بعثَ الله به رسولَه من الكتاب والحكمة أمرٌ لا بدَّ منه= ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ [ق ٩٥] عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا (^١).
***
وقد بعثَ الشيخُ ــ ﵀ ــ إلى أقاربه (^٢) وأصحابه بدمشق كتبًا غير هذه.
ولم يزل بمصر يُعلِّم الناسَ ويُفتيهم، ويذكِّرُ بالله ويدعو إليه، ويتكلَّم في الجوامع على المنابر بتفسير القرآن وغيره، من بعد صلاة الجمعة إلى العصر. إلى أن ضاقَ منه خلقٌ كثيرٌ (^٣) وانحصروا، واجتمعَ خلقٌ كثيرٌ من أهل الخوانِقِ والرُّبط والزوايا، واتفقوا على أن يشتكوا (^٤) الشيخَ إلى السلطان،
_________________
(١) العبارة في (ف، ك): «والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على [ك: سيدنا] محمد وآله [ف: وصحبه] ».
(٢) (ب): «أقرانه».
(٣) «كثير» من الأصل فقط. وسقطت «خلق كثير» من (ط).
(٤) (ف، ك): «يتشكوا».
[ ٣٢٨ ]
فطَلَعَ منهم خلقٌ إلى القلعة، وكان منهم خلقٌ تحت القلعة= كانت (^١) لهم ضَجَّةٌ شديدة، حتى قال السلطان: ما لهؤلاء؟
فقيل له: هؤلاء كلُّهم قد جاءوا من أجل الشيخ تقيّ الدين ابن تيميَّة يشكون منه، ويقولون: إنه يسبُّ مشايخهم، ويضعُ من قَدْرهم عند الناس! واستعاثوا (^٢) فيه، وأجلبوا عليه، ودخلوا على الأمراء في أمره، ولم يُبقوا ممكنًا.
وكان بعضُ الناس يأتون إلى الشيخ فيقولون له: إنَّ الناسَ قد جمعوا لك جمعًا كثيرًا.
فيقول: حَسْبُنا الله ونعم الوكيل.
وأمر أن يُعْقَد له مجلسٌ (^٣) بدار العدل. فعُقِد له مجلسٌ يوم الثلاثاء في العشر الأول من شوال من سنة سبعٍ وسبعمائة. وظهر في ذلك المجلس من علم الشيخ، وشجاعته وقوَّة قلبه، وصِدْق توكُّله، وبيان حُجَّته= ما يتجاوزُ الوَصْفَ. وكان وقتًا مشهودًا ومجلسًا عظيمًا.
وقال له كبيرٌ من المخالفين: من أين لك هذا؟
فقال له الشيخ: من أين لا تعلمه!
وذكر بعضُ من حضر ذلك المجلس: أنَّ الناسَ لما تفرَّقوا منه قام الشيخ
_________________
(١) باقي النسخ: «فكانت».
(٢) كذا في الأصل و(ب)، وفي (ف، ك، ح): «واستغاثوا»، و(ط): «واستغاثوا منه».
(٣) (ك): «وأمر من»، وكتب في الهامش أن (مجلس) لعلها: (مجلسًا).
[ ٣٢٩ ]
ومعه جماعةٌ من أصحابه، قال: فجاء وجئتُ معه إلى موضعٍ ــ ذَكَره ــ في دار العدل، قال: فلما جلسنا استلقى الشيخُ على ظهره، وكان هناك حَجَر لأجل تثقيل الحصير، فأَخَذَه ووضعه تحت رأسه، فاضطجع قليلًا ثم جلس، وقال له إنسان: يا سيِّدي قد أكثرَ الناسُ عليك!
فقال: إنْ هُم إلَّا كالذُّباب، ورفع كفَّه إلى فيه ونفخَ فيه.
وقام، فقمنا (^١) معه، حتَّى خرَجْنا، فأُتي بحصانٍ، فركِبَه وتحنَّك (^٢) بذؤابته، فلم أر أحدًا أقوى قلبًا منه (^٣) ولا أشدَّ بأسًا.
ولما (^٤) أكثروا الشِّكايَةَ منه والملام، [وأوسعوا من أجله الكلام] (^٥) = رُسِم بتسفيره إلى بلاد الشام.
فخرج للسفر ليلة الخميس ثامن عشر (^٦) الشهر إلى جهة الشام، ثم رُدَّ في يوم الخميس المذكور، وحُبِس بسجن الحاكم بحارة الدَّيْلم، في ليلة الجمعة تاسع [عشر] (^٧) شوال.
قال: [ق ٩٦] ولما دخلَ الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواعٍ من
_________________
(١) (ف، ك): «قال: وقام وقمنا».
(٢) (ك): «ويختل» تحريف.
(٣) تأخرت «منه» في غير الأصل إلى بعد «بأسًا».
(٤) (ف، ك): «قال: فلما».
(٥) ما بين المعكوفين زيادة من (ف، ط).
(٦) غير الأصل: «ثاني عشر» خطأ بدليل ما بعده.
(٧) سقطت من الأصل و(ب).
[ ٣٣٠ ]
اللَّعب يلتهون (^١) بها عمَّا هم فيه، كالشِّطرنج والنَّرْدِ ونحو ذلك من تضييع الصلوات= فأنكر الشيخُ ذلك عليهم أشدَّ الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجُّه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح والاستغفار والدُّعاء. وعلَّمهم من السُّنة ما يحتاجون إليه، ورغَّبهم في أعمال الخير، وحَضَّهم على ذلك، حتى صار الحبسُ بما (^٢) فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من كثير من (^٣) الزَّوايا والرُّبط والخوانق والمدارس، وصار خلقٌ من المحابيس إذا أُطْلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المتردِّدون إليه حتَّى كان السِّجن (^٤) يمتلئ منهم.
فلما كَثُر اجتماعُ الناس به، وتردُّدُهم إليه، ساءَ ذلك أعداءَه، وحَصِرتْ صدورُهم. فسألوا نقله إلى الإسكندرية، وظنُّوا أنَّ قلوبَ أهلها عن محبَّته عَرِيَّة، وأرادوا أن يَبْعُد عنهم خبرُه، أو لعلهم يقتلوه (^٥) فينقطع أثرُه.
فأُرْسِل به إلى ثغر الإسكندرية، في ليلةٍ يُسْفر صباحُها (^٦) عن يوم الجمعة سلخ صفر من سنة تسع وسبعمائة.
_________________
(١) (ب): «يتلهون».
(٢) بقية النسخ: «مما».
(٣) «كثير من» سقطت (ك). و«من» من الأصل.
(٤) (ب): «إليه كان الحبس ».
(٥) بقية النسخ: «يقتلونه».
(٦) (ك): «صاحبها» تحريف.
[ ٣٣١ ]