ووقفتُ على كتاب وَرَدَ مع أجوبة أهل بغداد، وصورته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ناصر الملة الإسلامية، ومُعِزِّ الشريعة المحمدية، بدوام أيام الدولة المباركة السلطانية، المالكية (^١) الناصرية، ألبسها الله تعالى لباس العزّ المقرون بالدوام، وحلَّاها بحِلْية النَّصْر المستمرِّ بمرور الليالي والأيّام. والصلاة والسلام على النبيّ المبعوث إلى جميع الأنام، وعلى آله البَرَرة الكرام.
اللهم إنَّ بابك لم يزل مفتوحًا للسائلين، ورِفْدكَ ما بَرِحَ مبذولًا للوافدين، مَنْ عوَّدته مسألتك وحدَك، لم يسأل أحدًا سواك. ومن منَحْتَه منائح رِفْدك، لم يَفِدْ على غيرك، ولم يَحْتَمِ إلَّا بِحِماك. أنت الربُّ العظيم الكريم الأكرم. قَصْدُ بابِ غيرك على عبادك محرَّم، أنت الذي لا إله غيرك، ولا معبود سِواك، عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، وتقدَّست أسماؤك، وعَظُم بلاؤك، ولا إله غيرك.
لم (^٢) تزل سُنَّتُك في خَلْقِك جاريةً [ق ١٢٧] بامتحان أوليائك وأحبابك (^٣)، تفضُّلًا منك عليهم، وإحسانًا من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذِكرًا، ولأنْعُمِك في جميع التقلُّبات شكرًا. ولكنَّ أكثر الناس
_________________
(١) (ب): «الملكية».
(٢) (ف، ك): «ولم».
(٣) (ف): «وأحبائك».
[ ٤٢٧ ]
لا يعلمون. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
اللهم وأنت العالم الذي لا يُعَلَّم، وأنت الكريم الذي لا يُبَخَّل (^١)، قد علمت يا عالم السِّرِّ والعلانية، أنَّ قلوبنا لم تزل ترفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسنتنا في حالتي السرِّ والعلانية ناطقة= أن تسعفنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلاء والرفعة والتمكين، وأن تحَقِّق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي (^٢) ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع (^٣) مكايد الملحدين؛ لأنَّها الدولة التي بَرِئت من غشيان الجَنَفِ والحيْفِ، وسَلِمت من طغيان القلم والسَّيفِ.
والذي تنطوي عليه ضمائر المسلمين، وتشتمل عليه سرائر المؤمنين: أنَّ السلطان الملك الناصر للدين، ممن قال فيه ربُّ العالمين، وإله السماوات والأرضين ــ الذي بتمكينه في أرضه (^٤) حصل التمكينُ لملوك الأرض، وعظماء السلاطين ــ في كتابه العزيز الذي يُتْلَى، فمن شاء فليتدبَّر: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وهو ممن مكَّنه الله في الأرض تمكينًا، يقينًا لا ظنًّا.
_________________
(١) (ب): «اللهم أنت الله». (ف، ك): «تعلم. . . تبخل».
(٢) (ف، ك، ط): «في».
(٣) (ب): «ورفع».
(٤) «في أرضه» ليس في (ب).
[ ٤٢٨ ]
وهو ممَّن يُعْنَى بقوله (^١) تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
والذي عَهِدَه (^٢) المسلمون، وتعوَّده المؤمنون، من المراحم الكريمة، والعواطف الرحيمة: إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين.
والذي حَمَل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة ــ وإن كانت لم تزل مرفوعةً إلى الله سبحانه بالنية الصحيحة ــ قولُه - ﷺ -: «الدينُ النَّصيحة»، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم» (^٣). وقوله - ﷺ -: «الأعمال بالنيات» (^٤). وهذان الحديثان مشهوران بالصحة، مُستفاضان (^٥) في الأمة.
ثم إن هذا الشيخ المعظَّم الجليل، والإمام المكرَّم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعَلَم الدولة السلطانية، لو أقْسَم مُقْسم بالله القدير: إنَّ هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا
_________________
(١) «تمكينا. . . بقوله» ليس في (ب). والآية في الأصل و(ب) إلى قوله: ﴿أَمْنًا﴾.
(٢) (ك): «عهد».
(٣) أخرجه مسلم رقم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر ﵁.
(٥) (ف، ك، ط): «ومستفيضان».
[ ٤٢٩ ]
نظير= لكانت يمينُه بَرَّةً غنيةً (^١) عن التكفير. وقد خلت من وجود مثله السبعُ الأقاليم، إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كلُّ منصف جُبِلَ على الطبع السليم. ولست بالثناء عليه أُطريه، بل لو أطنب مُطْنِبٌ في مدحه والثناء عليه، لما أتى على بعض الفضائل التي هي فيه. أحمد ابن تيمية، دُرَّة يتيمة (^٢) يُتنافس فيها، تُشْتَرى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك دُرَّة تماثلها وتؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع.
لقد أصَمَّ الأسماع، وأوهى المتبوعين والأتباع= سماعُ رفع أبي العباس ــ أحمد ابن تيمية ــ إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمرٌ [ق ١٢٨] يُنْقَم منه عليه، إلَاّ أن يكون أمرًا قد لُبِّسَ (^٣) عليه، ونُسِبَ إلى ما لا يُنْسَب مثلُه إليه. والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطبٌ فهو القطبُ على التحقيق.
قد نَصَبَ الله السلطان ــ أعلى الله شأنه ــ في هذا الزمان منصب يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه، لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حين أَمحَلَتِ البلاد (^٤)، واحتاجَ أهلُها إلى القوت (^٥) المُدَّخَر لديه. والحاجةُ بالناس الآن إلى قوت الأرواح الرُّوحانية أعظم من حاجتهم في
_________________
(١) «مقسم» و«غنية» سقطت من (ب).
(٢) (ب): «يتمية».
(٣) (ب): «أمرًا لبس»، (ف): «إلا أنه».
(٤) «حين أمحلت البلاد» سقط من (ب).
(٥) (ك): «الفوات» وفي هامشها: لعله القوت.
[ ٤٣٠ ]
ذلك الزمان إلى طعم الجثث الجثمانية. وأقوات الأرواح (^١) المشار إليها (^٢)، لا خفاء أنها العلوم (^٣) الشريفة، والمعاني اللطيفة.
وقد كانت في بلاد المملكة السلطانية ــ حرسها الله تعالى ــ تُكال إلينا جُزافًا بغير أثمان، مِنْحَةً عظيمة من الله للسلطان، ونعمةً جسيمةً، إذ خصَّ بلاد مملكته، وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار (^٤)؛ فوجدوا صاحبَ صُواع الملك قد رُفع إلى القلاع، ومثل هذه المِيرة لا توجد في غير تلك البلاد لتُشتَرى أو تُباع، فصادف ذلك جَدْب الأرض ونواحيها، جَدْبًا أعطب أهاليها، حتَّى صاروا من شدَّة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات.
والذي عرَّض للملك بالتضييق على صاحب صُواعه مع شدَّة الحاجة إلى غذاء الأرواح، لعله لم يتحقّق عنده أنَّ هذا الإمام من أكابر الأولياء، وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغةٌ من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
وأمّا إزراء بعض العلماء عليه في فتواه، وجوابه عن مسألة شدِّ الرِّحال
_________________
(١) «الروحانية. . . الأرواح» سقطت من (ف، ك، ط).
(٢) (ف، ك، ط): «المشار في ذلك الزمان إليها».
(٣) (ك، ط): «للعلوم».
(٤) (ب): «وقد كان الوافدون». (ف، ك، ط): «وكان قد وفد. . إلى تلك الديار فوجدوا ».
[ ٤٣١ ]
إلى القبور (^١)؛ فقد حُمِلَ جوابُ علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء، وقُرَنائهم من الفضلاء، وكلُّهم أفتى أنَّ الصواب في الذي به أجاب.
والظاهر بين الأنام أنَّ إكرام هذا الإمام، ومعاملته بالتبجيل والاحترام؛ فيه من (^٢) قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملَّة (^٣)، واسْتِجْلاب الدعاء، وكَبْتِ الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغُمَّة، ووفور الأجر، وعُلُوِّ الذِّكْر، ورفع البأس، ونفع الناس (^٤). ولسانُ حال المسلمين تالي قول الكبير المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨].
والبضاعة المزجاةُ: هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والمِيرة المطلوبة: هي الإفراج عن شيخ الإسلام. والذي حَمَل على هذا الإقدام قولُه ﵇ (^٥): «الدينُ النصيحة» والسلام.
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين (^٦)، وسلَّم تسليمًا. هذا آخر هذا الكتاب.
***
_________________
(١) بقية النسخ: «زيارة القبور».
(٢) (ف، ك، ط): «فيه قوام».
(٣) «وإعزاز الملة» ليست في (ب).
(٤) «ورفع البأس» ليست في (ب)، «ونفع الناس» ليست في (ف).
(٥) «قوله ﵇» ليست في (ب). وتقدم تخريج الحديث.
(٦) «ف، ك»: «الكرام».
[ ٤٣٢ ]