ومنها: كتاب قال فيه ــ بعد حَمْد الله تعالى والصلاة على نبيه - ﷺ - ــ:
أما بعد؛ فإنَّ الله ــ وله الحمد ــ قد أنعم عليَّ من نعمه العظيمة، ومِنَنه الجسيمة، وآلائه الكريمة ما هو مستوجبٌ لعظيم الشكر، والثبات على الطاعة، واعتياد حُسْن الصبر على فعل المأمور، والعبدُ مأمور بالصبر (^٢) في السرَّاء أعظم من الصبر في الضرَّاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ (^٣) أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].
وتعلمون أنّ الله سبحانه منَّ في هذه القضية من المِنَن التي فيها من أسباب نَصْر دينه، وعلوِّ كلمته، ونَصْر جُنده، وعزّة أوليائه، وقوَّة أهل السنة والجماعة، وذُلّ أهل البِدْعة والفُرْقة، وتقرير ما قُرِّر عندكم من السنة، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى (^٤) والنصر والدلائل، وظهور
_________________
(١) (ب): «وكتب».
(٢) «على بالصبر» ليست في (ب).
(٣) الأصل و(ب): «وإذا».
(٤) (ب): «أبواب الهدى».
[ ٣٢١ ]
الحق لأمم لا يُحْصي عددَهم إلا الله، وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة، وغير ذلك من المِنن، مما (^١) لابدَّ معه من عظيم الشكر ومن الصبر، وإن كان صبرًا في سرَّاء.
وتعلمون أنَّ من القواعد العظيمة، التي هي من جِماع الدِّين: تأليفَ القلوب، واجتماع الكلمة، وإصلاحَ (^٢) ذات البَين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وأمثالُ ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى (^٣) عن الفُرْقة [ق ٩٣] والاختلاف.
وأهلُ هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أنَّ الخارجين عنه هم أهل الفُرْقة.
وجماع السنة: طاعةُ الرسول، ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» (^٤) عن أبي هريرة: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن
_________________
(١) (ف، ك): «ما».
(٢) (ك): «وصلاح».
(٣) (ف، ك): «يأمر وينهى».
(٤) رقم (١٧١٥).
[ ٣٢٢ ]
تُناصِحوا من ولَّاه الله أمورَكم».
وفي «السنن» (^١) من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود ــ فَقيهَي الصحابة ــ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نضَّر الله امرأً سمع مِنَّا (^٢) حديثًا فبلَّغه إلى من لم يَسْمَعه، فرُبّ حامل فقهٍ غير فقيه، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإنّ دعوتهم تُحِيط مَنْ وراءَهم».
وقوله: «لايغلّ» أي: لا يحقد عليهنّ، فلا يبغضُ هذه الخصال قلبُ المسلم بل يحبهنّ ويرضاهنّ.
وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلَّقُ بي (^٣)، فتعلمون ــ رضي الله عنكم ــ أني لا أحبُّ أن يؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين ــ فضلًا عن أصحابنا ــ بشيء (^٤) أصلًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عَتْب على أحد منهم ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال، والمحبَّة والتعظيم أضعافُ أضعافِ ما كان، كُلٌّ بِحَسَبه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، ابن ماجه (٢٣٠)، وأخرجه أحمد (٢١٥٩٠)، وابن حبان (٦٨٠). قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان، وله شاهد من حديث أنس ﵁.
(٢) (ف): «مني».
(٣) (ف): «في».
(٤) (ب): «بسببي».
[ ٣٢٣ ]
ولا يخلو الرَّجل من (^١) أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبًا. فالأول: مأجور مشكور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفوٌّ عنه مغفور له. والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين.
فيُطْوَى (^٢) بساطُ الكلام المخالف لهذا الأصل؛ كقول القائل: فلانٌ قصَّر، فلانٌ ما عَمِل، فلانٌ أُوذِيَ الشيخُ بسببه، فلانٌ كان سبب هذه القضية، فلانٌ كان يتكلَّم في كذا (^٣)، فلانٌ، فلانٌ (^٤). ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمَّة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بل مثل هذا يعودُ على قائله بالملام، إلا أن تكون له نيَّة حسنة فيكون (^٥) ممن يغفرُ الله له إن شاء، وقد عفا الله عمَّا سلف.
وتعلمون أيضًا أن ما يجري (^٦) من نوع تغليظٍ أو تخشينٍ على بعض الأصحاب والإخوان، مما (^٧) كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر، فليس ذلك غَضاضةً ولا نقصًا في حقِّ صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغيّر
_________________
(١) (ف، ك): «إما».
(٢) (ف، ك): «فنطوي».
(٣) (ك): «كيد».
(٤) (ب، ك): «فلان» مرة واحدة.
(٥) العبارة في (ف، ك): «أن يكون له من [ف: نية] حسنة وممن».
(٦) (ب): «جرى».
(٧) (ف، ك): «ما».
[ ٣٢٤ ]
منَّا ولا نقص (^١)، بل هو بعد ما عُومِلَ به من التغليظ والتخشين أرفعُ قدرًا، وأنْبَه ذكرًا، وأحبّ وأعظم.
وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين، التي يُصْلِحُ الله بها بعضَهم ببعض؛ فإن المؤمن للمؤمن كاليدين يغسل أحدُهما (^٢) الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخُ إلا بنوعٍ من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما يُحْمَد (^٣) معه ذلك التخشين.
وتعلمون أنَّا جميعًا متعاونون على البرِّ والتقوى، واجبٌ علينا نصر بعضنا بعضًا أعظمَ مما كان وأشدّ، فمن رام أن يؤذي بعضَ الأصحاب أو الإخوان لِمَا قد يظنه من نوع تخشينٍ عُومل به بدمشق أو بمصر [ق ٩٤] الساعة أو غير ذلك= فهو الغالط.
وكذلك من ظنَّ أن المؤمنين يتخلَّون (^٤) عمَّا أُمِروا به من التعاون والتناصر، فقد ظنَّ ظنَّ سوء، وإن الظنَّ لا يغني من الحقّ شيئًا، وما غاب عنَّا أحدٌ من الجماعة، أو قَدِم إلينا الساعة أو قبل الساعة، إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجلُّ وأرفع.
وتعلمون رضي الله عنكم: أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء، واختلاف الأهواء، وتنوّع أحوال أهل الإيمان، وما لا بدّ منه
_________________
(١) (ب): «تغير ما»، (ك): «ولا بغض». (ف): «ولا بعض».
(٢) (ف، ك): «تغسل إحداهما».
(٣) (ف): «موجب تحمد». (ك): «نحمد».
(٤) (ك): «يبخلون».
[ ٣٢٥ ]
من نزغات الشيطان= مالا يتصوّر أن يعتري (^١) عنه نوع الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى وبالأقصى على الأدنى، فأقول: تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة، والأغاليط المظنونة، والأهواء الفاسدة، وأنَّ ذلك أمرٌ يجلّ عن الوصف، وكل ما قيل من كَذِبٍ وزور، فهو في حقِّنا خيرٌ ونعمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ (^٢) [النور: ١١].
وقد أظهر الله من نور الحقِّ وبرهانه، ما ردَّ به إفكَ الكاذبِ وبُهتانه. فلا أحبُّ أن يُنْتَصر لي (^٣) من أحدٍ بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعداوته (^٤)، فإني قد حلَّلتُ كلَّ مسلم، وأنا أحبُّ الخير لكلِّ المسلمين، وأريد لكلّ مؤمن من الخير ما أحبُّه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حلٍّ من جهتي.
وأما ما يتعلَّق بحقوق الله تعالى؛ فإن تابوا تابَ الله عليهم، وإلا فحُكم
_________________
(١) (ف، ح): «يعتزي»، (ط): «يعرى». والمثبت من (الأصل، ك).
(٢) الآية بتمامها في (ف، ك).
(٣) ليست في (ك).
(٤) (ف، ك): «عدوانه».
[ ٣٢٦ ]
الله نافذٌ فيهم. فلو كان الرجل مشكورًا على سوء عمله لكُنْت (^١) أشكر كلَّ من كان سببًا في هذه القضية؛ لما ترتَّب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكنَّ الله هو المشكور على حُسْن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يُقْضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له.
وأهل القصد الصالح يُشْكَرون (^٢) على قصدهم، وأهل العمل الصالح يُشْكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. وأنتم تعلمون هذا من خُلقي، والأمر أزْيَد مما كان وأوكد، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض، وحقوق الله عليهم= هم فيها تحت حكم الله.
وأنتم تعلمون أن الصدِّيق الأكبر في قضية الإفك ــ التي أنزل الله فيها القرآن ــ حلف لا يَصِلُ إلى (^٣) مِسْطَح بن أُثاثة؛ لأنه كان من الخائضين في الإفك، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فلما نزلت قال أبو بكر: بلى أحبُّ (^٤) أن يغفر الله لي، فأعاد إلى مِسْطَح النفقة التي كان ينفق.
ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه، فالجهادُ (^٥) على ما
_________________
(١) (ك): «لكتب»، وبهامشها: لعله: لكنت.
(٢) (ف، ك): «لا يشكرون»، وبهامش (ك) إشارة إلى أن الصواب حذف «لا».
(٣) «إلى» ليست في (ب، ك).
(٤) (ط): «بلى والله إني لأحب». وحديث الإفك أخرجه البخاري (٢٦٦١) ومسلم (٢٧٧٠).
(٥) (ف، ك): «والجهاد» خطأ.
[ ٣٢٧ ]