فِي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀ نظمها رجل اسْمه جمال الدّين مَحْمُود بن الْأَمِير الْحلَبِي وأرسلها من حلب المحروسة يَا دموعي سحى كسحب الْغَمَام هاطلات على الخدود سجام
لفراق الشَّيْخ الإِمَام المفدى ابْن تَيْمِية ونجل الْكِرَام
[ ٤٩٢ ]
.. زاهد عَابِد تَقِيّ نقي فهمه لَا يُقَاس بالأفهام
ابْن تَيْمِية يتيمة دهز مَا لَهُ من مساوم ومسامي
فجعت فِيهِ كل أهل البرايا جمعهَا للعلوم وَالْأَحْكَام
أوحد فِي الْعُلُوم وَالْفضل والزهد لَا يرأى فِي مِلَّة الْإِسْلَام
بَحر علم يغوص كل لَبِيب فِي مَعَانِيه حَار كل الْأَنَام
فاق بِالْعلمِ والفضائل بالخلق فأضحى إِمَام كل إِمَام
إِن يكن غَابَ شخصه وتوارى وَمَضَت روحه لدار السَّلَام
فمناقبه والفضائل تبقى فِي ممر الدهور والأعوام
سيد قد علا بِعلم وحلم فعداه لَدَيْهِ كالأنعام
كم رَمَوْهُ الحساد بالكيد وَالْبَغي وَهُوَ لَا ينثني عَن الْأَقْدَام
طَالب الْحق لَا يخَاف لحيف وَهُوَ يحمي عَن ذرْوَة الْإِسْلَام
لَا يخَاف الْمُلُوك أَيْضا وَلَا الْخلق وَلَا العبيد مَعَ اللوام
كم مُلُوك أَتَى بجزم وعزم وَهُوَ فِي الله مسرع الاقدام
ولغازان إِذْ أَتَاهُ بقلب مَا أسود الغابات مَعَ ضرغام
فَتَلقاهُ بالبشاشة والرح ب والعطايا والعز والاكرام
أَخذ الْعَهْد مِنْهُ للنَّاس جمي عا بِأَمَان لكل أهل الشآم
نفس صَادِق تقبله الل هـ فأطاعه كل تِلْكَ الْأَنَام
وحماهم فِي الْحمى بخشوع وخضوع للْوَاحِد العلام
[ ٤٩٣ ]
.. قل لمن رام للفخار ويبغى رُتْبَة قد علت بِحَدّ الحسام
هُوَ فِي رُتْبَة النَّبِيين فَاعْلَم هَكَذَا أخبر النَّبِي التهامي
فقدته الدنى مَعَ الدّين والعل م كل الزهاد والأيتام
كم فتاوي أَتَتْهُ مَعَ كل شخص أعجزت كل عَالم صمصام
حلهَا كالنسيم فِي الْحَال وجلى لصداها من عِلّة الأسقام
كَانَ بحرا للنَّاس من غاص فِيهِ فَازَ بالدر مِنْهُ لَا بالحطام
أوحد الْخلق فِي التفاسير طرا وَالْأَحَادِيث والعلوم التَّمام
شيخ كل الْإِسْلَام فِي الزّهْد والنس ك والعبادات والتقى وَالصِّيَام
كَانَ شمس الضُّحَى ونيل البرايا وَإِمَام الْعُلُوم والاحتشام
صَدره للعلوم وَالْقلب للرب ويداه للبذل والأنعام
ولديه أهل الْعُلُوم تداعت إِذْ هوت حوله فِي الازدحام
تبتغي من جنى مَعَانِيه نطقا يستضىء مِنْهُ فِي دياجي الظلام
فيروي قُلُوبهم بعلوم فتراهم سكرى بِغَيْر مدام
كلما رمت سلوة عَن هَوَاهُ قادني الشوق نَحوه بزمام
لَا تلمني على المديح وَدعنِي فَهُوَ شَيْخي وبغيتي وغرامي
خجل الْبَدْر من سناه فأضحى يَعْتَرِيه النُّقْصَان عِنْد التَّمام
كل من مَاتَ فِي هَوَاهُ بوجد مَا عَلَيْهِ فِي حتفه من ملام
اسْتمع يَا عذول بِاللَّه وافهم لمعانيه فِي جَمِيع نظامي
[ ٤٩٤ ]
.. قد تساوى فِي الْحق كل وَزِير عِنْده مَعَ رذالة الأعوام
فَضله شاع بَين كل البرايا بعلوم شبه الْبحار الطوامي
كَانَ بَدْرًا يضىء فِي النَّاس بِالْعلمِ وإماما فيا لَهُ من إِمَام
حسدوه عِنْد الْوَفَاة على الْخلق فَلم يخل منهمو فِي الْحمام
نقلته أَيدي الْمنية بِالْحَقِّ بجنان الخلود والدمع دامي
يَا لَهَا سَاعَة لَقِي الله فِيهَا حَاز فِيهَا المنى ونيل المرام
فَهُوَ فِي جنَّة النَّعيم مفدى بَين حور كلؤلؤ فِي الْخيام
قدس الله روحه مَعَ أَخِيه مَا أَضَاء الصَّباح بالإبتسام
يَا نسيم الصِّبَا بِاللَّه بلغ لحبيبي تحيتي وسلامي
وَتعرض على المحبين ذكرى وشجوني وشقوتي وسقامي
ثمَّ صف مَا أكابد الْآن فِيهِ من همومي ولوعتي وهيامي
وَتقول العبيد مَحْمُود أضحى بدموع وعبرة كالغمام
تمت وَالْحَمْد لله وَحده وَهِي إِحْدَى وَخَمْسُونَ بَيْتا للشَّيْخ عَلَاء الدّين أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن حمائل ابْن غَانِم الْمَقْدِسِي ﵀ يرثي شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵁ أَي حبر مضى وَأي إِمَام فجعت فِيهِ مِلَّة الْإِسْلَام
[ ٤٩٥ ]
.. بَحر جود علم قد غاض من بِعْ د مَا فاض نداه وَعم بالأنعام
زاهد عَابِد تنزه فِي دنيا هـ عَن كل مَا بهَا من حطام
كَانَ كنزا لكل طَالب علم وَلمن خَافَ أَن يرى فِي حرَام
ولعاف قد جَاءَ يشكو من الفق رلديه ينَال كل مرام
حَاز علما مَا لَهُ من مسَاوٍ فِيهِ من عَالم وَلَا من مسام
وَلم يكن فِي الدُّنْيَا لَهُ من نَظِير فِي البرايا فِي الْفضل وَالْأَحْكَام
كَانَ فِي علمه وحيدا فريدا لم ينالوا مَا نَالَ فِي الأحلام
عَالم فِي زَمَانه فاق بالعل م جَمِيع الْأَئِمَّة والأعلام
كل من فِي دمشق ناح عَلَيْهِ ببكاء من شدَّة الآلام
حملوه على الرّقاب الى القب بر وكادوا أَن يهْلكُوا بالزحام
مَا يرى عِنْد يَوْمه عِنْد مَا سا ر على النعش نَحْو دَار السَّلَام
فجع النَّاس فِيهِ فِي الغرب وَالشَّر ق وأضحوا فِي الْحزن كالأيتام
كل من فِي الْوُجُود فِيهِ مصاب فيعزي بِهِ جَمِيع الْأَنَام
أعظم الله أجرهم فِيهِ إِذْ صا ر على الرغم فِي الثرى والرغام
صَار جَار الْإِلَه رب السموا ت الرَّحِيم الْمُهَيْمِن العلام
كَانَ وَقت الحروب بالطعن والضر ب سريع الْقدوم والإقدام
لَا يهاب الهول الْعَظِيم بقو ل الْحق فِي نقضه وَفِي الابرام
[ ٤٩٦ ]
.. تَابع سنة الرَّسُول عَلَيْهِ من إِلَه السَّمَاء أزكى سَلام
قَائِم فِي نصر الشَّرِيعَة بالعل م وبالفضل مِنْهُ كل قيام
كم بِنور الْعلم أخرج قوما من ضلال وَمن عَظِيم ظلام
نَالَ مَا نَالَ من شرِيف مقَال بعلوم شَتَّى وَعظم مقَام
طبق الأَرْض بالفتاوي اللواتي هِيَ منقذات الورى من الآثام
حسدوه إِذْ مَاله من نَظِير من بني دهره الْكِبَار الْكِرَام
خصّه بالكمال من كل علم رَبنَا ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
لَو يفدى بِالروحِ كُنَّا جَمِيعًا قد فديناه من هجوم الْحمام
قدس الله روحه وَسَقَى قب را حواه هاطلات الْغَمَام
ورضى عَنهُ رَبنَا وترضا هـ وملاه بالنعيم النامي
فَلَقَد كَانَ نَادرا فِي بني الده ر وحسنا فِي أوجه الْأَيَّام
تمت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وعدتها ثَلَاثُونَ بَيْتا
قصيدة من القصائد الَّتِي رثي بهَا شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية
وَهِي لرجل جندي بالديار المصرية يُقَال لَهُ بدر الدّين مُحَمَّد بن عز الدّين أندمن المغيثي رجل فَاضل لَهُ محفوظات متنوعة وَفِيه ديانَة وصلابة فِي دينه
[ ٤٩٧ ]
أرسلها وَذكر أَنه عرضهَا على الإِمَام أبي حَيَّان خطب دنا فَبكى لَهُ الْإِسْلَام وبكت لعظم بكائه الْأَيَّام
وبكت لَهُ بعبرتها السَّمَاء فأمطرت فِي غير فصل تسمح الأعوام
وبكت لَهُ الأَرْض الجليلة بعد مَا أضحى عَلَيْهَا وَحْشَة وقتام
وتزلزلت كل الْقُلُوب لفقده وتواترت من بعده الآلام
ولمؤمنين الْجِنّ حزن شَامِل ونياحه نطقت بهَا الأحلام
وتفجع الدّين القويم لفقده وبقى غَرِيبا يبتلى ويضام
مذ مَاتَ ناصره الَّذِي أَوْصَافه أبدا تكون على سواهُ حرَام
لتقي دين الله وصف باهر وخصائص خضعت لَهَا الأفهام
ومواهب من ذِي الْجلَال تمده فَيتم فَخر شامخ ومقام
وَغدا تَقِيّ الدّين أَحْمد مَاله حد فَتحمل فَقده الْأَجْسَام
الْعَالم الحبر الإِمَام وَمن غَدا فِي راحتيه من الْعُلُوم زِمَام
ذُو المنصب الْأَعْلَى الَّذِي نصبت لَهُ فِي الأَرْض فِي أقطارها الْأَعْلَام
بَحر الْعُلُوم وكنز كل فَضِيلَة فِي الدَّهْر فَرد فِي الزَّمَان إِمَام حبر تخيره الْإِلَه لدينِهِ ختم لأعلام الْهدى وختام
فوفى بِأَحْكَام الْكتاب فكم لَهُ فِي نصر تَوْحِيد الْإِلَه قيام
وَالسّنة الْبَيْضَاء أَحْيَا ميتها فغدت عَلَيْهَا حُرْمَة وحجام
[ ٤٩٨ ]
.. وأمات من بدع الضلال عوائد لَا يَسْتَطِيع لدفعها الصمصام
أس الْفَضَائِل وَالَّذِي لَا تهتدي لفنونه وعلومه الأوهام
وأناله رب السَّمَوَات الْعلَا فِي الْعلم سبقا مَا إِلَيْهِ مرام
ونفوذه فِي الْعلم قَول مُحَمَّد صلى عَلَيْهِ الْخَالِق العلام
إِن المنزه رَبنَا سُبْحَانَهُ يقْضِي بِمَا تَأتي بِهِ الْأَحْكَام
ببدى لكم فِي كل قرن قادم للدّين من تهدى بِهِ الأقوام
فلئن تَأَخّر فِي الْقُرُون لثامن فَلَقَد تقدم فِي الْعُلُوم أَمَام
فاق الْقُرُون سوى الثَّلَاث فانها خير الْقُرُون يزينهن تَمام
وَسوى ابْن حَنْبَل إِنَّه علم الْهدى حبر إِمَام صابر قوام
لَكِن أَحْمد مثل أَحْمد قد حوى علما وزهدا فِي الْعُلُوم تؤام
حدث بِلَا حرج وَقل عَن زهده مَا شِئْت لَا رد وَلَا آثام
هجر المطاعم والملابس والدنى ولعزمه فِي تَركهَا إحزام
نزر المآكل والمنام وَلَا يرى لبني الدنى فِي قلبه إعظام
وتراه يصمت لالعى دَائِما إِلَّا لعلم يقتنى ويرام
وَإِذا تكلم لَا يُرَاجع هَيْبَة وسكينة وَكَلَامه إبرام
ألْقى عَلَيْهِ مهابة من ربه فخطابه الإجلال وَالْإِكْرَام
[ ٤٩٩ ]
.. وَإِذا دنا فترى الرِّجَال ذليلة فَكَأَنَّهَا فِي نَفسهَا احجام
بشر يعظم بالقلوب وقدوة أبدا يعظم وَهُوَ بعد غُلَام
منن يخص بهَا المهيمين من يشا من خلقه والجاهلون نيام
وجفا الْعباد لشغله بحبيبه فوداده للأقربين سَلام
وَله مقَام فِي الْوُصُول لرَبه ومقامه نطقت بهَا الأقتام
وَله فتوح من غيوب إلهه وتحزن وتمسكن وَكَلَام
وتصوف وتقشف وتعفف وَقِرَاءَة وَعبادَة وَصِيَام
وعناية وحماية ووقاية وصيانة وَأَمَانَة ومقام
وَله كرامات سمت وتعددت وَلها على مر الدهور دوَام
من رد عَن أَرض الشآم بعزمه من صد وَجه الْكفْر وَهُوَ حسام
من رد غازان الْهمام بحسرة من خلص الأسرى وهم أَيْتَام
من قَامَ بِالْفَتْح الْمُبين مؤيدا فِي كسروان وهم طغاة عِظَام
من جد فِي بدع الضلال وَحزبه وأذلهم بعد الرَّضَاع فطام
من صَار فِي سنَن الرَّسُول ونصرها حَتَّى اسْتَقر لأمرهن نظام
[ ٥٠٠ ]
.. من قَامَ فِي خذل الصَّلِيب وَدينه لما تداعوا للباس وَقَامُوا
فوهوا وردوا خائبين بذلة وَعَلَيْهِم فَوق الْوُجُوه ظلام
فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ يفقد بعده والفاعلون النكر لَيْسَ يلاموا
فَكَأَن أَشْرَاط الْقِيَامَة قد دنت وانحل من سرج الزَّمَان حزَام
فالعلم فِينَا لَيْسَ يقبض سرعَة كلا وَلَا يَأْتِي حماه حمام
لَكِن بِقَبض الراسخين ذَهَابه وزواله وبقى رعاع طغام
لله مِمَّا لَاقَى تَقِيّ الدّين من محن تتابعه وَهن ضخام
ومكاره حفت بِكُل شَدِيدَة ومواقف زلت بهَا الْأَقْدَام
ومكائد نصبت لَهُ وحبائل قصدا إِلَيْهِ فَردهَا الْأَقْدَام
فَحكى ابْن حَنْبَل فِي فنون بلائه بجنان ثَبت لَيْسَ فِيهِ ذؤام
وبسجنه وبحصره ونكاله حَتَّى رثى العذال واللوام
فَأَرَادَ رب الْعَرْش ﷻ للقائه مذ حانه الإعدام
وَأَتَاهُ آتِي الْمَوْت يخْطب نَفسه فَأَجَابَهُ طَوْعًا لَهُ القمقام
فخلت مرابعه وأوحش ربعه وتقوضت عِنْد الرحيل خيام
وتفجعت كل الْقُلُوب بفقده وَغدا عَلَيْهَا ذلة وسقام
[ ٥٠١ ]
.. وَمَضَت جنَازَته الشَّرِيفَة بَعْدَمَا سد المسالك صارخ حام
وَأَتَتْ رِوَايَات الشآم بجمعها خَبرا صَحِيحا لَيْسَ فِيهِ اثام
أَن الأولى شهدُوا الصَّلَاة وشيعوا وَالله لَا تحصيهم الأقلام
فَعَلَيهِ افضل رَحْمَة تهدى لَهُ وَمن الآله تَحِيَّة وَسَلام
مَا دَامَت الأفلاك فِي دوراتها أَو ناح من فَوق الغصون حمام
تمت وعدتها سِتَّة وَسِتُّونَ بَيْتا مرثاة للشَّيْخ قَاسم بن عبد الرَّحْمَن الْمقري فِي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵁ عز التبصر وَالزَّمَان رماني بسهامه وترادفت أحزاني أَصبَحت مكتئبا لفقد أحبة جبلت جبلتهم على الْإِحْسَان
لَا صَبر لي عَنْهُم وَكَيف تصبري عَن سادة رحلوا من الأوطان
إِن أوحشوا نَظَرِي فقلبي موطن وَعمارَة الأوطان بالسكان
خلت الديار فَأَصْبحُوا فِي بلقع يَا وحشتاه لفرقة الإخوان
لما سَمِعت بِأَن أَحْمد قد قضى نحبا على التَّوْحِيد وَالْإِيمَان
ولقاء رب لَا مرد لحكمه سُبْحَانَهُ من قَادر منان
عظمت مُصِيبَتنَا لسَيِّد عصرنا فِي شرح سيد أَحْمد بِبَيَان
وَالْعلم حَاز أُصُوله وفروعه وغرائب التَّفْسِير لِلْقُرْآنِ
[ ٥٠٢ ]
.. ويناظر الْفُقَهَاء فِي أَقْوَالهم ويجيبهم بالثبت والتبيان
غلب الْمُلُوك بثبته وجنانه وشجاعة بعث إِلَى غازان
أفديه من بَطل يلاقي عصبَة مِنْهُم بِلَا عون وَلَا أعوان
من ذَا يقوم مقَامه فِي عصرنا إِذْ مَا مضى فِي سالف الْأَزْمَان
وَله الزهادة وَالْعِبَادَة مَنْهَج وَكَذَا يكون الْعَالم الرباني
سَارَتْ ركائبه إِلَى دَار الجزا متمسكا بمواعد الرَّحْمَن
أَو مَا نظرت إِلَيْهِ فَوق سَرِيره حفت بِهِ الْأَنْوَار بالإمكان
وَالنَّاس من حول الْجِنَازَة أَحدقُوا كل يجود بعبرة الثكلان
وهمو الوف لَيْسَ يُحْصى جمعهم إِلَّا إِلَه عَم بالغفران
نزلُوا بِهِ كالبدر فِي إشراقه فتباشرت بقدومه القمران
عبد الحليم أَبوهُ سيد عصره وَأَخُوهُ عبد الله حبر ثَان
الْمجد حَاز الْمجد فِي عصر مضى فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل والبرهان
ولمثل هَذَا سارعوا أهل التقى فازوا بأرفع رُتْبَة وأمان
فِي جنَّة أنوارها قد أشرقت وقطوفها للطائفين دوان
أكوابها مَوْضُوعَة وقبابها من لُؤْلُؤ مَرْفُوعَة الْبُنيان
والنور يغشى أَهلهَا وهمو على تِلْكَ الأسرة فِي رضى وأمان
ولباسهم من سندس وخيامهم قد ألبسوا من أحسن التيجان
ولأهلها مَا يشتهون وشغلهم بِاللَّه لَا بالحور والغلمان
[ ٥٠٣ ]
.. مِنْهُم تَقِيّ الدّين فَازَ بزهده وبصبره فِي طَاعَة الرَّحْمَن
ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي مُحَمَّد خير الْأَنَام ومعدن الْإِحْسَان
هاد وَأول شَافِع وَمُشَفَّع وَله الْوَسِيلَة مظهر الْإِيمَان
مَا حن مشتاق إِلَى وَادي منى وتطوفوا بِالْبَيْتِ والأركان
تمت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وعدتها إِحْدَى وَثَلَاثُونَ بَيْتا
مرثاة للشَّيْخ برهَان الدّين ابراهيم بن الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد أبن عبد الكريم العجمي يرثي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية فِي جمادي الْآخِرَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ومولده فِي أَوَائِل سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة جدي بانسجام الدمع يَا مقلة العاني إِلَى أَن تروي الأَرْض من فيض أجفاني
وذق يَا فُؤَادِي كل يَوْم وَلَيْلَة مرَارَة أشواق ولوعة أشجان
إِلَى أَن أرى وَجه ابْن تَيْمِية الَّذِي بِهِ الله من أهل الضَّلَالَة نجاني
وَمن لي بِأَن أَلْقَاهُ وَالْمَوْت قد أَتَى فغيبه فِي الترب عَن كل إِنْسَان
فيا وَحْشَة الدُّنْيَا لأنوار وَجهه وَيَا لهف إخْوَان عَلَيْهِ وجيران
يحِق الْعين لَا ترجى لقاءه إِلَى الْحَشْر أَن تنهل بدمعها القاني
لقد عَم أهل الأَرْض رزء مصابه وَلم ينج فيهم مِنْهُ قاص وَلَا داني
لقد كَانَت الدُّنْيَا بِهِ ذَات بهجة وَنور وإشراق وروح وَرَيْحَان
[ ٥٠٤ ]
.. وَمَا كَانَ إِلَّا آيَة فِي زَمَانه وَفِي كل علم حَاز لَيْسَ لَهُ ثَان
إِمَام هدى يَدْعُو إِلَى دين ربه دُعَاء نصوح مُشفق غير خوان
فمذهبه مَا جَاءَ عَن خير مُرْسل وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ بأحسان
أَتَى بعلوم حيرت كل واصف على أَنه يهدي بهَا كل حيران
فكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوان
ويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيان
فَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَان
يغار على الْإِسْلَام من كل بِدعَة وَمَا زَالَ مِنْهَا هادما كل بُنيان
وَفِي الله لم تَأْخُذهُ لومة لائم وَلم يخْش مخلوقا من الْإِنْس والجان
وَلم ينْتَقم فِي الدَّهْر يَوْمًا لنَفسِهِ وَلكنه يُؤْذى فيعفو عَن الْجَانِي
وَأما سخاء الْكَفّ فالبحر دونه وَلم يَك فِي بذل العطايا بمنان
وَلَو وزنوا أهل الشجَاعَة كلهم بِهِ رجح الشجعان فِي كل ميزَان
فَمن جَاهد الْأَعْدَاء فِي الدّين لَيْلَة وَمن سل سيف الْعَزْم فِي وَجه غازان
وَمن قَالَ للنَّاس اثتبوا يَوْم شقحب فَإِن الأعادي فِي انهزام وخذلان
فَمن خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَاتَّقَى إِلَه البرايا خانه كل سُلْطَان
وَمَا ضره إِن طَال فِي السجْن مكثه إِذا كَانَ فِي نسك وَطَاعَة رَحْمَن
منيبا إِلَى مَوْلَاهُ يقطع وقته بِنَقْل أَحَادِيث وَتَفْسِير قُرْآن
وَلم يَك مشغوفا بحب رياسة وَلَا شدّ بغلات وَلَا حسن غلْمَان
[ ٥٠٥ ]
.. وَمَا كَانَ مَشْغُولًا بجاه ومنصب وَلَا رفع بُنيان وَلَا غرس بُسْتَان
وَلَكِن بِعلم نَافِع وَعبادَة وزهد وإخلاص وصبر وإيمان
وَفِي مَوته قد كَانَ للنَّاس عِبْرَة لما شاهدوا من غير زور وبهتان
إِذْ انتشروا مثل الْجَرَاد وَكَاد أَن تزِيغ عقول من رجال ونسوان
وَسَار على أَعْنَاقهم نَحْو قَبره يجاور مولى ذَا امتنان وغفران
إِلَى الذَّهَب الْبَاقِي دَعَاهُ إلهه فَذَاك لَهُ خير من الخزف الفاني
دَعَاهُ إِلَى جنَّات عدن وطيبها ومتعه فِيهَا بحور وولدان
فنسأل رب الْعَرْش يجمع شملنا بِهِ فِي جنان الْخلد من بعد حرمَان
ويجبرنا بعد انكسار قُلُوبنَا ويروي برؤيا وَجهه كل ظمآن