هذا التعلُّق عارضًا (^١) لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلّق، كما لا يُفهَم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوَّة، الذي هو التعلق. وكذلك الحمد والشكر أمران متعلّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه.
وهذا التعلُّق جزء من هذا المسمى، بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر.
فإذا كان فهمهما موقوفًا على فهم متعلَّقهما، فوقوفه على فهم التعلّق أولى، فإن التعلّق فرع على المتعلّق وتبع (^٢) له، فإذا توقَّف فهمهما على فهم المتعلّق الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقّفه على فهم المتعّلق (^٣) أولى، وإن كان المتعلّق أمرًا عدميًّا، والله سبحانه أعلم.
[ق ٤٥] مبحث ثالث
ادّعى مُدّعٍ أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] عامٌّ (^٤) في كلِّ ما يسمّى بيعًا.
قال له الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة: قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ قد أُتْبع بقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وعامة أنواع الربا يسمى بيعًا، والربا إنْ كان اسمًا مجملًا فهو مجهول، واستثناء المجهول من المعلوم يوجب جهالة
_________________
(١) (ف، ك): «المتعلق» وكذا مابعدها، و(ك): «عارض».
(٢) الأصل: «ومنع»!
(٣) (ف، ك): «التعلق» وكذا ما بعدها.
(٤) «عام» ليست في (ب، ق).
[ ١٦٣ ]
المستثنى (^١)، فيبقى المراد إحلال (^٢) البيع الذي ليس بربًا. فما لم يثبت أن الفرد المعيّن ليس بربًا لم يصحّ إدخاله في البيع الحلال، وهذا يمنع دعوى العموم. وإن كان الربا اسمًا عامًّا فهو مستثنًى من البيع أيضًا، فيبقى البيع لفظًا مخصوصًا، فلا يصح ادعاء العموم على الإطلاق فيه (^٣).
قال ابن المُرحِّل: هذا من باب التخصيص، وهنا عمومان تعارضا، وليس من باب (^٤) الاستثناء، فإنّ صِيَغ الاستثناء معلومة، وإذا كان هذا تخصيصًا لم يُمنع ادعاء العموم فيه.
قال الشيخ تقي الدين: هذا كلام متصل بعضه ببعض، وهو من باب التخصيص المتصل، وتسميه الفقهاء: استثناء، كقوله: له هذه الدار ولي منها هذا البيت، فإن هذا بمنزلة (^٥): إلا هذا البيت، وكذلك لو قال: أكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلانًا، وهو منهم، كان بمنزلة قوله: إلا فلانًا، وإذا كان كذلك صار بمنزلة قوله: أحلَّ (^٦) الله البيع إلا ما كان منه ربًا. فمن ادعى بعد هذا أنه عامّ في كلّ ما يسمى بيعًا فهو مخطئ.
قال ابن المُرحِّل: أنا أسلِّم أنه إنما هو عامّ في كل بيع لا يسمى ربًا.
_________________
(١) (ق، ف، ك): «المستبقى».
(٢) (ق): «حلال».
(٣) ليست في (ك)
(٤) «التخصيص من باب» سقط من (ف).
(٥) (ق، ف، ك) زيادة: «قوله».
(٦) (ف، ك): «وأحل».
[ ١٦٤ ]
قال له الشيخ تقي الدين: وهذا كان المقصود، لكن (^١) بطل بهذا دعوى عمومه على الإطلاق، فإن دعوى العموم على الإطلاق تنافي (^٢) دعوى العموم في بعض الأنواع دون بعض، وهذا كلام بيِّن.
وادعى مدّع أن فيه قولين، أحدهما: أنه عام مخصوص، والثاني: أنه عموم مراد.
فقال الشيخ تقي الدين: فإنَّ دعوى أنه عموم مراد، باطل قطعًا، فإنّا نعلم أن كثيرًا من أفراد البيع حرام.
فاعترض ابنُ المُرحِّل بأن تلك الأفراد حُرِّمت بعد ما أُحِلّت، فيكون نسخًا.
قال الشيخ تقي الدين: فيلزم من هذا أن لا نحرم شيئًا من البيوع بخبر واحد ولا بقياس، فإنّ نسخ القرآن لا يجوز بذلك، وإنما يجوز تخصيصه به، وقد اتفق العلماء (^٣) على التحريم بهذه الطريقة.
قال ابن المُرحِّل: رجعتُ عن هذا السؤال، لكن أقول: هو عموم مراد في كلِّ ما يسمى بيعًا في الشرع، فإن البيع من الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعي.
قال الشيخ تقي الدين: «البيع» ليس من الأسماء المنقولة، فإن مسماه في الشرع والعرف هو المسمى اللغوي، لكنَّ الشارع اشترط لِحِلّه وصحته
_________________
(١) (ف، ك): «ولكن».
(٢) (ق، ف، ك): «ينافي».
(٣) (ك): «الفقهاء».
[ ١٦٥ ]
شروطًا، كما قد كان أهلُ الجاهلية لهم شروط (^١) أيضًا بحسب اصطلاحهم، وهكذا سائر أسماء العقود، مثل الإجارة والرهن والهبة والقرض والنكاح، إذا أريد به العقد وغير ذلك هي باقية على مسمّياتها، والنقل إنما يُحْتاجُ إليه إذا أحدث الشارعُ معاني لم تكن العربُ [ق ٤٦] تعرفها مثل الصلاة والزكاة والتيمم، فحينئذٍ يحتاج إلى النقل، ومعاني هذه العقود ما زالت معروفة.
قال ابن المُرحِّل: أصحابي قد قالوا: إنها منقولة.
قال الشيخ تقي الدين: لو كان لفظ البيع في الآية المراد به البيع الصحيح الشرعي لكان التقدير: أحلّ الله البيع الصحيح الشرعي، أو أحل الله البيع الذي هو عنده حلال. وهذا مع أنه تكرر (^٢) فإنه يمنع الاستدلال بالآية، فإنا لا نعلم دخول بيع من البيوع في الآية حتى نعلم أنه بيع صحيح شرعي، ومتى علمنا ذلك استغنينا عن الاستدلال بالآية.
قال ابن المُرحِّل: متى ثبت أنَّ هذا الفرد يسمى بيعًا في اللغة قلتُ: هو بيع في الشرع؛ لأن الأصل عدم النقل، وإذا كان بيعًا في الشرع دخل في الآية.
قال الشيخ تقي الدين: هذا إنما يصح لو لم يثبت أن الاسم منقول، أما إذا ثبت (^٣) أنه منقول، لم يصحّ إدخال فردٍ فيه حتى يثبت أن الاسم (^٤) المنقول
_________________
(١) (ك): «شروطًا».
(٢) (ق، ف، ك): «تكرير».
(٣) (ق): «ثبتت».
(٤) «منقول أن الاسم» سقط من (ق).
[ ١٦٦ ]
واقع عليه، وإلا فيلزم من هذا أن كلَّ ما سمي في اللغة صلاة وزكاة وتيممًا وصومًا وبيعًا وإجارةً ورهنًا أنه يجوز إدخاله في المسمى الشرعي بهذا الاعتبار، وعلى هذا التقدير فلا يبقى فرقٌ بين الأسماء المنقولة وغيرها، وإنما يقال: الأصل عدم النقل إذا لم يثبت، بل متى ثبت النقل فالأصل (^١) عدمُ دخول هذا الفرد في (^٢) الاسم المنقول حتى يثبت (^٣) أنه داخل فيه بعد النقل.
قلت: أصل (^٤) هذه الأبحاث الثلاثة، وكل ما فيها (قلت) فإنه من كلام الشيخ تقي الدين قرَّره بعد المناظرة (^٥).
_________________
(١) الأصل: «والأصل».
(٢) (ف، ك): «في هذا».
(٣) الأصل: «ثبت».
(٤) (ق): «فليتأمل»، (ف، ك): «فلتُتامل»، والمثبت من الأصل.
(٥) هنا نهاية الاختصار في نسخة (ب) وبدايته ص ١٦٢.
[ ١٦٧ ]