ولقد حللتُ اللغزَ إجمالًا وفي تفصيله تفصيل روض ربيعه
فاسْتَجْل بكرًا من وليٍّ بالحُلى تُهدى لكُفء الفضل بين رُبوعه
فأجاب العبد الفقير إلى ربه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة حلًّا لمعضله، وفصلًا لمجمله، وفتحًا لمقفله، وشرحًا لمشكله:
يا عالمًا قد فاق أهلَ زمانه بفنونه وبيانه وبديعه
وغدا لأعلام العلوم منارَهم يَهدي الُهداةَ إلى منار ربوعه
وأجاد نظمًا عقد جيد عقيلةٍ من درِّ بحر العلم في ترصيعه
وجلا (^١) المعارف في عوارف لفظه (^٢) أخذًا لعَرْف (^٣) العلم من ينبوعه
وأبان عما قد حوى من كلّ فنـ ـن قد أحاط بأصله وفروعه
ببيانه السِّحرِ الحلال ولفظه الـ ـعذب الزُّلال ولفظ (^٤) حُسْن صنيعه ج
بغزير علمٍ وافتنانٍ واسع ألغزتَ (علمًا) في فنون وسِيعه
حلّيته بدقيق وصفٍ صُنته بجليل لفظٍ ناءَ عن موضوعه
ووصفته بِحُلى العلوم وأهلها ونعتَّه بضروبه وضروعه (^٥)
وجمعتَ في أوصافه الأضدادَ حَتْـ ـتَى استيأسَ الطلَّاب من تتبيعه
والعبدُ لمّا أن تأمّل نظمَكم بنظامه أُلقِيْ له في رُوعه
_________________
(١) الأصل: «وحكى»، والمثبت من (ب، ق، ك)، و(ف): «وأجلى».
(٢) (ب، ق): «فضله».
(٣) (ق): «لغرف».
(٤) (ب، ق): «ولطف».
(٥) (ق): «وصروعه» بالمهملة. وضروعه: أي وأشباهه.
[ ٢٣ ]
أن الذي ألْغَزْتُمُ «عِلْم» ولمـ ـا يجعل المظنون من مقطوعه
لكنه أمسى يُحلّيه بما حلَّيتمُ (^١) ويغوص في توقيعه
حتى تجلَّى الحقُّ من ظَلْمائه (^٢) في ليلةٍ من قبل وقت هُجُوعه
فإذا الذي قد عنَّ أول مرةٍ حقٌّ تبلَّجَ فجره بطلوعه
ورأيتُ فيه الوصف إما باديًا أو خافيًا معناه في مسموعه
لدقيق مغزاه ولطف إشارة فيه (^٣) وبُعد حُلاه عن موضوعه
فغدوتُ أكشفُ عنه كشفًا موجزًا بإشارةٍ تهدي لشَطْر بقيعه
فاسمع لحلِّ حُلاه في تفصيله واشهد بقلبٍ مقبلٍ بهطوعه
«العلم» لفظ ذو ثلاثة أحرف وهجاء كلٍّ مثل ما مجموعه
فإذا يكون مركبًا من تسعة جذرًا لها فانظر إلى تربيعه
ومربعًا ساواه جذر حسابه ومثلّثًا بحدوده وضلوعه
ويكون أثلاثًا فثلثٌ مثلُه هو لامه إن خُضْت في توزيعه
والميمُ في الجمل الكبير حسابه هو أربعون بقول أهل ربيعه
والميم (^٤) في الجمل الصغير حسابه عشرون هذا الثلث ضعف جميعه
والثلثُ عينٌ عينُ كلٍّ ذاته هو جوهرٌ والوصفُ في موضوعه
إذ كانت الأعيانُ قائمةً بها الـ أعراض جمعًا فافطنوا لجموعه
_________________
(١) (ك): «حليته».
(٢) (ف): «ظلماته».
(٣) سقطت من (ك).
(٤) جميع الأصول «والعلم». والمثبت هو الصواب.
[ ٢٤ ]
حكمٌ يخصُّ العين حرفًا واحدًا من بين جنس الحرف في تنويعه
[ق ٨] هو تسعةٌ في أصله والعالم العُلْـ ـوي منه تسعة برقيعه
العرش والكرسيّ والسبع السمـ ـوات الطّباق فالاسم جزء رفيعه
من عالم الملكوت أعني الغيب إذ عنه كنَى لعلوِّ شأن ضليعه (^١)
لم يبق إلا جنةٌ أو جاحِمٌ فيه المخافة أو أمان مروعه
بالعلم يُحيي الله قلبًا ميتًا يسري كنورٍ ضاء حين سُطوعه
فلأنَّه يحيى اسمه حيٌّ (^٢) إذ الـ أحياءُ فرعُ حياة ربّ صنيعه
ولأنه يسري اسمه متحرّك لوحًا تنقّله بذهن قريعه
ذا الوصفُ عقليّ وفي حِسّيه هو جامد هو ساكن بربوعه
إذ كان نوع العلم معنى جنسه عَرَض يقوم بمستوى موضوعه
والحيُّ والمتحرّك الوصفان يخـ ـتصَّان شخصًا جوهرًا ببقيعه
إذ كان في المحسوس ليس بقائم عرضٌ بآخر مثله وتبيعه
أما إذا ما جُرّد المعقول فالـ ـوصفان في المعنى له بربيعه
ثلثاه حرفا العين والميم هما في اللفظ من عدم وفي تنويعه
وإذا جمعتَ حسابه في أكبر (^٣) وأضفت خمسيه إلى مجموعه
_________________
(١) كذا بجميع النسخ.
(٢) (ف): «حتى».
(٣) (ف، ك): «أكثر»، وكتب فوقها في (ك): لعله، وفي هامشها: «لعله: أكبر». وهي غير محررة في (ق).
[ ٢٥ ]
فمربعًا يُضحي ويُضحي (^١) جذره مع أربع عشرًا لدى (^٢) تربيعه
فالجذر عِلّته ومعلول له من حيث ما هو علة لوقوعه
فالجذر معلول لجذرٍ كائن معلوله فافهم مدار رجيعه
فلكونه معلولَ معلولٍ (^٣) له قد صار معلولًا له برجوعه
ويقول إن العلم (^٤) منه النحو هـ ـذا إن تُرِد حملًا على موضوعه
فإذًا يكون الضمّ علة كون هـ ـذا الجمع علةَ نفسه وجميعه
وبغير خُمْسيه يعود لأصله علمًا وعلم النحو بعضُ فروعه
وإذا اعتبرتَ حروفه ألفيته فعلًا مضى لغةً وفي موضوعه (^٥)
حكمٌ على المستقبلات وغيرها لعمومه متعلّقًا وذيوعه
إذ من خصائصه تعلُّقه بكُلْ ـلِ محقق معَ سَبْقه لوقوعه
أكْرِم به أمرًا عظيمًا نفعُه حُمِدت صناعته بحمد صنيعه
والفعل فيه مصدرٌ وزمانه وضعًا وملزومٌ لربّ صنيعه (^٦)
فلذاك كان مقيدًا ومخصّصًا لعموم جنس العلم في تنويعه
هو مفردٌ (^٧) نوعٌ حوى أشخاصه فإذا تركَّبَ خُصّ في تجميعه
_________________
(١) (ق): «يصحي».
(٢) ما عدا الأصل: «لذي».
(٣) (ف): «معلولًا»، (ق): «معلولٌ».
(٤) (ب، ق): «ونقول »، (ك): «ويقول »، (ف): «ويقولو أهل ».
(٥) الأبيات الثلاثة سقطت من (ف).
(٦) البيت ساقط من (ف).
(٧) (ب، ق، ف): «مفردًا».
[ ٢٦ ]
فيصحُّ حينئذٍ مقالة قائل قد زاد مُفرده على مجموعه
هو ثابتٌ في كلّ حال ممكن ذو عِزّة صعب على مُسْطيعه
حتى يُنال فيَحْمَد القومُ السُّرى وإذًا يقال: بطيئه كسريعه
فالبُطْءُ والإسراع ليس بنفسه بل في الطريق وفي اقتناص منيعه
والعلمُ بالرحمن أول واجبٍ (^١) وأهمُّ فرض الله في مشروعه
وأخو الديانة طالبٌ لمزيده أبدًا ولمّا ينهه بقطوعه
والمرء فاقته إليه أشدّ من فقر الغذاء لعِلْم حُكم صنيعه
في كلِّ وقتٍ، والطعام فإنما يحتاجه في وقت شِدَّةِ جوعه
وهو السبيل إلى المحاسن كلِّها والصالحات فسوأة لمضيعه
وإليه يُسْنَد كلُّ فنٍّ نافع بل فارع بأصوله وفروعه
لجلالة المعلوم واللطف (^٢) الذي للعلم كان مناسبًا لبديعه
فالعلم ميزانُ الحقائق والعرو ض كذاك (^٣) ميزان لدى تقطيعه
والاسم بالتحريك (^٤) من مفروقه والفعل بالتسكين من مجموعه
[ق ٩] هو واسطٌ (^٥) عِقْد الفضائل كلّها وبه يُزان الحَلْي في ترصيعه
_________________
(١) (ف، ك): «صاحب».
(٢) (ف): «واللفظ».
(٣) (ك): «وكذاك».
(٤) كذا في الأصول. وبهامش الأصل: «صوابه: بالتسكين». أقول: وكذلك في الشطر الثاني «والعقل بالتحريك». ولعل مراد المؤلف أن اسم «عِلْمَ» (وتد مفروق)، أي متحرك بينهما ساكن. والفعل عَلِمَ (وتد مجموع) متحركان ثم ساكن أو متحرك.
(٥) (ف): «واسطة».
[ ٢٧ ]
وعلاجه بالجدِّ في تحصيله بمقدمات نتاجه وينوعه
ولكلّ قومٍ منه حظٌّ وافر وحقائق التوحيد (^١) في مشروعه
بشعائر لمشاعر وقواعدٍ لعقائد المعقول في مسموعه
وجميعُه متفرِّق في قوله: ما حافظ للعهد مثل مُضِيعه
فلِعَينه وللامه ولميمه من ذا الكلام الحظ في تبضيعه (^٢)
يُرْوي بماء حياته في وِرْده ظمآن تحقيق إلى ينبوعه
ويُري بنور هداه في تبيينه حَيران تدقيق طلوع سطيعه
كطلوعه لمّا أبان بنوره قصدَ السبيل لحلّ عقد بديعه
جلّى المُجلّى بَعْد بُعْد بُدُوِّه مع فتح مُقْفله وقرب شَسوعه (^٣)
وأبان مجملَه وفصَّل عِقْدَه ولروضِه الأُنف ارتعى برتوعه
وجَلَى (^٤) جمال البكر في حَلْي الحلى فافتضَّها كُفء ثَوَت بربوعه
فخُذ الجوابَ مخلَّصًا فيه اللبا بُ مُلخّصًا في نظمه لسميعه
مع أنّ نظم الشعر غير مُحصِّل لكمال مغزاه (^٥) وشرح جميعه
من خاطرٍ مستعجل مستوفزٍ لم يُنْعِم (^٦) التفكير في مرجوعه
_________________
(١) بقية النسخ: «التحقيق».
(٢) البيت ليس في الأصل.
(٣) الأصل: «شيوعه»، (ف): «هسوعه»، (ك): «مع قرب مسوعه». ولعله ما أثبت أي: بعيده.
(٤) (ك): «وحلى» بالمهملة.
(٥) (ك): «معزاه».
(٦) (ب، ق، ك): «يمعن».
[ ٢٨ ]
لم يجعل التحليل من مقصوده (^١) كلَّا ولا الفضلات من مصنوعه
إذ كان مخلوقًا لأكبر غايةٍ دار القرار جميله وقطيعه
وعليه من أمر الإله ونهيه ما يلفت المعقول عن تضييعه
لكنه لا بدّ للمصدور من نفثٍ يُريح فؤادَه بنخوعه
مع أنه مُزْجى البضاعة نظمُه غِرّ بحكم اللفظ في تسجيعه (^٢)
عبدٌ ذليل عاجز مُتضعِّف في حال مبداه وحال رجوعه
لكنه لما استعان بربِّه ثم استكان له بذلِّ خضوعه
فأعانه يُسْر الجواب فإن يكن حقًّا بوفق (^٣) الوصف في توقيعه
فالحمد والفضل العظيم لربنا شكرًا على محمود حُسْن صنيعه
إذْ ما بِنا من نعمة فَبِمنِّه والخير منه جميعه بهموعه
أو إن يكن خطأً فمني حيث إن لم أستطع متناولًا لرفيعه
فالنقصُ للإنسان وصفٌ لازم إنْ كان يعرفُ نفسَه بنخوعه
والحمد لله الرحيم بخلقه الـ ـبرّ الودود بعبده ومُطيعه
ومُيسّر الخَطْب العسير بلطفه من بعد منعته وبعد منيعه
ثم الصلاةُ على النبيّ وآله والمُصْطَفَين من الأنام جميعه
وعليهم التسليم منّا دائمًا ما اهتزَّ وجه الأرض بعد خُشُوعه
_________________
(١) (ك): «مصنوعه».
(٢) (ق، ب): «تشجيعه».
(٣) (ك): «برفق».
[ ٢٩ ]