فصل
واعلموا ــ أيَّدكم الله ــ أنه يجب عليكم أن تشكروا ربَّكم تعالى في هذا العصر، حيثُ جعلكم بين جميع أهل هذا (^١) العصر كالشَّامة البيضاء في الحيوان الأسود. لكن من لم يسافر إلى الأقطار، ولم يتعرَّف أحوالَ الناس، لا يدري قَدْر ما هو فيه من العافية. فأنتم إن شاء الله تعالى كما قال الله تعالى في حقِّ هذه الأمة الأُولى (^٢): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ الآية [الحج: ٤١].
أصبحتم إخواني تحت سَنْجق (^٣) رسول الله - ﷺ - ــ إن شاء الله تعالى ــ مع شيخكم وإمامكم، شيخنا وإمامنا المبدوء بذكره ــ ﵁ ــ قد تميَّزتُم عن جميع أهل الأرض؛ من (^٤) فقهائها وفقرائها، وصوفيتها (^٥) وعوامها= بالدين الصحيح.
وقد عرفتم ما أحدَثَ الناسُ من الأحداث، في الفقهاء والفقراء، والصوفية والعوام. فأنتم اليوم في مقابلة الجهمية من الفقهاء، نصرتم اللهَ
_________________
(١) ليست في (ب).
(٢) «كما قال تعالى» تأخرت في (ف، ك) إلى هذا الموضع. و«الأولى» ليست في (ب).
(٣) السنجق: اللواء أو الراية. وقد سبق.
(٤) ليست في (ف، ك).
(٥) (ف): «وصفويتها» خطأ.
[ ٣٦٦ ]
ورسولَه في حفظ ما أضاعوه من دين الله، تصلحون ما أفسدوه من تعطيل صفات الله.
وأنتم أيضًا في مقابلة من لم ينفُذ في علمه من الفقهاء إلى رسول الله - ﷺ -، وجَمَد (^١) على مجرَّد تقليد الأئمة، فإنَّكم قد نصرتم الله ورسوله في تنفيذ العلم إلى أصوله من الكتاب والسنة، واتخاذ أقوال الأئمة تأنُّسًا (^٢) بهم لا تقليدًا لهم.
وأنتم أيضًا في مقابلة ما أحدثته أنواعُ الفقراء؛ من الأحمدية والحريرية، من إظهار شعار المُكاء والتَّصْدِية، ومؤاخاة النساء والصبيان، والإعراض عن دين الله، إلى خُرافات مكذوبة عن مشايخهم، واستنادهم (^٣) على شيوخهم، وتقليدهم في صائب (^٤) حركاتهم وخطائها، وإعراضهم عن دين الله الذي أنزله من السماء.
فأنتم بحمد الله تجاهدون هذا الصنف أيضًا كما تجاهدون من سبق. حفظتم من دين الله ما أضاعوه، وعرفتم ما جهلوه، تُقَوِّمون من الدين ما عوَّجوه، وتُصْلِحون منه ما أفسدوه.
وأنتم أيضًا في مقابلة [ق ١٠٨] رسميَّة الصوفية والفقهاء، وما أحدثوه من
_________________
(١) (ف): «وجهد».
(٢) (ف): «تأسّيًا».
(٣) (ب): «إلى زخرفات مكذوبة على مشايخهم وإسنادهم».
(٤) الأصل: «مصائب»، ثم عدّلت إلى «صائب».
[ ٣٦٧ ]
الرسوم الوضعية (^١)، والآصار الابتداعية، من التصنُّع باللباس، والأطواق (^٢)، والسجادة؛ لنيل الرزق من المعلوم، ولُبس البَقْيار (^٣)، والأكمام الواسعة في حضرة الدرس (^٤)، وتنميق الكلام، والعَدْو بين يدي المدرِّس (^٥) راكعين، حفظًا للمناصب، واستجلابًا للرزق والإدْرار.
فخَلَط هؤلاء في عبادة الله غيرَه، وتألَّهوا سواه، ففسدت قلوبُهم من حيث لا يشعرون؛ يجتمعون لغير الله بل للمعلوم، ويلبسون للمعلوم، وكذلك في أغلب حركاتهم يراعون ولاةَ المعلوم، فضيَّعوا كثيرًا من دين الله وأماتوه، وحفظتم أنتم ما ضيَّعوه، وقوَّمتم ما عوَّجوه.
وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته (^٦) الزنادقةُ؛ من الفقراء والصوفية، من قولهم بالحلول والاتحاد، وتألُّه المخلوقات، كاليونسية، والعربية، والصدرية، والسبعينية، والسَّعدية (^٧)، والتِّلِمْسانية. فكلُّ هؤلاء بدَّلوا دين الله
_________________
(١) الأصل: «الوصفية»، والمثبت من بقية النسخ.
(٢) (الأصل، ف، ك، ط): «والأطراق». والتصويب من (ب). والأطواق جمع طوق، وهو ما يُلبس حول العنق، وقد اتخذ جماعات من الصوفية لبس الأطواق من المسابح الطوال وغيرها شعارًا.
(٣) لفظة فارسية، وهي ضرب من العمائم يعتمرها الوزراء والكُتّاب والقضاة. انظر «معجم دوزي»: (١/ ٤٠٧). أقول: وليست خاصة بهم فقد ورد في ترجمة ابن حمّوية المتصوّف قول الذهبي: «ثم تصوّف ولبس البقيار ». «تاريخ الإسلام»: (٥٠/ ١٥٢).
(٤) (ب): «خضر الدروس».
(٥) (ف): «المدارس».
(٦) (ب): «أحدثوه».
(٧) ليست في (ف، ك، ط).
[ ٣٦٨ ]
وقلبوه، وأعرضوا عن شريعةِ رسول الله - ﷺ - .
فاليونسية: يتألَّهون شيخَهم، ويجعلونه مَظْهَرًا للحقّ، ويستهينون (^١) بالعبادات، ويظهرون بالفَرْعَنة والصَّولة، والسفاهة والمحالات، لما وَقَر في بواطنهم من الخيالات الفاسدة. وقِبلتهم الشيخ يونس (^٢). ورسولُ الله - ﷺ - والقرآنُ المجيد عنهم بمعزل، يؤمنون به بألسنتهم، ويكفرون به بأفعالهم.
وكذلك الاتحاديّة، يجعلون الوجود مَظْهَرًا للحقِّ، باعتبار أن [لا] (^٣) متحرِّك في الكون سواه، و[أن لا] ناطق في الأشخاص غيرُه (^٤). وفيهم من لا يفرق بين الظاهر والمظهر، فيجعل الأمر كموج البحر، فلا يفرّق بين عين الموجَة وبين عين البحر، حتَّى إن أحدهم يتوهَّم أنه الله، فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي؛ لأنَّه يعتقد ارتفاع المثنوية (^٥)، فمن العابدُ ومن المعبود؟ صار الكلُّ واحدًا! !
اجتمعنا بهذا الصنف في الرُّبُط والزوايا.
فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء أيضًا تنصرون الله ورسوله، وتذبُّون عن دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا، وعلى تقويم ما عوّجوا. فإنَّ هؤلاء محوا رَسْم الدِّين، وقلعوا أثره، فلا يقال: أفسدوا ولا
_________________
(١) (ب): «ويشتهرون».
(٢) تقدمت ترجمته (ص ٦٥).
(٣) الزيادة من (ف، ك).
(٤) ما بين المعكوفين من (ف)، وفي (ك): «ولا ناطق»، وسقطت من الأصل وب. وفي الأصل وب: «غيرهم».
(٥) (ب): «الثنوية».
[ ٣٦٩ ]
عوَّجوا، بل بالغوا في هَدْم الدين ومَحْوِ أثره! ولا قُربة أفضل (^١) عند الله تعالى من القيام بجهاد هؤلاء بمهما أمكن، وتبيين مذاهبهم للخاصِّ والعام. وكذلك جهادُ كلِّ من ألْحَد (^٢) في دين الله وزاغ عن حدوده وشريعته، كائنًا في ذلك ما كان من فتنةٍ وقول، كما قيل:
إذا رضيَ الحبيبُ فلا أُبالي أقام الحيُّ أم جدَّ الرَّحِيْلُ (^٣)
وبالله المستعان.
وكذلك أنتم ــ بحمد الله ــ قائمون بجهاد الأمراء والأجناد، تصلحون ما أفسدوا من المظالم والإجحافات، وسوء السيرة الناشئة عن الجهل بدين الله، بما أمكن. وذلك لبعد [ق ١٠٩] العهد عن دين (^٤) رسول الله - ﷺ -؛ لأنَّ له اليوم سبعمائة سنة، فأنتم بحمد الله تجدِّدون ما دَثَر من ذلك، بل يُجَدِّد الله بكم وبشيخكم إن شاء الله ما عفا من ذلك ودَثَر (^٥).
وكذلك أنتم ــ بحمد الله ــ قائمون في وجوه العامة، مما أحدثوا من تعظيم الميلادة (^٦)، والقَلَنْدس، وخميس البيض (^٧)، والشّعانين، وتقبيل
_________________
(١) سقطت من (ب).
(٢) (ب): «اتخذ».
(٣) لم أجده.
(٤) ليست في (ك، ط).
(٥) «بل يجدد من ذلك» سقطت من (ف، ك، ط).
(٦) كذا في النسخ، وفي مواضع من «الفتاوى»: (٢٥/ ٣١٩، ٣٢٩)، و«الاقتضاء»: (١/ ٥٥٢، ٢/ ٥، ١١) وغيرها: «الميلاد».
(٧) في «الفتاوى»: «خميس العدس»، وهذا الخميس من أعياد النصارى وله عدة إطلاقات، فيسمى «الخميس الكبير»، وربما أضيف إلى البيض أو العدس لأنهم كانوا يصبغون البيض ويطبخون باللبن. انظر «مجموع الفتاوى»: (٢٥/ ٣١٩، ٣٢١)، و«الاقتضاء»: (١/ ٥٣٣، ٥٣٦، ٥٣٩، ٢/ ١٢) وغيرها.
[ ٣٧٠ ]
القبور والأحجار، والتوسُّل عندها. ومعلومٌ أن ذلك كلَّه من شعائر النصارى والجاهلية. وإنما بُعث رسول الله - ﷺ - ليُوَحَّد الله ويُعبد وحده (^١)، ولا يُتألَّه معه شيء من مخلوقاته. بعثه الله تعالى ناسخًا لجميع الشرائع والأديان والأعياد، فأنتم بحمد الله قائمون بإصلاح ما أفسد الناسُ من ذلك.
وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدع من مارقي الفقهاء، أهل الكيد والضِّرار لأولياء الله، أهل المقاصد الفاسدة، والقلوب التي هي عن نَصْر الحقِّ حائدة (^٢).
وإنما أَعْرَض هذا الضعيفُ عن ذكر قيامكم في وجوه التتر والنصارى واليهود، والرافضة والمعتزلة والقدرية، وأصناف أهل البدع والضلالات؛ لأنَّ النَّاس متفقون على ذمِّهم، يزعمون أنَّهم قائمون بردِّ بدعتهم، ولا يقومون بتوفية حقِّ الرَّدِّ عليهم كما تقومون، بل يعلمون ويَجْبُنون عند (^٣) اللقاء فلا يجاهدون، وتأخذهم في الله اللائمة لحفظ مناصبهم، وإبقاءً على أعراضهم.
سافرنا البلاد فلم نرَ من يقوم بدين الله في وجوه مثل هؤلاء ــ حقَّ القيام ــ سواكم، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء ــ إن شاء الله ــ بقيامكم
_________________
(١) بعده في (ب): «لا يعبد».
(٢) (ب): «جامدة».
(٣) (ف، ك): «عن».
[ ٣٧١ ]
بنُصرة شيخكم وشيخنا ــ أيده الله ــ حقَّ القيام، بخلاف (^١) من ادَّعى من الناس أنهم يقومون بذلك.
فصبرًا يا إخواني على ما أقامكم الله فيه، من نُصرة دينه وتقويم اعوجاجه، وخذلان أعدائه. واستعينوا بالله، ولا تأخذكم في الله (^٢) لومة لائم، وإنَّما هي أيام قلائل، والدين منصور، قد تولَّى الله إقامته (^٣)، ونُصْرة من قام به من أوليائه، إن شاء الله، ظاهرًا وباطنًا.
وابذلوا فيما أقمتم فيه ما أمكنكم من الأنفس والأقوال والأفعال والأموال، عسى أن تلحقوا بذلك بسلفكم أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلقد عرفتم ما لقوا في ذات الله، كما قال خُبَيْب حين صُلِبَ على الجذع (^٤):
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يُبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع
وقد عرفتم ما لقي رسول (^٥) الله - ﷺ - من الضرِّ والفاقة في شعب بني هاشم، وما لقي السابقون الأولون من التعذيب والهجرة إلى الحبشة، وما لقي المهاجرون والأنصار في أُحد، وفي بئر معونة، وفي قتال أهل الرِّدَّة، وفي جهاد الشام والعراق، وغير ذلك.
وانظروا كيف بذلوا نفوسهم وأموالهم لله، حُبًّا له، وشوقًا إليه. فكذلك
_________________
(١) سقط «أيده الله» «بخلاف» من (ب).
(٢) بقية النسخ: «فيه» بدل «في الله».
(٣) (ك) زيادة: «ونَصْره».
(٤) أخرج القصة بطولها البخاري (٣٠٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) (ب): «أصحاب رسول ».
[ ٣٧٢ ]