الله الْمُوفق
مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ الْأَجَل الأوحد بَقِيَّة السّلف وقدوة الْخلف رَئِيس الْمُحَقِّقين وخلاصة المدققين تَقِيّ الْملَّة وَالْحق وَالدّين
من الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة صَحِيح مَنْقُول فِي غير مَا كتاب من كتب أهل الْعلم لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي ذَلِك إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك ثلب لرَسُول الله ﷺ وَلَا غض من قدره ﷺ
وَقد نَص الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فِي كتبه على تَحْرِيم السّفر لزيارة الْقُبُور وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي الإِمَام عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض فِي إكماله وَهُوَ من أفضل الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا
[ ٣٦١ ]
وَمن الْمُدَوَّنَة وَمن قَالَ على الْمَشْي إِلَى الْمَدِينَة أَو بَين الْمُقَدّس فَلَا يأتيهما أصلا إِلَّا أَن يُرِيد الصَّلَاة فِي مسجديهما فليأتهما
فَلم يَجْعَل نذر زِيَارَة قَبره ﷺ طَاعَة يجب الْوَفَاء بهَا إِذْ من أصلنَا أَن من نذر طَاعَة لزمَه الْوَفَاء بهَا كَانَ من جِنْسهَا مَا هُوَ وَاجِب بِالشَّرْعِ كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَو لم يكن
[ ٣٦٢ ]
قَالَ القَاضِي أَبُو اسحق اسمعيل بن اسحق عقيب هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَوْلَا الصَّلَاة فيهمَا لما لزمَه إتيانهما وَلَو كَانَ نذر زِيَارَة طَاعَة لما لزمَه ذَلِك
وَقد ذكر ذَلِك القيرواني فِي تقريبه وَالشَّيْخ ابْن سِيرِين فِي تنبيهه وَفِي الْمَبْسُوط قَالَ مَالك وَمن نذر الْمَشْي إِلَى مَسْجِد من الْمَسَاجِد ليُصَلِّي فِيهِ قَالَ فَإِنِّي أكره ذَلِك لَهُ لقَوْله ﷺ لاتعمل الْمطِي إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد بَيت الْمُقَدّس ومسجدي هَذَا وروى مُحَمَّد بن الْمَوَّاز فِي الْمُوازِية إِلَّا أَن يكون قَرِيبا فَيلْزمهُ الْوَفَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بشد رَحل
وَقد قَالَ الشَّيْخ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي كِتَابه التَّمْهِيد يحرم على الْمُسلمين أَن يتخذوا قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِد
وَحَيْثُ تقرر هَذَا فَلَا يجوز أَن ينْسب من أجَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَنَّهُ سفر مَنْهِيّ عَنهُ إِلَى الْكفْر فَمن كفره بذلك من غير مُوجب فَإِن كَانَ مستبيحا ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَإِلَّا فَهُوَ فَاسق
قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْمَازرِيّ فِي كتاب الْمعلم من كفر أحدا من أهل الْقبْلَة فَإِن كَانَ مستبيحا ذَلِك فقد كفر وَإِلَّا فَهُوَ فَاسق يجب على الْحَاكِم إِذا رفع أمره إِلَيْهِ أَن يؤدبه ويعزره بِمَا يكون رادعا لأمثاله فَإِن ترك مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَهُوَ آثم وَالله تَعَالَى أعلم أه
[ ٣٦٣ ]
كتبه مُحَمَّد بن عبد الرحمن الْبَغْدَادِيّ الْخَادِم للطائفة الْمَالِكِيَّة بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَة المستنصرية رَحْمَة الله على منشئها