يثْلب (^١) رئيسَ القوم بمثل هذا، فإنَّهم يتطرَّقون بذلك إلى الاشتفاء بأهل الحقِّ ويجعلونه حجَّةً لهم.
المفسدة الثالثة: تعديد المثالب في مقابلة ما يستغرقها ويزيدُ عليها بأضعافٍ كثيرة من المناقب، فإنَّ ذلك ظلمٌ وجهل (^٢).
والأمر الثاني ــ من الأمور الموجبة لذلك ــ: تغيُّر حاله وقلبه، وفساد سلوكه بحسدٍ كان كامنًا (^٣) فيه، وكان يكتمه بُرهةً من الزّمان، فظهر ذلك الكمين في قالبٍ، صورتُه حقٌّ ومعناه باطل.
فصل
وفي الجملة ــ أيَّدكم الله ــ إذا رأيتم طاعنًا (^٤) على صاحبكم، فافتقدوه في عقله أوَّلًا، ثم في فهمه، ثم في صِدْقه، ثم في سنِّه. فإذا وجدتم الاضطراب في عقله، دلَّكم على جهله بصاحبكم، وبما (^٥) يقول فيه وعنه. ومثله قلَّة الفهم. ومثله عَدَم الصدق أو قصوره؛ لأنَّ نقصان الفهم يؤدِّي إلى نقصان الصدق بحسب ما غاب عقله عنه (^٦). ومثلُه العلوّ في السنِّ،
_________________
(١) (ف): «سلب»، (ك): «ثلب».
(٢) (ف): «أو جهل».
(٣) (ب): «بحسد كامن».
(٤) الأصل: «طاغيًا»!
(٥) (ب، ف): «دلكم ذلك على »، (ف، ك): «وما يقول ».
(٦) (ف): «عنه عقله»، و(ب) سقطت «عنه».
[ ٣٨٢ ]
فإنَّه يشيخ فيه الرأي والعقل، كما يشيخُ فيه القُوى الظاهرة الحِسِّيَّة. فاتَّهِموا مثل هذا الشخص واحذروه، وأعْرِضوا عنه إعراضَ (^١) مداراةٍ بلا جدل ولا خصومة.
وصفة الامتحان بصحة (^٢) إدراك الشخص وعقله وفهمه: أن تسألوه عن مسألة سلوكية أو علمية [ق ١١٤] فإذا أجاب عنها، فأَورِدوا (^٣) على الجواب إشكالًا متوجِّهًا بتوجيهٍ صحيح، فإن رأيتم الرجل يروحُ (^٤) يمينًا وشمالًا، ويخرج عن ذلك المعنى إلى معانٍ خارجة، وحكايات ليست في المعنى حتى يُنْسِي ربَّ المسألةِ سؤالَه، حيث توَّهَه (^٥) عنه بكلام لا فائدة فيه. فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه ولا على مدحه، فإنَّه ناقص الفطرة، كثير الخيال، لا يثبت على تحرير (^٦) المدارك العلمية، ولا تنكروا مثل إنكار هذا، فإنَّه اشتهر قيام ذي الخُوَيصِرَةِ التميمي إلى رسول الله - ﷺ - وقوله له: «اعْدِل فإنَّك لم تعدل، إنَّ هذه قسمةٌ لم يُرَد بها وَجْهُ الله تعالى» (^٧) ونحو ذلك.
_________________
(١) ليست في (ب).
(٢) بقية النسخ: «لصحة».
(٣) بقية النسخ: «أوردوا».
(٤) (ف): «يروج».
(٥) الأصل و(ب): «توهمه» خطأ.
(٦) (ك): «تحرِّي».
(٧) أخرجه البخاري (٣٦١٠) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٣٨٣ ]
فوقوع ذلك (^١) وأمثاله من بعض معجزات الرسول - ﷺ -، فإنَّه قال: «لتركَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّة» (^٢). وإن كان ذلك في اليهود والنصارى، لكن لَّما كانوا منحرفين عن نهج الصواب، فكذلك يكونُ في هذه الأمة من يحذو حذو كلِّ منحرفٍ وُجِد في العالم، متقدِّمًا كان أو متأخّرًا، حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتَّى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلوه.
يا سبحان الله العظيم! أين عقولُ هؤلاء؟ أَعَمِيَت أبصارهم وبصائرهم؟ أفلا يرون ما الناس فيه من العَمَى والحيرة في الزمان المظلم المُدْلَهمِّ، الذي قد ملكت فيه الكفَّارُ مُعظم الدنيا؟ وقد بقيت هذه الخطة (^٣) الضيّقة يشمّ فيها المؤمنون رائحةَ الإسلام؟ وفي هذه الخطة الضيِّقة من الظلمات من علماء السوء، والدُّعاة إلى الباطل وإقامته، ودَحْض الحقِّ وأهله، ما لا يُحْصَر في كتاب.
ثمَّ إنّ الله تعالى قد رَحِمَ هذه الأمة بإقامة رجلٍ قويِّ الهِمَّة، ضعيف التركيب، قد فرَّق نفسَه وهمَّه في مصالح العالم، وإصلاح فسادهم، والقيام بمهمَّاتهم وحوائجهم، ضِمْن ما هو قائم بصدَدِ البدع والضلالات، وتحصيل موادِّ (^٤) العلم النبويّ الذي يُصلح به فسادَ العالم، ويردّهم إلى الدين الأول العتيق جُهدَ إمكانه؟ وإلاّ فأين حقيقة الدين العتيق؟
_________________
(١) بقية النسخ: «هذا».
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) (ب): «اللحظة» وكذا ما بعدها.
(٤) (ب): «مراد».
[ ٣٨٤ ]
فهو مع هذا كلّه قائمٌ بجملة ذلك وحده، وهو منفردٌ بين أهل زمانه، قليلٌ ناصرُه، كثيرٌ خاذلُه وحاسدُه والشامت فيه!
فمثل هذا الرجل في هذا الزمان، وقيامه بهذا الأمر العظيم الخطير فيه= أيُقال له: لِمَ تردُّ على الأحمدية؟ لِمَ لا تعدل في القِسْمَة؟ لِمَ تدخل على الأمراء؟ لم تقرِّب (^١) زيدًا وعَمرًا؟
أفلا يستحيي العبدُ من الله يذكر مثل هذه الجُزْئيَّات في مقابلة مثل (^٢) هذا العبء الثقيل؟ ولو حُوقِق الرَّجلُ على هذه الجُزْئيَّات وُجدَ عنده نصوصٌ صحيحة، ومقاصدُ صحيحة (^٣)، ونيَّات صحيحةٌ، تغيبُ عن الضعفاء العقول، [بل عن الكُمَّل منهم] (^٤) حتى يسمعوها.
أمَّا ردُّه على الطائفة الفلانية (^٥) ــ أيها المُفْرِّط التائه، الذي لا يدري ما يقول ــ أفيقوم دين محمد بن عبد الله الذي أُنزل من السماء إلا بالطعن على هؤلاء؟ وكيف يظهر الحقّ إن لم يُخْذَل الباطل؟ لا يقول مثلَ هذا إلاّ تائه، أو مُسنٌّ، أو حاسدٌ؟
وكذا القسمة [ق ١١٥] للرجل، في ذلك اجتهاد صحيح، ونظرٌ إلى مصالح تترتَّب (^٦) على إعطاء قوم دون قوم، كما خصَّ الرسول - ﷺ - الطُّلقاء
_________________
(١) (ف): «يقرب».
(٢) من الأصل فقط.
(٣) «ومقاصد صحيحة» سقطت من (ف).
(٤) ما بين المعكوفين من باقي النسخ.
(٥) يعني الصوفية الرفاعية.
(٦) (ب): «ترتب».
[ ٣٨٥ ]
بمائة من الإبل، وحَرَم الأنصار، حتى قال منهم أحداثُهم شيئًا في ذلك، لا ذوو الأحلام، وفيها (^١) قام ذو الخُوَيصرة فقال ما قال.
وأما دُخُوله على الأُمراء؛ فلو لم يكن، كيف كان شمَّ الأمراءُ رائحةَ الدين العتيق الخالص؟ ولو فتَّش المفتِّشُ لوجد هذه الكيفية التي عندهم من رائحة الدين، ومعرفة المنافقين، إنَّما اقتبسوها من صاحبكم.
وأمَّا تقريب زيد وعَمْرو؛ فلمصلحة باطنة، لو فُتِّش عنها مع الإنصاف، وُجِد هناك ما يُرِي أنَّ ذلك عين (^٢) المصلحة.
ونفرضُ أنك مصيبٌ في ذلك، إذ لا نعتقد العصمةَ إلا في الأنبياء، والخطأ جارٍ على غيرهم، أيُذكَر مثل هذا الخطأ في مقابلة ما تقدَّم من الأمور العظام الجِسام؟ !
لا يَذْكُرُ مثلَ هذا في كُرّاسة ويعدِّدها، ثم يدور بها على واحدٍ واحد (^٣)، كأنه يقول شيئًا، إلا رجلٌ نسألُ الله (^٤) العافيةَ في عقله، وخاتمة الخير على عمله، وأن يردَّه عن انحرافه إلى نَهْج الصواب، بحيث لا يبقى مَعْثرةً يعيبُه بعمَلِه (^٥) وتصنيفِه أولو العقول والأحلام!
ونستغفر الله العظيم من الخطأ والزلل في القول والعمل، والحمدُ لله
_________________
(١) (ف، ك، ط): «ذوو أحلامهم»، (ف): «وفيهم».
(٢) (ك، ط): «عن».
(٣) ليست في (ب).
(٤) (ك): «يسأل »، (ب، ف): «الله له ..».
(٥) (ك، ط): «لا يبقى معشره بعيه» تحريف، (ف، ك): «يعلمه».
[ ٣٨٦ ]
وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ (^١) وسلَّم.
هذا آخر الرّسالة التي سمَّاها مؤلِّفها: «التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار». وقال: فرحم الله من قام بحَلّ (^٢) الإصرار، وتصحيح التوبة النصوح بالاستغفار إلى عالِم الأسرار. نفع الله بها (^٣) من وقف عليها، وأصغى إلى ما ينتج (^٤) منها ولديها. آمين.
_________________
(١) مكانها في (ف، ك، ط): «وآله وصحبه».
(٢) الأصل و(ك): «بحمل» والتصحيح من (ب، ق، ح). ولعل فيه إشارة إلى ما قيل: «إن الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين».
(٣) ليست في (ك، ط).
(٤) (ف، ك، ط): «يفتح».
[ ٣٨٧ ]