وهذا صورة السؤال وجواب الشيخ عنه (^١):
ما يقول السادة العلماء، أئمة الدين، نفع الله بهم المسلمين، في رجل نوى (^٢) زيارةَ قبور الأنبياء والصالحين (^٣)، مثل نبينا محمد - ﷺ -، وغيره. فهل يجوز له في سفره أن يَقْصُر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟
وقد رُوِيَ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «من حجَّ ولم [ق ١١٩] يَزُرْني فقد جفاني»، «ومن زارني بعد موتي (^٤) كمن زارني في حياتي». وقد رُوِيَ عنه - ﷺ - أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
أفتونا مأجورين (^٥).
_________________
(١) «وهذا عنه» ليست في «ف». و(ب): «وهذه ». وقد نُقِلت هذه الفتوى وما بعدها من هنا في «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ١٨٣ ــ ٢١٣). ومنها نسخة خطية في المكتبة المحمودية برقم (٢٧٧٥) ضمن مجموع، وسنقابل النص بها ونرمز لها بـ (م).
(٢) (ف، ك): «نوى السفر إلى».
(٣) (م): «أئمة الدين ﵃ أجمعين زيارة قبر نبيّ من الأنبياء ».
(٤) (ب): «موتى كان ». (م): «موتي فكأنما ».
(٥) (ف، ك): زيادة: «رحمكم الله».
[ ٤٠٠ ]
الجواب
الحمد لله ربِّ العالمين.
أمَّا من سافر لمجرَّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين؛ فهل يجوز (^١) له قَصْر الصلاة؟ على قولين معروفين:
أحدهما ــ وهو قول متقدِّمي العلماء الذين لا يجوِّزون القَصْرَ في سفر المعصية، كأبي عبد الله بن بطَّة، وأبي الوفاء بن عَقيل، وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين ــ: أنه لا يجوز القَصْر في مثل هذا السفر؛ لأنّه سفرٌ منهيٌّ عنه. [ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أنَّ السفر المنهيَّ عنه] (^٢) في الشريعة لا يُقْصَر فيه.
والقول الثاني: أنه يُقْصَر، وهذا يقوله من يُجَوِّز القصرَ في السفر المحرَّم، كأبي حنيفة. ويقوله بعضُ المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، ممن يجوِّز السفرَ لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن بن عبدوس الحرَّاني، وأبي محمد بن قُدامة المقدسي. وهؤلاء يقولون: إنَّ هذا السفر ليس بمحرَّم لعموم قوله - ﷺ -: «زُوروا القبور» (^٣).
وقد يحتجُّ بعضُ من لا يعرف الحديث بالأحاديث المرويَّة في زيارة
_________________
(١) (ب): «لمجرد قبور قيل يجوز».
(٢) ما بينهما سقط من الأصل و(ب)، وهو انتقال نظر.
(٣) أخرجه مسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٠١ ]
قبر النبيّ - ﷺ -، كقوله (^١): «من زارني بعد مماتي، فكأنَّما زارني في حياتي» رواه الدارقطني (^٢).
وأمَّا ما يذكره (^٣) بعضُ الناس من قوله: «من حجَّ ولم يزُرْني فقد جفاني» (^٤) فهذا لم يروه أحدٌ من العلماء، وهو مثل قوله: «من زارني وزار أبي (^٥) في عام واحد ضمنتُ له على الله الجنَّة» (^٦).
فإنَّ هذا أيضًا باطلٌ (^٧) باتفاق العلماء، لم يروه أحد، ولم يحتجّ به أحد، وإنما يحتجُّ بعضُهم بحديث الدارقطني (^٨).
وقد احتجَّ أبو محمد المقدسي (^٩) على جواز السفر لزيارة القبور
_________________
(١) الأصل: «لقوله».
(٢) (٢/ ٢٧٨) من حديث حاطب، قال شيخ الإسلام: «وهو ضعيف باتفاق أهل العلم» «الاقتضاء»: (٢/ ٢٩٦). وفي (ب، م) زيادة: «وابن ماجه» ولم أجده فيه.
(٣) (ف، ك): «ذكره».
(٤) أخرجه ابن حبان في «المجروحين»: (٣/ ٧٣) في ترجمة النعمان بن شبل، وقال فيه: «يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات». وقال الذهبي في «الميزان»: (٤/ ٢٦٥): «هذا موضوع».
(٥) (ك، ط): «أبي إبراهيم». وهي كذلك في المراجع التي ذُكر فيها الحديث.
(٦) لم أجده مسندًا، وقد سُئِل عنه النووي فقال: باطل موضوع. وكذا قال شيخ الإسلام. انظر «تذكرة الموضوعات» (ص ٧٦)، و«تنزيه الشريعة»: (٢/ ٢١٣).
(٧) ليست في (ف، ك، ط).
(٨) بعده في (ف، ك، ط): «ونحوه».
(٩) هو الإمام ابن قدامة المقدسي، انظر كتابه «المغني»: (٣/ ١١٧ ــ ١١٨).
[ ٤٠٢ ]
بأنه (^١) - ﷺ - كان يزور مسجدَ قُباء. وأجاب عن حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحال» بأنَّ ذلك محمولٌ على نفي الاستحباب.
وأما الأولون؛ فإنَّهم يحتجُّون بما في «الصحيحين» (^٢) عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
وهذا الحديث اتفق (^٣) الأئمةُ على صحَّته والعمل به، فلو نذر بشَدِّه الرَّحْلَ (^٤) أن يصلي بمسجد، أو مشهد، أو يعتكف فيه ويسافر إليه، غير هذه الثلاثة= لم يَجِب عليه ذلك باتفاق الأئمة.
ولو نذر أن يسافر ويأتي المسجد الحرام بحجٍّ (^٥) أو عُمرة= وجبَ عليه ذلك باتفاق العلماء.
ولو نَذَر أن يأتي مسجد النبيّ - ﷺ -، أو المسجد الأقصى، لصلاةٍ أو اعتكاف= وجب عليه الوفاءُ بهذا النذر، عند مالك والشافعيّ ــ في أحد قوليه ــ وأحمد، ولم يجب عليه (^٦) عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان (^٧) جنسه واجبًا بالشرع.
_________________
(١) (ف، ك، ط): «لأنه».
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) (ف، ك): «مما اتفق».
(٤) «بشده الرحل» ليست في (م).
(٥) (ف، ك، ط): «لحج».
(٦) ليست في (ب، م).
(٧) (ف، م): «ما كان من ..».
[ ٤٠٣ ]
وأما الجمهور؛ فيوجبون الوفاء بكلِّ طاعة، كما ثبت في «صحيح البخاري» (^١) عن عائشة ﵂، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «من نَذَر أن يطيع (^٢) الله فَلْيطعه، ومن نذر أن يعصيَ الله فلا يعصِه».
[ق ١٢٠] والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به. وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة؛ فلم يوجب أحدٌ من العلماء السفرَ إليه إذا نَذَره، حتى نصَّ العلماء على أنّه لا يُسافَر إلى مسجد قُباء؛ لأنه ليس من (^٣) الثلاثة، مع أنَّ مسجد قباء تُسْتَحبُّ (^٤) زيارتُه لمن كان في المدينة (^٥)؛ لأنَّ ذلك ليس بشدِّ رَحْل. كما في الحديث الصحيح: «من تطهَّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة» (^٦).
قالوا: ولأنَّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعةٌ، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسولُ الله - ﷺ -، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادةً، وفَعَلَه، فهو مخالفٌ
_________________
(١) رقم (٦٦٩٦).
(٢) الأصل و(ف، ك): «يطع».
(٣) (ف، ك، ط): «من المساجد».
(٤) من الأصل و(م).
(٥) هكذا في النسخ غير الأصل، وغيّره في الأصل: «بالمدينة» وكتب في الهامش: «أصل: في المدينة» ولم يبين سبب التغيير، فأبقينا النص كما في الأصول.
(٦) أخرجه ابن ماجه (١٤١٢)، والنسائي (٦٩٩)، وأحمد (١٥٩٨١)، والحاكم: (٣/ ١٢) من حديث سهل بن حنيف ﵁. وصححه العراقي في «تخريج الإحياء»: (١/ ٢٠٨). والألباني في «الصحيحة» (٣٤٤٦).
[ ٤٠٤ ]
للسنَّة ولإجماع الأئمة.
وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطَّة في «الإبانة الصغرى» (^١) من البدع المخالفة للسنة والإجماع.
وبهذا يظهر ضَعْف (^٢) حجة أبي محمد (^٣)؛ لأنَّ زيارة النبي - ﷺ - لمسجد قباء لم تكن بشدِّ رَحْلٍ، ولأن السفر إليه لا يجبُ بالنذر.
وقوله (^٤): «لا تُشَدُّ الرِّحال ..» محمولٌ على نفي الاستحباب؛ يجابُ عنه بوجهين (^٥):
أحدهما: أنَّ هذا ــ إن سُلِّم ــ فيه أنَّ هذا السفر ليس بعملٍ صالح، ولا قُرْبة، ولا طاعة، ولا هو من الحسنات. فإذًا من اعتقد أنَّ السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قُرْبة وعبادةٌ وطاعة، فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاده أنَّها (^٦) طاعة؛ كان ذلك محرَّمًا بإجماع المسلمين، [فصار التحريم من جهة اتخاذه قُربة] (^٧)، ومعلومٌ أنَّ أحدًا لا يسافر إليها إلاّ لذلك.
_________________
(١) (ص ٢٤٣).
(٢) (ف، ك، ط): «بطلان».
(٣) (ف، ك، ط) زيادة: «المقدسي».
(٤) (ف، ك، ط) زيادة: «بأن الحديث الذي مضمونه».
(٥) (ب، م): «عنه جوابان»، (ف): «من وجهين».
(٦) (ف، ك، ط): «أن ذلك».
(٧) من (ف، ك، ط). وفي (م): «فصار التحريم من وجهين».
[ ٤٠٥ ]
وأما إذا نَذَر الرّجُل أن يسافر إليها لغرضٍ مباح، فهذا جائز، وليس من هذا الباب.
والوجه الثاني: أنَّ هذا (^١) الحديث يقتضي النهي، والنهيُ يقضي التحريم. وما ذكره (^٢) من الأحاديث في زيارة قبر النبيِّ - ﷺ - فكلُّها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحدٌ من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتجَّ أحدٌ من الأئمة بشيءٍ منها، بل مالكٌ ــ إمام أهل المدينة النبوية وأصحابه (^٣) الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة ــ كَرِه أن يقول الرجل: زُرْتُ قبرَ النبيِّ - ﷺ - . ولو كان هذا اللفظ معروفًا (^٤) عندهم، أو مشروعًا، أو مأثورًا عن النبيِّ - ﷺ - لم يكرهه عالمُ أهل المدينة.
والإمام أحمد ــ أعلم الناس في زمانه بالسنة ــ لما سُئِلَ عن ذلك، لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أنَّ النبيّ - ﷺ - قال: «ما مِنْ رجلٍ يُسَلِّم عليَّ إلاّ ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇» (^٥).
وعلى هذا اعتمد أبوداود في «سننه» (^٦).
_________________
(١) «هذا» ليست في (ب، ف، م).
(٢) (ف، ك، ط): «ذكروه». (م): «ذكر».
(٣) من الأصل فقط.
(٤) الأصل: «مشروعًا» سهو.
(٥) أخرجه أحمد (١٠٨١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رقم (١٧٤٥). قال النووي: بإسناد صحيح. «رياض الصالحين» (ص ١٢٤). وقال العراقي: سنده جيد.
[ ٤٠٦ ]
وكذلك مالك في «الموطأ» (^١)، روى عن عبد الله بن عمر: «أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ (^٢)، ثم ينصرف».
وفي «سنن أبي داود» (^٣) عن النبيّ - ﷺ - أنَه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلُغني حيثما كنتم».
وفي «سنن سعيد بن منصور»: أنَّ عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب رأى رجلًا يختلفُ إلى قبر النبيّ - ﷺ -، فقال له: إن رسول [ق ١٢١] الله - ﷺ - قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» (^٤) فما أنتَ ورجلٌ بالأندلس منه إلاّ سواء.
وفي «الصحيحين» (^٥) عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال في مرض موته: «لعن الله اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» يُحَذِّرُ ما فعلوا (^٦). ولولا ذلك لأُبرِز قبره، ولكن كره أن يُتَّخذ مسجدًا.
وهم دفنوه في حُجرة عائشة، خلاف ما اعتادوه من الدّفْن في
_________________
(١) لم أجده فيه، وعزاه شيخ الإسلام في «الاقتضاء»: (٢/ ٢٤٣) لسعيد بن منصور. وأخرجه ابن أبي شيبة: (١١٩١٥) بسندٍ صحيح.
(٢) (ب): «يا أبه».
(٣) رقم (١٧٤٦). وأخرجه أحمد (٨٨٠٤). قال المصنف: بإسناد حسن.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور، وساق المصنف سنده في «الاقتضاء»: (١/ ٣٣٨، ٢/ ١٧٢)، وابن أبي شيبة: (٧٦٢٥) وسنده جيد.
(٥) البخاري رقم (١٣٩٠)، ومسلم رقم (٥٢٩). وفي (ك، ط): زيادة: «عن عائشة».
(٦) بعده في (ب، م): «قالت عائشة».
[ ٤٠٧ ]
الصحراء؛ لئلا يصلِّي أحدٌ عند قبره ويُتَّخذ مسجدًا، فيُتَّخَذَ (^١) قبرُه وثنًا.
وكان الصحابة والتابعون ــ لمّا كانت الحُجْرة النبويّة منفصلةً عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك ــ لا يدخُل أحدٌ إليه، لا لصلاةٍ هناك، ولا تَمَسُّحٍ (^٢) بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في المسجد.
وكان السلفُ من الصحابة والتابعين إذا سلَّموا عليه (^٣)، وأرادوا الدعاء دَعَوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر.
وأما الوقوف للسلام (^٤) عليه؛ فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا، ولا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبلُ القبر عند السلام خاصَّةً. ولم يقل أحدٌ من الأئمة: إنَّه (^٥) يستقبل القبر عند الدعاء، وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تُروى عن مالك، ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يَمسّ قبرَ النبيِّ - ﷺ - ولا يُقَبِّلُه.
وهذا كلُّه محافظةً على التوحيد، فإنَّ من أصول الشرك بالله تعالى اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا
_________________
(١) (ك): «ويتخذه »، (ف): «ويتخذه فيتخذ»، (م): «ويتخذوه». وسقطت «فيتخذ» من (ب).
(٢) (الأصل، ب): «يمسح». والمثبت هو الموافق للسياق.
(٣) (ف، ك): «على النبي - ﷺ -».
(٤) (م): «وأما وقوف المسلِّم».
(٥) «بل يستقبل .. إنه» سقطت من (ف، ك، ط).
[ ٤٠٨ ]
تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا على صُوَرِهم تماثيل، ثم طال عليهم الأمَدُ فعبدوها».
وقد ذكر هذا المعنى البخاريُّ في «صحيحه» (^١) عن ابن عباس، وذكره محمد بن جرير الطبري وغيره في «التفسير» (^٢) عن غير واحد من السَّلف، وذكره وَثِيمَة (^٣) وغيره في «قصص الأنبياء» من عدّة طرق، وقد بسطتُ الكلامَ على أصول هذه المسائل في غير هذا الموضع.
وأولُ من وضع هذه الأحاديث في السَّفرَ لزيارة المشاهد التي على القبور: أهلُ (^٤) البدع، من الرافضة ونحوهم، الذين يُعَطِّلون المساجد، ويعظّمون المشاهد (^٥) التي يُشْرَك فيها ويُكْذَب (^٦)، ويُبْتَدَع فيها دينٌ لم
_________________
(١) رقم (٤٩٢٠).
(٢) (٢٣/ ٣٠٣ ــ ٣٠٥).
(٣) هو: وَثِيمة ــ بفتح الواو ــ بن موسى بن الفرات أبو يزيد الوشاء الفارسي الفسوي، أخباري، له مصنفات في «الردة» و«قصص الأنبياء» وغيرها. (ت ٢٣٧). قال العقيلي: صاحب أغاليط، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، وفي كتبه مناكير كثيرة وموضوعات. انظر: «ميزان الاعتدال»: (٦/ ٥)، و«لسان الميزان»: (٨/ ٣٧٤)، و«وفيات الأعيان»: (٦/ ١٢ ــ ١٣).
(٤) (ب، م): «هم أهل».
(٥) (ف، ك) زيادة: «يَدَعون بيوتَ الله التي أمر أن يُذكر فيها اسمه، ويُعْبَد وحده لا شريك له، ويعظِّمون المشاهد».
(٦) بعده في (ب، م): «فيها».
[ ٤٠٩ ]
يُنْزِل الله به سلطانًا، فإنَّ الكتاب والسنة إنما فيهما (^١) ذِكْر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤].
وقد ثبت عنه - ﷺ - في «الصحيح» (^٢) أنَّه كان يقول: «إنّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتَّخِذون القبورَ مساجد. ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإني أنهاكم عن ذلك».
هذا آخر ما أجاب به شيخُ الإسلام، والله ﷾ أعلم.
***
وله من الكلام في مثل هذا كثير، كما أشار إليه في الجواب. ولمَّا ظفروا في دمشق بهذا الجواب كتبوه، وبعثوا به إلى الدّيار المصرية، وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلتُ الجوابَ عن هذا السؤال المكتوب [ق ١٢٢] على خطِّ ابن تيمية فصحّ. إلى أن قال: وإنما المحرَّرُ (^٣) جَعْلُه زيارة قبر
_________________
(١) بقية النسخ: «فيه».
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب ﵁.
(٣) كذا في الأصل، وفي (ب) وكتاب ابن كثير: «المَحَزّ»، (ف): «المخر»، (ك): «المحه» وبهامشها «لعله: المحرف» وكذلك أثبتها في (ط). وليس كذلك، والسياق يأباه. والأقرب ما في الأصل، ويكون المعنى أن المتحرر من فتوى ابن تيمية كذا وكذا. أو ما في (ب)، والمعنى: أن موضع النقد هو جعله زيارة قبور الأنبياء معصية. وعلى هذين التفسيرين يصح استنكار ابن عبد الهادي على هذا القاضي، وأنه حرَّف كلام ابن تيمية.
[ ٤١٠ ]
النبيّ - ﷺ - وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصيةً بالإجماع مقطوعًا بها.
هذا كلامه! فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام! والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وإنما فيه ذِكْر (^١) قولَين في شدِّ الرّحل والسفر إلى مجرَّد زيارة القبور. وزيارةُ القبور من غير شدِّ رَحْلٍ إليها مسألةٌ، وشدُّ الرّحْلِ لمجرَّد الزيارة مسألةٌ أخرى.
والشيخُ لا يمنع الزيارة الخالية عن شدِّ رَحْل، بل يستحبّها، ويندُب إليها. وكُتُبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرَّض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا، ولا قال: إنَّها معصية، ولا حكى الإجماعَ على المنع منها. والله ﷾ لا تخفى عليه خافية.
ولمَّا وصل خطُّ القاضي المذكور إلى الديار المصرية، كَثُرَ الكلامُ وعَظُمت الفتنة، وطُلِبَ القضاة بها (^٢)، فاجتمعوا وتكلّموا، وأشار بعضُهم بحبس الشيخ، فرسم السلطان به، وجرى ما تقدَّم ذكره (^٣).
ثم جرى بعد ذلك أمورٌ على القائمين في هذه القضية لا يمكن ذِكْرها في هذا الموضع (^٤).
_________________
(١) (ب): «فيه ذكر».
(٢) بعده في (ف): «واجتمع بها».
(٣) (ص ٣٩٦ وما بعدها).
(٤) ليته ذكرها مفصلًا، وسبقت إشارته إجمالًا إلى بعض ما وقع لهم (ص ٣٩٧ ــ ٣٩٨).
[ ٤١١ ]