وقد وصل ما أجاب به الشيخُ في هذه المسألة إلى علماء بغداد، فقاموا في الانتصار له، وكتبوا بموافقته، ورأيتُ خطوطَهم بذلك، وهذه صورة ما كتبوا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١) بعد حَمْد الله الذي هو فاتحة كلِّ كلام، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أعلام الهدى ومصابيح الظلام.
يقول أفقر عباد الله (^٢)، وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخُ الإمام، البارع الهُمام، افتخار الأنام، جمال الإسلام، ركن الشريعة، ناصر السنة، قامع البدعة، جامع أشتات الفضائل، قدوة العلماء الأماثل في هذا الجواب، من أقوال العلماء، والأئمة النبلاء ــ رحمة الله عليهم أجمعين ــ بَيِّنٌ لا يُدْفَع، ومكشوفٌ لا يتَقَنَّع، بل أوضح من النيِّرَين، وأظهر من فَرَق الصبح لذي عين (^٣). والعُمْدة في هذه المسألة: الحديثُ المتفق على صِحَّته، ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي (^٤) صيغته.
_________________
(١) هذا التصدير سبق ذكره في (ف، ك) (ص ٤١٤) وبدله هنا فيهما: «وأجاب غيره فقال».
(٢) (ف): «عباده».
(٣) بقية النسخ: «لذي عينين».
(٤) (ب): «احتمال».
[ ٤٢١ ]
وذلك أنَّ صيغة قوله - ﷺ -: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ » (^١) ذاتُ وجهين: نفي ونهي، لاحتمالها لهما، فإنْ لُحِظَ معنى النفي، فمعناه (^٢) نفي فضيلة واستحباب شدِّ الرَّحل، وإعمال المَطيِّ إلى غير المساجد الثلاثة (^٣). إذ لو فُرض وقوعهما لامتنع رفعهما. فتعيَّن توجُّه النفي إلى فضيلتهما واستحبابهما دون ذاتهما، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يُعتقد أن إعمال المطي وشدّ الرِّحال إليه قُربة وفضيلة؛ من المساجد، وزيارة قبور الصالحين، وما جرى هذا المجرى، بل أعمّ من ذلك. وإثبات ذلك النفي (^٤) لإعمال المطي إلى المساجد الثلاثة وما خرج من ذلك العموم (^٥)، بدليل ضرورة إثبات ذلك المنفيّ المقدَّر في صدر الجملة لما بعد «إلاّ»، وإلاّ لما افترق الحكم بين ما قبلها وما بعدها، وهو مفترق. وحينئذٍ (^٦) لا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة.
فهذا وجهُ متمسَّك من قال بإباحة هذا السفر، بالنظر إلى أنَّ هذه الصيغة نفي، وبنى على ذلك جواز القصر.
وإن كان النهي ملحوظًا، فالمعنى حينئذٍ نهيه عن إعمال [ق ١٢٣] المَطيّ
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) (ك): «فمقتضاه»، وفي هامشها: «فمعناه»، كذا في الأصل على هامشه» اهـ أبوإسماعيل يوسف حسين.
(٣) (ف، ك): «شد الرحال». وعبارة: «المطي. . . الثلاثة» سقطت من (ف).
(٤) الأصل: «المنفي» والمثبت من (ب).
(٥) «المنفي. . . العموم» سقط من (ف، ك).
(٦) (ف، ك، ط): «حينئذ».
[ ٤٢٢ ]
وشدّ الرِّحال إلى غير المساجد الثلاثة؛ إذ المقرَّر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاضٍ بتحريمه أو كراهته، على حسب مقتضى الأدلة. فهذا وجه متمسَّك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر؛ لكونه منهيًّا عنه (^١).
وممَّن (^٢) قال بحرمته: الشيخ الإمام أبومحمد الجُوَيني من الشافعية، والشيخ الإمام أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض ــ من المالكية ــ إلى اختياره.
وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور؛ فمحمول (^٣) على ما لم يكن فيه شدُّ رَحْلٍ وإعمالُ مَطِيٍّ، جمعًا بينهما.
ويحتمل أن يقال: لا يصلح أن يكون غير حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحال» معارضًا، لعدم مساواته إيّاه في الدَّرَجة؛ لكونه من أعلى أقسام الصحيح. والله تعالى أعلم.
وقد بلغ (^٤) أنه زُري وضُيِّق على المجيب، وهذا أمر يَحارُ فيه اللبيب، ويتعجَّب منه الأريب، ويقعُ به في شكٍّ مريب! فإنَّ جوابه في هذه المسألة قاضٍ بذكر خلاف العلماء، وليس حاكمًا بالغضِّ من الصالحين والأنبياء. فإنَّ الأخذ بمقتضى كلامه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ في الحديث المتفق
_________________
(١) «في هذا. . . عنه» سقط من (ب).
(٢) الأصل: «ومن».
(٣) (ف): «فمحمولة».
(٤) كذا في الأصول عدا (ف): «بلغني».
[ ٤٢٣ ]
على رَفْعِه (^١) إليه: هو الغايةُ القصوى في تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور، وذلك مما لا مِرْيَة فيه.
وإذا كان كذلك؛ فأيُّ حرجٍ على من سُئل عن مسألة، فذكر فيها خلاف الفقهاء، ومال فيها إلى بعض أقوال (^٢) العلماء؟ ! فإنَّ الأمر لم يزل كذلك على مرِّ العصور، وتعاقب الدُّهور.
وهل ذلك محمول من القادح إلّا على امتطاء نضو (^٣) الهوى، المفضي بصاحبه إلى التَّوى، فإنَّ من يُقْتَبس من فوائده، ويُلْتَقط من فرائده، لحقيق بالتعظيم، وخليقٌ بالتكريم، ممن له الفهم السليم، والذِّهن المستقيم. وهل حكمُ المُظَاهِرِ عليه في الظاهر، إلَاّ كما قيل في المثل السائر، وقول الشاعر: «الشعير يُؤكل ويُذَمّ» (^٤).
جزى بنوه أبا الغيلان عن كِبَرٍ وحُسْن فعلٍ كما يُجْزى سِنمَّار (^٥)
[وغيره] (^٦):
_________________
(١) (ف): «صحته رفعه»، (ك): «صحة رفعه».
(٢) «الفقهاء. . . أقوال» سقط من (ب).
(٣) الأصل: «نصر»، (ف): «تصولد. وفي الهامش إشارة إلى نسخة: لصهوه»، والمثبت من (ك). والنضو: المهزول.
(٤) «الشعير. . .» ليست في (ب).
(٥) الأصل: «سمنار». والبيت لسليط بن سعد. انظر «الأغاني»: (٢/ ١٣٨)، و«خزانة الأدب»: (١/ ٢٧٥).
(٦) من (ف). والبيتان لمالك بن أسماء، انظر «البيان والتبيُّن»: (١/ ١٤٧)، و«الأغاني»: (١٧/ ٢٣٨).
[ ٤٢٤ ]
وحديث ألذّه، هو ممّا يَنْعَتُ النَّاعِتون يُوزَنُ وزنا
منطقٌ رائع (^١) وتلحَنُ أحيا نًا، وخيرُ الحديث ما كان لحنا
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
ولولا خشية الملالة لما نكَبْتُ عن الإطالة. نسأل الله الكريم أن يسلك بنا وبكم سُبُل (^٢) الهداية، وأن يجنّبنا وإيّاكم مسلك الغواية، إنه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، حسبنا الله ونعم الوكيل، نِعم المولى (^٣) ونعم النصير.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلوات الله وسلامه على سيّد المرسلين. محمد النبي وآله الطاهرين، وأصحابه الكرام المنتجبين (^٤).
_________________
(١) (ف، ك): «أربع» خطأ. والرواية: «صائب».
(٢) (ف، ك، ط): «سبيل».
(٣) «نعم المولى» ليست في (ف، ك، ط). وفي (ب): «وهو حسبنا».
(٤) (ف، ك، ط): «المنتخبين».
[ ٤٢٥ ]
هذا جواب الشيخ الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام ابن البتّي الحنبلي (^١) ﵀ (^٢). ومن خطه نقلتُ (^٣).
_________________
(١) توفي في شوال سنة (٧٢٦ هـ). ترجمته في «الذيل على طبقات الحنابلة»: (٤/ ٤٦٣).
(٢) بعده في (ف، ك، ط): «قال المؤلف. . .».
(٣) بعده في (ف، ك، ط) جواب أحد علماء الشام من المالكية، وهو في الأصل و(ب) مقدّم قبل جواب ابن البتي الحنبلي.
[ ٤٢٦ ]