وَذكر الشَّيْخ البرزالي وَغَيره أَن فِي شهر شَوَّال من سنة سبع وَسَبْعمائة شكا شيخ الصُّوفِيَّة بِالْقَاهِرَةِ كريم الدّين الأبلى وَابْن عَطاء وَجَمَاعَة نَحْو الْخَمْسمِائَةِ من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَكَلَامه فِي ابْن عَرَبِيّ وَغَيره إِلَى الدولة
فَرد الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى القَاضِي الشَّافِعِي
وَعقد لَهُ مجْلِس وَادّعى عَلَيْهِ ابْن عَطاء بأَشْيَاء لم يثبت شَيْء مِنْهَا لكنه قَالَ إِنَّه لَا يستغاث إِلَّا بِاللَّه حَتَّى لَا يستغاث بِالنَّبِيِّ ﷺ استغاثة بِمَعْنى الْعِبَادَة وَلكنه يتوسل بِهِ ويتشفع بِهِ إِلَى الله
فبعض الْحَاضِرين قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا شَيْء
وَرَأى قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين أَن هَذَا فِيهِ قلَّة أدب
فَحَضَرت رِسَالَة إِلَى القَاضِي أَن يعْمل مَعَه مَا تَقْتَضِيه الشَّرِيعَة فِي ذَلِك فَقَالَ القَاضِي قد قلت لَهُ مَا يُقَال لمثله
ثمَّ إِن الدولة خيروه بَين أَشْيَاء وَهِي الْإِقَامَة بِدِمَشْق أَو الْإسْكَنْدَريَّة بِشُرُوط أَو الْحَبْس فَاخْتَارَ الْحَبْس
[ ٢٨٦ ]
فَدخل عَلَيْهِ جمَاعَة فِي السّفر إِلَى دمشق مُلْتَزما مَا شَرط فأجابهم
فأركبوهم خيل الْبَرِيد لَيْلَة الثَّامِن عشر من شَوَّال
ثمَّ أرسل خَلفه من الْغَد بريدا آخر فَرده وَحضر عِنْد قَاضِي الْقُضَاة بِحُضُور جمَاعَة من الْفُقَهَاء
فَقَالَ بَعضهم لَهُ مَا ترْضى الدولة إِلَّا بِالْحَبْسِ
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة وَفِيه مصلحَة لَهُ
واستناب شمس الدّين التّونسِيّ الْمَالِكِي وَأذن لَهُ أَن يحكم عَلَيْهِ فتحير
فَقَالَ الشَّيْخ أَنا أمضي إِلَى الْحَبْس وأتبع مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة
فَقَالَ نور الدّين الْمَأْذُون لَهُ فِي الحكم فَيكون فِي مَوضِع يصلح لمثله
فَقيل لَهُ مَا ترْضى الدولة إِلَّا بمسمى الْحَبْس فَأرْسل إِلَى حبس القَاضِي وأجلس فِي الْموضع الَّذِي أَجْلِس فِيهِ القَاضِي تَقِيّ الدّين ابْن بنت الْأَعَز لما حبس وَأذن أَن يكون عِنْده من يَخْدمه
وَكَانَ جَمِيع ذَلِك بِإِشَارَة الشَّيْخ نصر المنبجي ووجاهته فِي الدولة وَاسْتمرّ الشَّيْخ فِي الْحَبْس يستفتى ويقصده النَّاس ويزورونه وتأتيه الْفَتَاوَى المشكلة من الْأُمَرَاء وأعيان النَّاس
قَالَ علم الدّين وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من شَوَّال من سنة ثَمَان وَسَبْعمائة طلب أخوا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَوجدَ زين الدّين وَعِنْده
[ ٢٨٧ ]
جمَاعَة فرسم عَلَيْهِم وَلم يُوجد شرف الدّين ثمَّ أطلق الْجَمَاعَة سوى زين الدّين فَإِنَّهُ حمل إِلَى الْمَكَان الَّذِي فِيهِ الشَّيْخ وَهُوَ قاعة الترسيم بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ إِنَّه أخرج فِي خَامِس صفر سنة تسع وَسَبْعمائة
قَالَ وَفِي اللَّيْلَة الْأَخِيرَة من شهر صفر هَذَا وَهِي لَيْلَة الْجُمُعَة توجه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من الْقَاهِرَة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة مَعَ أَمِير مقدم وَلم يُمكن أحد من جماعته من السّفر مَعَه وَوصل هَذَا الْخَبَر إِلَى دمشق بعد عشرَة أَيَّام فَحصل التألم لأَصْحَابه ومحبيه
وَضَاقَتْ الصُّدُور وتضاعف الدُّعَاء لَهُ
وبلغنا أَن دُخُوله الْإسْكَنْدَريَّة كَانَ يَوْم الْأَحَد دخل من بَاب الخوخة إِلَى دَار السُّلْطَان وَنقل لَيْلًا إِلَى برج فِي شَرْقي الْبَلَد
ثمَّ وصلت الْأَخْبَار أَن جمَاعَة من أَصْحَابه توجهوا إِلَيْهِ بعد ذَلِك وَصَارَ النَّاس يدْخلُونَ إِلَيْهِ ويقرأون عَلَيْهِ وَيَتَحَدَّثُونَ مَعَه وَكَانَ الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فسيحا متسعا