بحثٌ ثانٍ جرى (^١)
أَنَّ الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعمّ من جهة أسبابه التي يقع عليها، فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان. والشكر أعمُّ من جهة ما به يقع، فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل (^٢) أو بالقول أو بالاعتقاد (^٣).
أورد الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجَّى الحنبلي (^٤): أن هذا الفرق إنما هو من جهة مُتعلَّق الحمد والشكر؛ لأنَّ كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته، فلا يكون فرقًا في الحقيقة، والحدود إنما يتعرَّض فيها لصفات الذات، لا لما خرج عنها.
فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة:
المعاني على قسمين: مفردة ومضافة [ق ٤٣] فالمعاني المفردة حدودها
_________________
(١) في نسخة (ب) في هذا الموضع ما نصه: «وذكر الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي رحمة الله عليه مؤلف هذه الترجمة بحوثًا أخر تركتها اختصارًا» اهـ. ونهاية الاختصار في ص ١٧٣. وهذا البحث في «مجموع الفتاوى»: (١١/ ١٤٦ - ١٥٥) وهو مأخوذ من هنا.
(٢) الأصل، (ف): «بالقول» سبق قلم.
(٣) «والقول بالاعتقاد» سقط من (ق).
(٤) هو: المنجَّى بن عثمان بن أسعد بن المنجَّى أبو البركات الدمشقي الحنبلي، عالم، مشارك في عدة فنون، وأحد شيوخ ابن تيمية، انتهت إليه رئاسة المذهب بالشام، (ت ٦٩٥). «ذيل طبقات الحنابلة». (٤/ ٢٧١ - ٢٧٤)، و«المقصود الأرشد»: (٣/ ٤١ - ٤٢).
[ ١٥٧ ]
لا تؤخذ (^١) عنها متعلَّقاتها (^٢)، وأما المعاني الإضافية فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات، فإنها داخلة في حقيقتها ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات (^٣) جزءًا من حقيقتها فيتعيَّن (^٤) ذكرها في الحدود.
والحمد والشكر معنيان متعلَّقان (^٥) بالمحمود عليه والمشكور عليه (^٦) فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلّقهما، فيكون متعلقهما داخلًا في حقيقتهما.
فاعترض الصدر ابن المُرحِّل (^٧) بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية، فإن التعلُّقَ (^٨) صفة نسبية (^٩)، والنِّسَب أمورٌ عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءًا من الوجود.
_________________
(١) (ف، ك) في هذا الموضع: «توجد»، وفي الموضع الثاني (ف، ق): «توجد»، (ك): «يوجد».
(٢) (ف، ك): «فيها بتعلقاتها».
(٣) (ف): «التعليقات للتعلقات».
(٤) (ق): «فتعين».
(٥) «متعلقان» ليست في (ف)، و(ق، ك): «معينان متعلقان» ووضع في (ك) خطًّا على «معينان» ثم كتب في الهامش: لعله متعلقان ..
(٦) (ق): «والشكر »، و«عليه» ليست في (ف).
(٧) تقدم التعريف به (ص ١٤٥).
(٨) (ف، ك): «المتعلق».
(٩) (ف): «تشبيه».
[ ١٥٨ ]
فقال الشيخ تقي الدين: قولك: «ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية»، ليس على العموم، بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية (^١)، [وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية] (^٢).
ثم الصفات المتعلِّقة نوعان:
أحدهما: إضافة محضة، مثل الأبوَّة والبنوَّة والفوقية والتحتية، ونحوها. فهذه الصفة التي (^٣) يقال فيها: هي مجرّد نسبة وإضافة، والنِّسَب أمور عدمية.
والثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها كالحبّ والبغض، والإرادة والكراهة، والقدرة، وغير ذلك من الصفات، فإن الحبّ صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب. فالحب معروض للإضافة، بمعنى أن الإضافة صفة عرضَتْ له، لا أنَّ (^٤) نفس الحبّ هو الإضافة. ففرقٌ بين ما (^٥) هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة، فالإضافة يقال فيها: إنها عَدَمية، وأما (^٦) الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب (^٧).
_________________
(١) «ليس على ثبوتية» سقط من (ف).
(٢) مابين المعكوفين سقط من الأصل، وهو انتقال نظر.
(٣) (ف، ك): «هي التي».
(٤) (ق): «لأن».
(٥) (ف، ك): «بينهما» وفي هامش (ك): لعله «بينهما» في الموضعين.
(٦) (ط): «قال: وأما».
(٧) «كالحب» ساقطة من (ق). وفي (ك) تكررت عبارة: «وأما الصفة كالحب».
[ ١٥٩ ]
قال ابن المُرحِّل: الحبُّ أمر عَدَميّ؛ لأن الحبّ نسبة، والنِّسَب (^١) عدميّة.
قال الشيخ تقيّ الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمرًا عدميًّا باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء. ثمّ هو مذهبُ بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه (^٢) زعم أنها صفة سلبية، بمعنى أنه غير مغلوب ولا مُسْتَكره، وأطبق الناسُ على بطلان هذا القول. وأما إرادة المخلوق وحبّه وبُغْضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنه أمرٌ (^٣) عدميّ.
فأصرَّ ابنُ المُرحِّل على أن الحبّ الذي هو ميل القلب إلى المحبوب أمر عدمي، وقال: المحبة أمر وجودي.
قال الشيخ تقي الدين: المحبّة هي الحبّ، فإنه يقال: أحبّه وحبّه حبًّا ومحبّةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر.
قال ابن المُرحِّل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدَرَين فهما أمرٌ عَدَميّ.
قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتمّ، وكون الحبّ والبغض أمرًا وجوديًّا معلومٌ بالاضطرار، فإنّ كلَّ أحدٍ يعلم أن الحيَّ إن (^٤) كان خاليًا عن الحبّ كان هذا الخُلوّ (^٥) صفةً
_________________
(١) الأصل: «والنسبة».
(٢) تكررت في الأصل.
(٣) ليست في (ف، ك).
(٤) (ف): «إذا».
(٥) (ف، ك): «الخلق».
[ ١٦٠ ]
عدمية، فإذا صار محبًّا فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية (^١) زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحبّ، وهو (^٢) يحس ذلك من نفسه [ق ٤٤]، يجده كما يجد شهوته ونُفْرته، ورضاه وغضبه، ولذَّته وألَمَه.
ودليل ذلك: أنك تقول: أحبَّ يُحب محبَّة، ونقيض «أحبّ»: لم يحب، و«لم يحب» صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات.
قال ابن المُرحِّل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع، فإنّ نقيض الامتناع: لا امتناع، [والامتناع] (^٣) صفة عدمية.
قال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمرٌ اعتباري عقلي، فإنّ الممتنع ليس (^٤) له وجود خارجي حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار (^٥) كونه معلومًا له ثبوتٌ علمي. وسَلْب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت، فلم يَنْقُضْ هذا قولَنا: نقيض العدم ثبوت.
وأما الحبّ فإنه صفة قائمة بالمحبّ، فإنك تشير إلى عينٍ خارجةٍ وتقول: هذا الحيّ صار محبًّا بعد أن لم يكن محبًّا، فتخْبِر عن الوجود الخارجي بصفةٍ (^٦)، فإذا كان نقيضها عدمًا خارجيًّا، كانت وجودًا (^٧) خارجيًّا.
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) (ف، ك): «ومن».
(٣) سقطت من الأصل.
(٤) سقطت من (ق).
(٥) (ف، ك): «وباعتبار».
(٦) ليست في (ك).
(٧) (ف): «وجوديًّا».
[ ١٦١ ]
وفي الجملة فكون الحبّ والبغض صفةً ثبوتيةً وجودية معلوم بالضرورة، فلا يُقبل فيه نزاع ولا يُناظَر صاحبه إلا مناظرة السّوفسطائية.
قلت: وإذا كان الحبُّ والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير صفاتٍ وجودية، وظهر الفرقُ بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني. فإن الحمد أمر وجوديّ متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما. فإذا كان متعلَّق أحدهما أكبر (^١) من متعلَّق الآخر، وذلك التعلق إنما هو (^٢) عارض لصفة ثبوتية لهما = وجبَ ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما.
والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر، فعُلِم أن تصوّر متعلَّق الشكر داخل في تصوّر الشكر.
قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمرًا عدميًّا فالحقيقة إن كانت مركَّبة من وجودٍ وعدم، وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أنَّ من عرَّف الأبَ من حيث هو أب، فإنّ تصوّره موقوف على تصوّر الأبوَّة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأبُ أمرًا وجوديًّا.
فالحمد والشكر متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن
_________________
(١) (ق): «أكثر».
(٢) سقطت من (ف، ك).
[ ١٦٢ ]