ما ذُكِر. فمن اعتقد جواز الشدّ إلى غير ما ذُكِرَ (^١) أو وجوبه، أو ندبيَّته= كان مخالفًا لصريح النهي، ومخالفة النهي معصية ــ إما كفر أو غيره ــ على قَدْر المنهيّ عنه، ووجوبه، وتحريمه، وصفةِ النهي. والزيارةُ أخصُّ من وجه؛ فالزيارة بغير شدٍّ غير منهيٍّ عنها، ومع الشدِّ منهيٌّ عنها.
وبالجملة؛ فما ذكره الشيخُ تقيّ الدين على الوجه المذكور الموقوف عليه، لم يستحقّ عليه عقابًا، ولا يوجب عتابًا.
والمراحم السلطانية أحْرَى بالتوسِعَة عليه، والنظر بعين الرأفة والرحمة إليه، وللآراء الملكيّة علوُّ المزيد.
حرَّره ابنُ الكُتبي الشافعي (^٢)، حامدًا لله على نعمه.
جواب آخر
الله الموفق.
ما أجاب به الشيخُ الأجلُّ الأوحدُ، بقية السلف، وقدوة الخلف، رئيس المحقّقين، وخلاصة المدقّقين، تقيُّ الملَّة والحقّ والدين= مِن الخلاف في هذه المسألة، صحيحٌ منقول في غيرِ ما كتابٍ من كتب أهل العلم، لا اعتراض عليه في ذلك؛ إذ ليس في ذلك ثَلْبٌ لرسول الله - ﷺ -، ولا غَضٌّ من قدره - ﷺ -.
_________________
(١) «فمن. . . ما ذكر» سقط من (ف، ك، ط).
(٢) لعله: يوسف بن إسماعيل بن إلياس أبو المحاسن الشافعي البغدادي، المعروف بابن الكتبي (ت ٧٥٥). انظر «الوفيات»: (٢/ ١٧٠) لابن رافع، و«مشيخة ابن رجب» (ص ١١٣).
[ ٤١٥ ]
وقد نصَّ الشيخ أبومحمد الجويني في كتبه على تحريم السَّفَر لزيارة القبور، وهو (^١) اختيار القاضي الإمام عياض بن موسى بن عياض في «إكماله» (^٢). وهو أفضل (^٣) المتأخرين من أصحابنا.
ومن «المدوَّنة» (^٤): «ومن قال: عليَّ بالمشي إلى المدينة، أو بيت المقدس، فلا يأتيهما أصلًا، إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما، فليأتهما».
فلم يجعل نَذْر زيارة قبره طاعةً يجب الوفاء بها، إذ من أصلنا: أنَّ من نَذَر طاعةً لزمه الوفاءُ بها، كان من جنسها ما هو واجبٌ بالشرع ــ كما هو مذهب أبي حنيفة ــ أو لم يكن.
قال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق عقيب هذه المسألة: ولولا الصلاة فيهما لما لزمه إتيانهما، ولو كان نَذَر زيارةَ طاعةٍ لما (^٥) لزمه ذلك.
وقد ذكر ذلك القيرواني في «تقريبه»، والشيخ ابن بشير (^٦) في
_________________
(١) (ف، ك، ط): «وهذا».
(٢) (٤/ ٤٤٩).
(٣) (ف، ك، ط): «من أفضل». وعلق ناسخ (ك) بنقل كلام القسطلاني في شرح البخاري في مسألة شدّ الرحل ثم قال: «فيسع ابن تيمية ﵀ في منعه شدّ الرحل لزيارة القبور ما وَسِع أبا محمد الجويني، والقاضي حسينًا وعياضًا وغيرهم، إن كان الإنصاف يُعدّ مرضاة اهـ. كذا في المنقول عنه».
(٤) (٢/ ١٨).
(٥) (ب): «نذر زيارته»، و«لما» سقطت من باقي النسخ.
(٦) «وقد ذكر ذلك» سقطت من (ب)، و«ابن بشير» تحرفت في (ف، ك، ط) إلى: «ابن سيرين». وهو: إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير، أبو الطاهر التنوخي، كان إمامًا في مذهب مالك، صاحب اجتهاد واختيار. (ت بعد ٥٢٦). انظر «الديباج المذهب» (ص ٨٧).
[ ٤١٦ ]
«تنبيهه».
وفي «المبسوط»: قال مالك: ومن نذر المشي إلى مسجدٍ من المساجد ليصلي فيه، قال: فإني أكره ذلك له؛ لقوله - ﷺ -: «لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إلَاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجدي هذا».
وروى محمد بن المَوَّاز في «المَوَّازيَّة» عنه (^١): إلا أن يكون قريبًا، فيلزمه الوفاءُ؛ لأنَّه ليس بشدِّ رَحْل.
وقد قال الشيخ أبوعُمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» (^٢): يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
وحيث تقرَّر هذا؛ فلا يجوز [ق ١٢٦] أن يُنسب من أجاب في هذه المسألة بأنَّه سَفَرٌ منهيٌّ عنه إلى الكفر، فمن كفَّره بذلك من غير موجب، فإن كان مستبيحًا ذلك، فهو كافر وإلاّ فهو فاسق.
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازَرِي في كتاب «المعلم» (^٣): «من كفَّر أحدًا من أهل القبلة، فإن كان مستبيحًا لذلك (^٤) فقد كفر، وإلَاّ
_________________
(١) ليست في (ف، ك، ط).
(٢) (١/ ١٦٨).
(٣) (/). وتحرفت في (ب) إلى «العلم».
(٤) (ف، ك، ط): «ذلك».
[ ٤١٧ ]