جوابٌ آخر وصورته (^١):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربّ يسِّر وأعِن (^٢)
يقول العبدُ الفقير إلى الله تعالى:
بعد حَمْدِ الله السابغة نعمُه، الشائعة مِننُه (^٣)، والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد - ﷺ - وعلى آله وصحبه أجمعين.
إنه حيثُ قد منَّ الله على عباده، وتفضَّل برحمته على بلاده، بأن وسَّد أمور الأمة المحمديَّة، وأسند أزِمَّة المِلَّة الحنيفية إلى (^٤) من خصَّصه الله تعالى بأفضل الكمالات النفسانية، وخصَّصه بأكمل السعادات الروحانية، محيي سنن العدل، ومُبدي سُنن الفضل، المعتصم بحبل الله، المتوكِّل على الله، المكتفي بنعم الله، القائم بأوامر الله، المستظهر بقوة الله، المستضيء بنور الله، أعزَّ الله سلطانه، وأعلى على سائر الملوك شأنه، ولا زالت رقابُ
_________________
(١) مكانه في (ف، ك): «وقد وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد، فقاموا في الانتصار [ف: الأمصار] له، وكتبوا بموافقته، ورأيت خطوطهم بذلك، وهذا صورة ما كتبوا».
(٢) ليست في (ب، ف).
(٣) (ف): «السابعة السائغة مننه»، (ك): «السابغة مننه».
(٤) (ف، ك): «على».
[ ٤١٢ ]
الأمم خاضعة لأوامره، وأعناقُ العباد طائعةً لمراسمه (^١). ولا زال مُوالي دولته بطاعته محبورًا (^٢)، ومُعادي صولته بخزيه مذمومًا مدحورًا.
فالمرجوُّ من (^٣) الحضرة المقدَّسة ــ زادها الله علوًّا وشرفًا ــ أن يكون للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وصفوة الأصفياء، وعماد الدين، ومدارُ أهل اليقين، حظٌّ من العناية السلطانية وافر، ونصيبٌ من الرَّحمة والشفقة ظاهر (^٤)، فإنَّها مَنْقَبَةٌ لا تعادلها فضيلة، وحسنةٌ لا تُحْبِطها سيئة؛ لأنها حقيقة التعظيم لأمر الله، وخلاصة الشَّفَقة على خلق الله.
ولا ريبَ أنَّ المملوك وقف على ما سُئلَهُ الشيخ الإمام العالم (^٥) العلاّمة، وحيد دهره، وفريد عصره، تقيُّ الدين أبوالعباس ابن تيمية، وما أجاب به= فوجدتُه خلاصة ما قاله العلماء في هذا الباب، حسب ما اقتضاه الحال من نَقْلِه الصحيح، وما أدى إليه البحثُ من الإلزام والالتزام، لا يَدْخُلُه (^٦) تحامل، ولا يعتريه تجاهل، وليس فيه ــ والعياذ بالله ــ ما يقتضي الإزراء أو التنقيص بمنزلة الرسول - ﷺ - .
وكيف يجوزُ للعلماء أن تحملهم العصبية أن يتفوَّهوا بالإزراء
_________________
(١) (ف): «لمراسه».
(٢) (ك، ط): «مجبورًا».
(٣) (ب، ف، ك): «من ألطاف».
(٤) «ونصيب. . ظاهر» سقط من (ف)، و«ظاهر» سقطت من (ك، ط)، و(ب): «نصيب »، والأصل: «أو نصيب ».
(٥) ليست في (ف، ك، ط).
(٦) (ف، ك، ط): «يداخله».
[ ٤١٣ ]
والتنقيص في حقِّ الرسول ﵇؟ !
وهل يجوز أن يتصوَّر مُتَصَوِّرٌ أنَّ [ق ١٢٥] زيارةَ قبر النبيّ (^١) - ﷺ - تزيدُ في قَدْره!؟ وهل تَرْكها مما ينقصُ من تعظيمه؟ ! حاشا للرسول من ذلك!
نعم لو ذكر ذلك ذاكرٌ ابتداءً، وكان هناك قرائنُ تدلُّ على الإزراء والتنقيص، أمْكن حَمْلُه على ذلك، مع أنه كان يكون كنايةً (^٢) لا صريحًا، فكيفَ وقد قاله في معرض السؤال، وطريق البحث والجدال (^٣)؟ !
مع أنَّ المفهوم من كلام العلماء وأنظار العقلاء: أنَّ الزيارة ليست عبادةً وطاعةً بمجرّدها (^٤)، حتى لو حلف أنَّه يأتي بعبادةٍ أو طاعةٍ، لم يَبَرَّ بها.
لكن القاضي ابن كَجٍّ (^٥) ــ من متأخري أصحابنا ــ ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قُربة تلزمُ ناذِرَها. وهو منفردٌ به، لا يساعده في ذلك نقلٌ صريح ولا قياسٌ صحيح، والذي يقتضيه مطلقُ الخبر النبويِّ في قوله ﵇: «لا تُشَدُّ الرحال. . .» إلى آخره= أنَّه لا يجوز شدُّ الرحال إلى غير
_________________
(١) بقية النسخ: «قبره».
(٢) (ف): «كتابة».
(٣) (ك، ط): «الجدل».
(٤) (ك، ط): «لمجردها».
(٥) هو: يوسف بن أحمد بن يوسف بن كَجّ أبو القاسم الدينوري الشافعي، من أصحاب الوجوه في المذهب، له تصانيف كثيرة. (ت ٤٠٥). انظر «طبقات الشافعية»: (٤/ ٣٥٩) للسبكي، و«سير النبلاء»: (١٧/ ١٨٣).
[ ٤١٤ ]