ثمّ إنّ الشيخ ــ ﵀ ــ بعد وقعة جبل كسروان أرسل رسالة إلى السلطان الملك الناصر، يذكر فيها ما أنعم الله على السلطان وعلى أهل الإسلام، بسبب فتوح الجبل المذكور. وهي هذه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الداعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيّد الله في دولته الدين، وأعزّ (^٢) بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، وأحيا به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذلّ به أهل الكفر والفسوق والعصيان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
أمّا بعد، فقد صدق الله وعده، ونصر عبدَه، وأعزَّ جُندَه، وهزم الأحزابَ
_________________
(١) هذه الرسالة ليست في الأصل و(ب، ق)، بل هي ملحقة في آخر نسخة الأصل. وهي في (ف، ك، ح، د). والعنوان من هامش (ف). وقد أشار إليها المؤلف (ص ٨٥). وهي ضمن «مجموع الفتاوى»: (٢٨/ ٣٩٨ - ٤٠٩).
(٢) (ك): «أعز».
[ ٢٣٥ ]
وحده. وأنعم الله على السلطان، وعلى المؤمنين في دولته نعمًا لم تُعهد في القرون الخالية. وجُدِّد الإسلام في أيامه تجديدًا بانت فضيلته على الدول الماضية. وتحقّق في ولايته خبر الصادق المصدوق، أفضل الأولين والآخرين، الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رؤوس المئين، والله تعالى يُوزِعُهُ والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين، ويُتِمُّها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين.
وذلك أنّ السلطان ــ أتمَّ الله نعمته ــ حصل للأمة بيُمنِ ولايته وحُسْن نيته، وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته، وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدّين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته = ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين، من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان:
أهل الفجور والطغيان، وذوو الغَيِّ والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلبًا للعلوّ في الأرض والفساد، وتركًا لسبيل الهدى والرشاد. وهؤلاء هم التتار، ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسَّك بالشهادتين، أو ببعض سياسة الأنام (^١).
والصنف الثاني (^٢): أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشِّرْعَة والطاعة. مثل هؤلاء الذين غُزُوا بأمر السلطان من أهل الجبل، والجرد، والكسروان. فإنّ ما منَّ الله
_________________
(١) (ط): «الإسلام».
(٢) (ف، ك): «الباقي»، وفي هامش (ف): «الثاني».
[ ٢٣٦ ]
به من الفتح والنصر على هؤلاء الطَّغَام، هو من عزائم (^١) الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام.
وذلك أنَّ هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين، فإن اعتقادهم: أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بَدْر وبَيْعة الرِّضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءَهُم، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعُبَّادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوامَّ المسلمين وأفرادهم. كل هؤلاء عندهم كُفَّار مرتدُّون، أكفر من اليهود والنصارى؛ لأنهم مُرتدّون عندهم، والمرتدُّ شَرٌّ من الكافر الأصلي. ولهذا السبب يُقدِّمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان.
ولهذا لمّا قَدِم التتار إلى البلاد، فعلوا (^٢) بعسكر المسلمين ما لا يحصى من الفساد، وأرسلوا إلى أهل قُبْرُس (^٣) فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصَّليب، وحملوا إلى قبرس من خيل المسلمين وسلاحهم وأسْراهم ما لا يُحصي عَدَدَه إلا الله، وأقام سوقهم بالساحل عشرين يومًا يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرس، وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل أهل جِزِّين (^٤) وما حواليها، وجبل
_________________
(١) (ف): «عظائم».
(٢) (ف): «وفعلوا».
(٣) قُبْرُس: جزيرة في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، بها دولة قائمة الآن، أغلب سكانها من اليونان والأتراك. وانظر «معجم البلدان»: (٤/ ٣٠٥).
(٤) أحد أقاليم مدينة صيدا في لبنان، أهلها مشهورون بالرفض. انظر «نزهة المشتاق»: (ص ١١٩)، و«توضيح المشتبه»: (٣/ ٢٣٧).
[ ٢٣٧ ]
عاملة (^١) ونواحيه.
ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية، ظهر فيهم من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما نصر الله الإسلام النُّصرة العظمى عند قدوم السلطان، كان بينهم شبيه بالعزاء.
كل هذا، وأعظم منه، عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جَنكِخان إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هُولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نَهْب الصَّالحية (^٢)، وفي غير (^٣) ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله؛ لأن عندهم أَنّ كلّ من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد. ومن استحلّ الفُقَّاع (^٤) فهو كافر. ومن مسح على الخُفّين فهو عندهم كافر. ومن حَرَّم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحبَّ أبا بكْر أَو عمر، أَو عثمان، أو ترضَّى عنهم أو عن (^٥) جماهير الصحابة، فهو عندهم كافر. ومن لم
_________________
(١) جبل عاملة أو عامل بحذف تاء التأنيث تخفيفًا، وعاملة نسبة إلى قبيلة عاملة بن سبأ اليمانية: جبل كبير قرب صيدا في جنوب لبنان، فيه بلدات وقرى عديدة، وغالب من يسكنه من الشيعة الإمامية. انظر «خطط جبل عامل» لمحسن الأمين.
(٢) انظر «تاريخ الإسلام»: (٥٢/ ٨١ - ٨٢) للذهبي، و«البداية والنهاية»: (١٧/ ٧٣٠)، وما سبق (ص ٢٣٣).
(٣) (ف): «وغير».
(٤) «الفُقَّاع» كرُمَّان. شراب يُتخذ من الشعير يُخمّر حتى تعلوه فقاعاته. انظر «لسان العرب» (٨/ ٢٥٦). وانظر جواب الشيخ في جواز شربها لأنها غير مسكرة في «الفتاوى»: (٣٥/ ٢١٠).
(٥) (ف): «وعن».
[ ٢٣٨ ]
يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر (^١)!
وهذا المنتظر صبيٌّ (^٢) عمره سنتان، أو ثلاث، أو خمس. يزعمون أنه دخل السِّرداب بسامرَّاء من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كلّ شيء، وهو حجّة الله على أهل الأرض، فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له. ولم يكن هذا في الوجود قط.
وعندهم من قال: إن الله يُرى في الآخرة فهو كافر. ومن قال: إن الله تكلَّم بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، وأن الله يُقلِّب قلوب عباده، وأن الله خالقُ كلِّ شيء فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر.
هذا هو المذهب الذي تُلقِّنُهُ لهم أئمتهم، مثل بني العُود. فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل. وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين. ويُفتونهم بهذه الأمور.
وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العُود (^٣)
_________________
(١) انظر «منهاج السنة»: (٣/ ٢٦٩).
(٢) تكررت في (ف).
(٣) هو: أبو القاسم بن الحسين بن العود الحلّي المتكلم شيخ الشيعة (ت ٦٧٧ أو بعدها). قال الذهبي في «تاريخه»: (٥٠/ ٣٣٧): «قدم حلب وتردد إلى الشريف عز الدين مرتضى نقيب الأشراف، فاسترسل معه يومًا، ونال من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فزبره النقيب وأمر بجرّه بين يديه، وأُرْكِب حمارًا مقلوبًا، وصُفع في الأسواق. فحدثني أبو الفضل بن النحاس الأسدي: أن فاميًّا نزل من حانوته وجاء إلى مزبلة، فاغترف غائطًا ولطخ به ابن العود. وعظم النقيب عند الناس، وتسحب ابن العود من حلب. ثم إنه أقام بقرية جزين مأوى الرافضة، فأقبلوا عليه وملكوه بالإحسان». وانظر «البداية والنهاية»: (١٧/ ٥٥٦).
[ ٢٣٩ ]
وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علَّموهم وأمروهم، لكنهم مع هذا يُظهرون التّقيَّة والنفاق، ويتقرَّبون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجَبَلِيَّة، فإنما أقاموا بجَبَلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق ويبذلونه من البِرْطِيل (^١) لمن يقصدهم.
والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله؛ ولهذا كثر فسادُهم؛ فقتلوا من النفوس وأخذوا من الأموال ما لا يعلمه إلا الله.
ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يُضْبط شرُّه، كل ليلة تنزل (^٢) عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. وكانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عُرِفت من أهل الجنايات، يرد إليهم النصارى من أهل قبرس فيضيفونهم
_________________
(١) البرطيل: الرشوة. وقد شرحه شيخ الإسلام في «السياسة الشرعية»: (ص ٩١ - بتحقيقي) قال: «وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل، سميت به الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلم بالحق كما يلقمه الحجر الطويل، كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكُوَّة. يعني الطاقة». وانظر في تعليقي فائدة في أول من أظهر البرطيل بالشام.
(٢) (ف): «ينزل».
[ ٢٤٠ ]
ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين؛ فإما أن يقتلوه أو يسلبوه، وقليل (^١) منهم من يفلت منهم بالحيلة.
فأعان الله ويَسَّرَ، بحسن نية السلطان، وهِمَّته في إقامة شرائع الإسلام، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله، بعد أن كُشِفَت أحوالهم، وأُزِيحَت عللهم، وأُزِيلَت شُبْهتهم (^٢)، وبُذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به، وبُيِّن لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في قتاله الحروريَّة المارقين، الذين تواتر عن النبي - ﷺ - الأمر بقتالهم، ونَعْت حالهم من وجوه متعددة. أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه: من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخُدْري، وسَهْل بن حُنَيف، وأبي ذَرٍّ الغِفَاري، ورافع بن عَمرو، وغيرهم من أصحاب النبي - ﷺ - .
قال فيهم: «يَحْقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميَّة، لئن أدْرَكتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عاد، لو يعلم الذين يُقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد - ﷺ - لاتَّكلوا (^٣) عن العمل، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم،
_________________
(١) سقطت من (ف).
(٢) سقطت من (ف).
(٣) (ك): «للتَكّلوا»، (ف): «لتكلوا» وكتب فوقها: كذا.
[ ٢٤١ ]
شرُّ قتلى (^١) تحت أديم السَّماء، - خير قتلى من قتلوه» (^٢).
وأوّل ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين علي ﵁، وكان لهم من الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزَّهادة ما لم يكن لعموم الصحابة، لكن كانوا خارجين عن سنّة رسول الله - ﷺ -، وعن جماعة (^٣) المسلمين. وقتلوا من المسلمين رجلًا اسمه عبد الله بن خبَّاب وأغاروا على دوابِّ المسلمين (^٤).
وهؤلاء القوم كانوا أقلّ صلاةً وصيامًا، ولم نجد في جَبَلهم مصحفًا، ولا فيهم قارئ للقرآن، وإنّما عندهم عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وأباحوا بها دماء المسلمين، وهم مع هذا قد سفكوا من الدماء، وأخذوا من الأموال ما لا يحصي عددَه إلاّ الله تعالى.
فإذا كان علي بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، مع أنّه قتلهم جميعهم، كان هؤلاء أحقَّ بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء بمنزلة المتأوِّلين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل: «أنّهُ لا يقتل مُدْبِرهم، ولا يُجْهَز على جريحهم، ولا يُغنم لهم مال (^٥) ولا يُسْبى لهم ذرية» (^٦)؛ لأنّ مثل أولئك لهم تأويل سائغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل
_________________
(١) (ف): «قتل».
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) من حديث علي ﵁.
(٣) (ف): «جماعة من».
(٤) (ك): «للمسلمين».
(٥) سقطت من (ف).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٨٩٣٣)، وابن سعد في «الطبقات»: (٧/ ٩٤ - ٩٥).
[ ٢٤٢ ]
سائغ، ومثل أولئك إنّما يكون خارجًا (^١) عن طاعة الإمام، وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله - ﷺ - وسنته، وهم شرٌّ من التَّتار من وجوه متعدّدة، لكن التتر أكثر وأقوى، فلذلك ظهر شرُّهم.
وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم، كما كان في زمن قازان وهولاكو وغيرهما، فإنهم أخذوا من أموال (^٢) المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم، وأرضهم فيءٌ لبيت المال.
وقد قال كثيرٌ من السلف: إنّ الرّافضة لا حقَّ لهم من الفيء؛ لأنّ الله إنّما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، فمن لم يكن قلبه سليمًا لهم، ولسانه مستغفرًا لهم، لم يكن من هؤلاء (^٣).
وقطعت أشجارهم؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لمّا حاصر بني النضير قطع أصحابُه نخْلَهم وحرَّقوه، فقال اليهود: هذا فساد، وأنت يا محمد تنهى عن الفساد، فأنزل الله في القرآن: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].
وقد اتّفق العلماء على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر عند الحاجة
_________________
(١) تكررت «يكون» في (ف)، وفي (ط): «يكونون خارجين».
(٢) سقطت من (ف).
(٣) انظر «الدر المنثور»: (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ٢٤٣ ]
إليه، فليس ذلك بأولى من قتل النفوس.
وما أمكن غير ذلك؛ فإنّ القوم لم يحضروا كلّهم من الأماكن التي اختفوا فيها، وأيسوا من المقام في الجبل إلا حين قُطعت الأشجار، وإلاّ كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم، وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم؛ لأن التركمان إنّما قصدُهم الرَّعي، وقد صار لهم مرعى، وسائر الفلَّاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيئون إليه.
فالحمد لله الذي يسَّر هذا (^١) الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجبل منهم، وإخراجهم من ديارهم.
وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٢ ــ ٥].
وأيضًا فإنَّه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان، ويُعِزُّ به أهل الإيمان.
_________________
(١) (ك): «بهذا».
[ ٢٤٤ ]