خطوطهم بذلك
وَهَذَا صُورَة مَا كتبُوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
يَقُول العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى
بعد حمد الله السابغة نعمه السَّابِقَة مننه وَالصَّلَاة على أشرف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ مُحَمَّد ﷺ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
إِنَّه حَيْثُ قد من الله تَعَالَى على عباده وتفضل برحمته على بِلَاده بِأَن وسد أُمُور الْأمة المحمدية وَأسْندَ أزمة الْملَّة الحنيفية إِلَى من خصصه الله تَعَالَى بِأَفْضَل الكمالات النفسانية وخصص بأكمل السعادات الروحانية محيي سنَن الْعدْل ومبدي سنَن الْفضل المعتصم بِحَبل الله المتَوَكل على الله المكفتي بنعم الله الْقَائِم بأوامر الله المستظهر بِقُوَّة الله المستضيء بِنور الله أعز الله سُلْطَانه وَأَعْلَى على سَائِر الْمُلُوك شَأْنه وَلَا زَالَت رِقَاب الْأُمَم خاضعة لأوامره وأعناق الْعباد طَائِعَة لمراسمه وَلَا زَالَ موَالِي دولته بِطَاعَتِهِ مجبورا ومعادي صولته بخزيه مذموما مَدْحُورًا
[ ٣٥٨ ]
فالمرجو من ألطاف الحضرة المقدسة زَادهَا الله تَعَالَى علوا وشرفا أَن يكون للْعُلَمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وصفوة الأصفياء وعماد الدّين ومدار أهل الْيَقِين حَظّ من الْعِنَايَة السُّلْطَانِيَّة وافر وَنصِيب من الرَّحْمَة والشفقة فَإِنَّهَا منقبة لَا يعادلها فَضِيلَة وحسنة لَا يحيطها سَيِّئَة لِأَنَّهَا حَقِيقَة التَّعْظِيم لأمر الله تَعَالَى وخلاصة الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى
وَلَا ريب أَن الْمَمْلُوك وقف على مَا سُئِلَ عَنهُ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة وحيد دهره وفريد عصره تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية وَمَا أجَاب بِهِ
فَوَجَدته خُلَاصَة مَا قَالَه الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب حسب مَا اقْتَضَاهُ الْحَال من نَقله الصَّحِيح وَمَا أدّى إِلَيْهِ الْبَحْث من الْإِلْزَام والالتزام لَا يداخله تحامل وَلَا يَعْتَرِيه تجاهل وَلَيْسَ فِيهِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه مَا يَقْتَضِي الإزراء والتنقيص بِمَنْزِلَة الرَّسُول ﷺ
وَكَيف يجوز للْعُلَمَاء أَن يحملهم العصبية أَن يتفوهوا بالإزراء والتنقيص فِي حق الرَّسُول ﷺ
وَهل يجوز أَن يتَصَوَّر مُتَصَوّر أَن زِيَارَة قَبره ﷺ تزيد فِي قدره وَهل تَركهَا مِمَّا ينقص من تَعْظِيمه
حاشا للرسول من ذَلِك
[ ٣٥٩ ]
نعم لَو ذكر ذَلِك ذَاكر ابْتِدَاء وَكَانَ هُنَاكَ قَرَائِن تدل على الإزراء والتنقيص أمكن حمله على ذَلِك مَعَ أَنه كَانَ يكون كِنَايَة لَا صَرِيحًا فَكيف وَقد قَالَه فِي معرض السُّؤَال وَطَرِيق الْبَحْث والجدل
مَعَ أَن الْمَفْهُوم من كَلَام الْعلمَاء وأنظار الْعُقَلَاء أَن الزِّيَارَة لَيست عبَادَة وَطَاعَة لمجردها حَتَّى لَو حلف أَنه يَأْتِي بِعبَادة أَو طَاعَة لم يبر بهَا
لَكِن القَاضِي ابْن كج من متأخري أَصْحَابنَا ذكر أَن نذر هَذِه الزِّيَارَة عِنْده قربَة تلْزم ناذرها
وَهُوَ مُنْفَرد بِهِ لَا يساعده فِي ذَلِك نقل صَرِيح وَلَا قِيَاس صَحِيح وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مُطلق الْخَبَر النَّبَوِيّ فِي قَوْله ﷺ لَا تشد الرّحال إِلَى آخِره أَنه لَا يجوز شدّ الرّحال إِلَى غير مَا ذكر أَو وُجُوبه أَو ند بَيته فَإِن فعله كَانَ مُخَالفا لصريح النَّهْي وَمُخَالفَة النَّهْي مَعْصِيّة إِمَّا كفر أَو غَيره على قدر المنهى عَنهُ ووجوبه وتحريمه وَصفَة النَّهْي والزيارة أخص من وَجه فالزيارة بِغَيْر شدّ غير مَنْهِيّ عَنْهَا وَمَعَ الشد مَنْهِيّ عَنْهَا
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين على الْوَجْه الْمَذْكُور الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لم يسْتَحق عَلَيْهِ عقَابا وَلَا يُوجب عتابا
[ ٣٦٠ ]
والمراحم السُّلْطَانِيَّة أَحْرَى بالتوسعة وَالنَّظَر بِعَين الرأفة وَالرَّحْمَة إِلَيْهِ وللآراء الملكية علو الْمَزِيد
حَرَّره ابْن الكتبي الشَّافِعِي حامدا لله على نعمه اه