وَاعْلَمُوا أيدكم الله أَنه يجب عَلَيْكُم أَن تشكروا ربكُم تَعَالَى فِي هَذَا الْعَصْر حَيْثُ جعلكُمْ بَين جَمِيع أهل هَذَا الْعَصْر كَالشَّامَةِ الْبَيْضَاء فِي الْحَيَوَان الْأسود لَكِن من لم يُسَافر إِلَى الأقطار وَلم يتعرف أَحْوَال النَّاس لَا يدْرِي قدر مَا هُوَ فِيهِ من الْعَافِيَة فَأنْتم إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حق هَذِه الْأمة الأولى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ وكما
[ ٣١٦ ]
قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾
أَصْبَحْتُم إخْوَانِي تَحت سنجق رَسُول الله ﷺ إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَعَ شيخكم وإمامكم وَشَيخنَا وإمامنا المبدوء بِذكرِهِ ﵁ قد تميزتم عَن جَمِيع أهل الأَرْض فقهائها وفقرائها وصوفيتها وعوامها بِالدّينِ الصَّحِيح
وَقد عَرَفْتُمْ مَا أحدث النَّاس من الْأَحْدَاث فِي الْفُقَهَاء والفقراء والصوفية والعوام فَأنْتم الْيَوْم فِي مُقَابلَة الْجَهْمِية من الْفُقَهَاء نصرتم الله وَرَسُوله فِي حفظ مَا أضاعوه من دين الله تصلحون مَا أفسدوه من تَعْطِيل صِفَات الله
وَأَنْتُم أَيْضا فِي مُقَابلَة من لم ينفذ فِي علمه من الْفُقَهَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ وجمد على مُجَرّد تَقْلِيد الْأَئِمَّة فَإِنَّكُم قد نصرتم الله وَرَسُوله فِي تَنْفِيذ الْعلم إِلَى أُصُوله من الْكتاب وَالسّنة واتحاد أَقْوَال الْأَئِمَّة تأسيا بهم لَا تقليدا لَهُم
وَأَنْتُم أَيْضا فِي مُقَابلَة مَا أحدثته أَنْوَاع الْفُقَرَاء من الأحمدية والحريرية
[ ٣١٧ ]
من إِظْهَار شعار المكاء والتصدية ومؤاخاة النِّسَاء وَالصبيان والإعراض عَن دين الله إِلَى خرافات مكذوبة عَن مشايخهم واستنادهم إِلَى شيوخهم وتقليدهم فِي صائب حركاتهم وخطائها وإعراضهم عَن دين الله الَّذِي أنزلهُ من السَّمَاء فَأنْتم بِحَمْد الله تجاهدون هَذَا الصِّنْف أَيْضا كَمَا تجاهدون من سبق حفظتم من دين الله مَا أضاعوه وعرفتم مَا جهلوه تقومون من الدّين مَا عوجوه وتصلحون مِنْهُ مَا أفسدوه
[ ٣١٨ ]
وَأَنْتُم أَيْضا فِي مُقَابلَة رسمية الصُّوفِيَّة وَالْفُقَهَاء وَمَا أحدثوه من الرسوم الوضعية والآصار الابتداعية من التصنع باللباس والإطراق والسجادة لنيل الرزق من الْمَعْلُوم وَلبس البقيار والأكمام الواسعة فِي حَضْرَة الدَّرْس وتنميق الْكَلَام والعدو بَين يَدي الْمدرس راكعين حفظا للمناصب واستجلابا للرزق والإدرار
فخلط هَؤُلَاءِ فِي عبَادَة الله غَيره وتألهوا سواهُ ففسدت قُلُوبهم من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ يَجْتَمعُونَ لغير الله بل للمعلوم وَيلبسُونَ للمعلوم وَكَذَلِكَ فِي أغلب حركاتهم يراعون وُلَاة الْمَعْلُوم فضيعوا كثيرا من دين الله وأماتوه وحفظتم أَنْتُم مَا ضيعوه وقومتم مَا عوجوه
وَكَذَلِكَ أَنْتُم فِي مُقَابلَة مَا أحدثته الزَّنَادِقَة من الْفُقَرَاء والصوفية من قَوْلهم بالحلول والاتحاد وتأله الْمَخْلُوقَات كاليونسية والعربية والصدرية والسبعينية والتلمسانية فَكل هَؤُلَاءِ بدلُوا دين الله تَعَالَى وقلبوه وأعرضوا عَن شَرِيعَة رَسُول الله ﷺ
فاليونسية يتألهون شيخهم ويجعلونه مظْهرا للحق ويستهينون بالعبادات ويظهرون بالفرعنة والصولة والسفاهة والمحالات لما وقر فِي بواطنهم من الخيالات الْفَاسِدَة وقبلتهم الشَّيْخ يُونُس وَرَسُول الله
[ ٣١٩ ]
ﷺ وَالْقُرْآن الْمجِيد عَنْهُم بمعزل يُؤمنُونَ بِهِ بألسنتهم ويكفرون بِهِ بأفعالهم
وَكَذَلِكَ الاتحادية يجْعَلُونَ الْوُجُود مظْهرا للحق بِاعْتِبَار أَن لَا متحرك فِي السّكُون سواهُ وَلَا نَاطِق فِي الْأَشْخَاص غَيره وَفِيهِمْ من لَا يفرق بَين الظَّاهِر والمظهر فَيجْعَل الْأَمر كموج الْبَحْر فَلَا يفرق بَين عين الموجة وَبَين عين الْبَحْر حَتَّى إِن أحدهم يتَوَهَّم أَنه الله فينطق على لِسَانه ثمَّ يفعل مَا أَرَادَ من الْفَوَاحِش والمعاصي لِأَنَّهُ يعْتَقد ارْتِفَاع الثنوية
فَمن العابد وَمن المعبود صَار الْكل وَاحِدًا
اجْتَمَعنَا بِهَذَا الصِّنْف فِي الرَّبْط والزوايا
فَأنْتم بِحَمْد الله قائمون فِي وَجه هَؤُلَاءِ أَيْضا تنْصرُونَ الله وَرَسُوله وتذبون عَن دينه وتعملون على إصْلَاح مَا أفسدوا وعَلى تَقْوِيم مَا عوجوا فَإِن هَؤُلَاءِ محوا رسم الدّين وقلعوا أَثَره فَلَا يُقَال أفسدوا وَلَا عوجوا بل بالغوا فِي هدم الدّين ومحوا أَثَره وَلَا قربَة أفضل عِنْد الله من الْقيام بجهاد هَؤُلَاءِ بمهما أمكن وتبيين مذاهبهم للخاص وَالْعَام وَكَذَلِكَ جِهَاد كل من ألحد فِي دين الله وزاغ عَن حُدُوده وشريعته كَائِنا فِي ذَلِك مَا كَانَ من فتْنَة وَقَول كَمَا قيل إِذا رَضِي الحبيب فَلَا أُبَالِي أَقَامَ الْحَيّ أم جد الرحيل