الساعة (^١) في الصلوات الخمس والتهجُّد= أن ينفتح لكم معرفة حقيقة (^٢) هذا الرجل ونبئه إن شاء الله تعالى.
وإنّما ذكرتُ حفظ الساعة ــ وإن كان في الصلوات الخمس كفاية إذا قام العبد فيها بحقّ الله تعالى ــ وذلك لأنَّ الصلاة قد تهجُم على العبد وقلبُه مأخوذٌ في جواذب الظاهر، فلا يعرف نصيبَ قلبهِ من ربِّه، فإذا عرف فيها كان (^٣) للعبد ساعةٌ بين الليل والنهار عرفَ فيها نصيب قلبِه من ربِّه، فإذا جاءت الصلوات، عرف فيها حالَه وزيادَته ونقصانه باعتبار حالته مع ربّه في تلك الساعة. وبالله المستعان.
فصل
وإذا عرفتم قدر دين الله تعالى الذي أنزله على رسوله - ﷺ -، وعرفتم قدر حقائق الدين الذي يعبَّر عنه بالنفوذ إلى الله تعالى، والحظوة بقربه، ثم عرفتم اجتماع الأمرين في شخصٍ معيَّن، ثم عرفتم انحراف الأمة عن الصِّراط المستقيم، وقيام الرجل المُعيَّن الجامع للظاهر والباطن في وجوه المنحرفين، يَنْصر اللهَ تعالى ودينَه، ويقوِّم معوجَّهم، ويلُمُّ شَعَثهم، ويُصلح فاسدهم. ثم سمعتم بعد ذلك طَعْنَ طاعنٍ عليه من أصحابه أو من غيرهم، فإنه لا يخفى عليكم (^٤) مُحِقٌّ هو أو مُبْطِل إن شاء الله.
_________________
(١) «مع الله .. الساعة» سقطت من (ف، ك، ط). و«حكم» ليست في (ب).
(٢) (ف): «أن يفتح ». (ب): «حقيقية».
(٣) العبارة في (ف، ك): «من ربه فيها، فإذا كان». و«عرف» ليست في (ب).
(٤) بقية النسخ: «عنكم».
[ ٣٧٨ ]
وبرهانُ ذلك: أنَّ المحقّ طالب (^١) الهدى والحقّ يعرض (^٢) عند من أنكر عليه ذلك الفعل الذي أنكره، إمّا بصيغة السؤال أو الاستفهام بالتلطُّف عن ذلك النقص الذي رآه فيه، أو بلغه عنه. فإن وجد هناك اجتهادًا أو رأيًا أو حُجَّةً، قنع بذلك وأمسك، ولم يُفشِ ذلك إلى غيره، إلا مع إقامة ما بيَّنه من الاجتهاد أو الرأي أو الحجَّة، ليَسُدَّ الخلل بذلك.
فمثل هذا يكون طالبَ هدًى، مُحبًّا ناصحًا (^٣)، يطلبُ الحقَّ، ويرومُ تقويم أستاذه عن انحرافه، بتعريفه وتعريضه (^٤)، كما يرومُ أستاذُه تقويمَه. كما قال بعضُ الخلفاء الراشدين ــ ولا يحضرني اسمه ــ: إذا اعوججْتُ فقوِّموني (^٥).
فهذا حقٌّ واجب بين الأستاذ والطالب، فإنَّ الأستاذ يطلبُ إقامة الحجّة (^٦) على نفسه ليقوّم به، ويتَّهم نفسَه أحيانًا، ويتعرَّف أحوالَه من غيره، مما عنده من النَّصَفَة وطلب الحقّ، والحذر من الباطل، كما يطلب المريد ذلك من شيخه من التقويم، وإصلاح الفاسد من الأعمال والأقوال.
_________________
(١) الأصل: «يطلب».
(٢) (ف، ك، ط): «بغرض».
(٣) الأصل بالرفع.
(٤) (ف): «تغريضه»، (ك): «وتفويضه».
(٥) هو أبو بكر الصديق ﵁ في خطبته المشهورة حين توليه الخلافة. أخرجه البزار في «مسنده» (١٠٠)، والطبراني في «الأوسط» (٨٥٩٧)، وغيرهم من طرق عنه.
(٦) (ف، ك، ط): «الحقّ».
[ ٣٧٩ ]
ومن براهين المحقّ (^١): أن يكون عدلًا في مَدْحه، عدلًا في ذمِّه، لا يحمله الهوى ــ عند وجود المراد ــ على الإفراط في المدح، ولا يحمله الهوى ــ عند تعذّر المقصود ــ على نسيان التفاضيل (^٢) والمناقب، وتعديد المساوئ والمثالب.
فالمحقُّ في حالتي غضبه ورضاه، ثابتٌ على مدح من مدحه وأثنى عليه، ثابتٌ على ذمّ من ثلبه وحطَّ عليه.
وأمَّا من عمل كراسةً في عدِّ مثالب (^٣) هذا الرجل القائم بهذه الصفات [ق ١١٣] الكاملة بين أصناف هذا العالم المنحرف، في هذا الزمان المظلم، ثم ذكر مع ذلك شيئًا من فضائله، ويُعلم أنه ليس المقصود ذكر الفضائل، بل المقصود تلك المثالب، ثم أخذ الكرّاسة يقرؤها على أصحابه واحدًا واحدًا في خَلْوة، يوقفُ بذلك همَّهم (^٤) عن شيخهم، ويُريهم قدحًا فيه (^٥) = فإني استخير الله وأجتهد رأيي في مثل هذا الرجل، وأقول انتصارًا لمن ينصر دينَ الله، بين أعداء الله في رأس السبعمائة، فإنَّ نُصرة مثل هذا
_________________
(١) (ب): «الحقّ».
(٢) بقية النسخ: «الفضائل».
(٣) (ف): «مثالب مثل».
(٤) (ب): «هممهم».
(٥) عقد الأستاذ أبو الفضل القونوي في كتابه الفذ «أضواء على الرسالة المنسوبة إلى الحافظ الذهبي: النصيحة الذهبيّة لابن تيمية» (ص ١٣٩ - ١٤٨ - ط ٢ تحت الإعداد) فصلًا عن كاتب هذه الرسالة، خلص فيه إلى أن كاتبها هو قاضي اللاذقية علي بن عبد الرحمن ابن السرّاج والد محمد بن السرّاج خصم ابن تيمية ورفيقه في الطلب.
[ ٣٨٠ ]
الرجل واجبة على كلِّ مؤمن، كما قال ورقة بن نوفل: «لئن أدركني يومُك لأنصُرنَّك نصرًا مُؤزّرًا» (^١). ثمّ أسأل الله العصمةَ فيما أقول عن تعدِّي الحدود والإخلاد إلى الهوى (^٢).
أقول: مثل هذا ــ ولا أُعيِّن الشخص المذكور بعينه ــ لا يخلو من أمور:
أحدها: أن يكون ذا سنٍّ تغيَّر رأيه لسِنِّه، لا بمعنى أنه اضطرب، بل بمعنى أنَّ السنَّ إذا كبر يجتهد صاحبه للحقِّ، ثم يضعه في غير مواضعه. مثلًا يجتهد أنَّ إنكار المنكر واجب، وهذا منكرٌ، وصاحبه قد راج على الناس. فيجبُ عليَّ تعريف الناس ما راج عليهم. ويغيبُ عنه (^٣) المفاسدُ في ذلك.
فمنها: تخذيلُ الطلبة، وهم مضطرّون (^٤) إلى محبَّة شيخهم، ليأخذوا عنه، فمتى تغيَّرت قلوبهم عليه، ورأوا فيه نقصًا، حُرِمُوا فوائده الظاهرة والباطنة، وخيف عليهم المَقْت (^٥) من الله أوَّلًا ثم من الشيخ ثانيًا.
المفسدة الثانية: إذا شعر أهلُ البدع الذين نحن وشيخنا قائمون الليلَ والنهارَ بالجهاد أو التوجُّه في وجوههم لنصرة الحقِّ= أنَّ في أصحابنا من
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂ في حديث بدء الوحي الطويل.
(٢) الأصل: «الهدى» خطأ.
(٣) (ف، ك، ط): «وتغيب عنهم».
(٤) (ف): «مضطربون» خطأ.
(٥) رسمها في الأصل: «الموت».
[ ٣٨١ ]