لكم أعلام دينكم، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبيَّن لكم بهذا النور المحمَّدي ضلالات العبَّاد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح من السقيم. وأرجوا أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة، الذين لا يضرُّهم من خَذَلهم ولا من خالفهم، وهم بالشام إن شاء الله تعالى.
فصل
ثم إذا علمتم ذلك؛ فاعرفوا حقَّ هذا الرجل ــ الذي هو بين أظهركم ــ وقدْرَه، ولا يعرفُ حقَّه وقدره إلَّا من عرف دين الرسول - ﷺ - وحقَّه وقَدْره. فمن وقع دينُ الرسول - ﷺ - من قلبه بموقعٍ يستحقُّه، عرف ما قام هذا الرجل به (^١) بين أظهر عباد الله؛ يُقوِّم معوَجَّهم، ويُصلح فسادهم، ويلُمّ شَعَثَهم جَهْد إمكانه، في الزمان المظلم، الذي انحرف فيه الدين، وجُهِلَت السنن، وعُهِدَت البدع، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والقابضُ على دينه كالقابض على الجمر، فإنَّ أجر من قام بهذا (^٢) النور في هذه الظلمات لا يُوْصَف وخطره لا يُعرَف.
هذا إذا عرفتموه أنتم من حيثيَّة الأمر الشرعي الظاهر، فهنا قومٌ عرفوه من حيثيّةٍ أُخرى من الأمر الباطن، ومن نُفُوذه (^٣) إلى معرفة أسماء الله
_________________
(١) (ب، ف، ك): «عرف حق ما قام».
(٢) «أجر» غيَّرها في الأصل إلى «آخر» وهي كذلك في (ب). وفي (ك): «قام بإظهار هذا».
(٣) (ك، ط): «يقوده».
[ ٣٧٤ ]
تعالى وصفاته، وعظمةِ ذاته، واتصال قلبه بأشعة أنوارها، والاحتظاء (^١) من خصائصها وأعلى أذواقها، ونفوذه من الظاهر إلى الباطن، ومن الشهادة إلى الغيب، ومن الغيب إلى الشهادة، ومن عالم الخلق إلى عالم الأمر، وغير ذلك ممَّا لا يمكن شرحُه في كتاب.
فشيخكم ــ أيدكم الله ــ عارفٌ (^٢) بأحكام الله الشرعية، عارفٌ بأحكامه القدرية، عارفٌ بأحكام أسمائه [ق ١١١] وصفاته الذاتية. ومثلُ هذا العارف قد يبصر ببصيرته تنزُّلَ الأمر بين طبقات السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ (^٣) [الطلاق: ١٢].
فالناسُ يحِسُّون بما يجري في عالم الشهادة، وهؤلاء بصائرهم شاخصةٌ إلى الغيب، ينتظرون ما تجري به الأقدار، يشعرون بها أحيانًا عند تنزُّلها.
فلا تُهوِّنوا أمرَ مثل هؤلاء في انبساطهم مع الخلق، واشتغال أوقاتهم بهم، فإنهم كما حُكي عن الجُنيد ــ ﵀ ــ أنه قيل له: «كم تنادي على الله تعالى بين الخلق؟ فقال: أنا أنادي على الخلق بين يدي الله».
فاللهَ اللهَ في حفظ الأدب معه، والانفعال لأوامره، وحفظ حُرُماته في الغيب والشهادة، وحُبِّ من أحبَّه، ومجانبة من أبغضه أو عابَه وانتقصه (^٤)، وردِّ غيبتِه، والانتصار له في الحقِّ.
_________________
(١) (ف): «والاختصاص».
(٢) (ف، ك): «عارف بذلك عارف ».
(٣) الآية في (ف، ك) إلى قوله: «شيء قدير».
(٤) (ف): «من بغضه وانتقصه»، (ك): «أبغضه وتنقّصه». وسقط عنهما «أو عابه».
[ ٣٧٥ ]
واعلموا ــ رحمكم الله ــ أنَّ هنا من سافر إلى الأقاليم، وعرف الناس أذواقهم وأشرف على غالب أحوالهم، فوالله ثم والله ثم والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخِكم؛ علمًا (^١)، وحالًا وخُلُقًا، واتباعًا وكرمًا، وحلمًا في حقِّ نفسه، وقيامًا في حقِّ الله عند انتهاك حُرُماته. أصدق الناس عقدًا، وأصحُّهم علمًا وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحقّ وقيامه هِمَّةً، وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد - ﷺ - .
ما رأينا في عصرنا هذا من تُسْتجلى النبوّة المحمديّة وسنتها (^٢) من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيثُ يشهد القلب الصحيح أنَّ هذا هو الاتباع حقيقةً.
وبعد ذلك كلِّه فقول الحقِّ فريضة، فلا ندَّعي فيه العصمة عن الخطأ (^٣)، ولا ندَّعي إكماله لغايات الخصائص المطلوبة، فقد يكون في بعض الناقصين خصوصية مقصودة مطلوبة لا يتم الكمالُ إلا بها [و] تلك الخصوصية في غيره أكمل مما هي فيه، بمعنى أنَّ ذلك متّصِف بحقائقها مثلًا؛ لانفراد همة وقته (^٤) بها، وتَفْرِقة شيخنا في فضائل مهمةٍ دينيَّةٍ وغيرها (^٥). ولو حقّقنا لوجدنا شيخَنا أفضلَ من ذلك الرجل مع قيامه
_________________
(١) بقية النسخ: «علمًا وعملًا».
(٢) (ف، ك): «وسننها».
(٣) (ف): «تدّعى فيه». و(ب): «عن الخطايا».
(٤) (ب): «همه ووقته».
(٥) (ب): «غيرها».
[ ٣٧٦ ]
بتلك (^١) الخصوصية. وهذا القدر لا يجهله منصفٌ عارفٌ. ولولا أنَّ قول الحق فريضة، والتعصُّب للإنسان هوى، لأعرضتُ عن ذكر هذا، لكن يجبُ قول الحقِّ إن ساء أو سرَّ، وبالله المستعان.
إذا علمتم ذلك ــ أيدكم الله ــ فاحفظوا قلبه، فإنَّ مثل هذا قد يُدعَى عظيمًا في ملكوت السماء. واعملوا على رضاه بكل ممكن، واستجلبوا وُدَّهُ لكم وحُبَّه إيَّاكم بمهما قدرتم عليه، فإنَّ مثل هذا يكون شهيدًا، والشهداءُ في العصر تبع لمثله، فإن حَصَلت لكم محبَّتُه رجوتُ لكم بذلك خصوصية أكتُمُها ولا أذكرها، وربّما يفطن لها الأذكياء منكم، وربَّما سمحت نفسي بذكرها كيلا (^٢) أكتم عنكم نُصحي.
وتلك الخصوصية هي: أن تُرزَقوا قسطًا من نصيبه الخاصِّ المحمَّديّ مع الله، فإنَّ ذلك إنَّما يسري بواسطة محبَّة الشيخ للمريد، واستجلاب المريد محبَّة الشيخ بتأتّيه (^٣) معه، وحِفْظ قلبه وخاطره، واستجلاب وُدِّه ومحبته، فأرجو بذلك لكم قسطًا ممّا [ق ١١٢] بينه وبين الله تعالى، فضلًا عمّا تكتسبونه (^٤) من ظاهر علمه وفوائده وسياسته، إن شاء الله تعالى.
وأرجو أنَّكم إذا فتحتم بينكم وبين ربِّكم تصحيحَ (^٥) المعاملة، بحفظ تلك الساعة مع الله تعالى بالزهد فيها عما سواه، واستصحاب حكم تلك
_________________
(١) «تلك الخصوصية بتلك» سقط من (ف، ك، ط).
(٢) (ف): «لئلا».
(٣) الأصل: «بتأسِّه».
(٤) (ف، ك، ط): «تكسبونه».
(٥) (ف، ك): «بصحيح».
[ ٣٧٧ ]