وقاعدة في الردِّ على من قال بفناء الجنة والنار (^١).
وله «الحموية الكُبرى» (^٢).
و«الحموية الصُّغرى» (^٣).
فأما «الحموية الكبرى» فأملاها ما (^٤) بين الظهر والعصر، وهي جواب عن سؤال ورد من حماة سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب تأليفها أمور ومحن. وتكلَّم الشيخُ فيها على آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، وقال في مقدَّمتها ــ وهي عظيمة جدًّا ــ:
«قولنا فيها ما قال (^٥) الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد (^٦) هؤلاء الذين
_________________
(١) قال ابن رشيّق (ص ٢٨٧): «نحو عشرين ورقة» وذكر أنه ألفها في محبسه الأخير. وقد طبعت بتحقيق د. محمد السمهري عن دار بلنسية في (١١٨ ص).
(٢) قال ابن رشيّق (ص ٢٩٦): «الفتيا الحموية، ستون ورقة، كتبها بين الظهر والعصر». وهي في «مجموع الفتاوى»: (٥/ ٥ - ١٢٠). وطبعت مفردة بتحقيق حمد التويجري ــ دار الصميعي.
(٣) طبعت في الهند سنة ١٢٩٥ هـ. والذي يظهر أن الشيخ أملى «الحموية الصغرى» أولًا، ثم بعد ذلك أضاف إليها كثيرًا من النصوص والاقتباسات عن المتكلمين والفلاسفة بما يعادل ثلث الكتاب، فصارت هذه النسخة المزيدة هي «الحموية الكبرى». والله أعلم. قلت: وقد قابلنا ما ساقه المصنف من «الحموية» على مطبوعة الفتاوى ورمزت لها بـ (ط) وعلى مخطوطة تركية كتبت سنة ٧٣٠ هـ ورمزت لها بـ (خ).
(٤) «ما» ليست في (ف، ك).
(٥) بقية النسخ وخ: «قاله».
(٦) (ف، ك): «من بعد».
[ ١١١ ]
أجمعَ المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره.
فإن الله ﷾ بعث محمدًا - ﷺ - بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه (^١) بإذنه وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ٨٠].
ومن المُحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أَخرجَ (^٢) به الناسَ من الظلمات إلى النور، وأنزلَ معه الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمرَ الناسَ أن يردّوا ما تنازعوا فيه من (^٣) دينهم إلى ما بُعِثَ به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه (^٤) على بصيرة، وقد أخبر الله أنه أكمل له ولأمته دينهم وأتمَّ عليهم نعمته =محالٌ (^٥) مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به مُلتبسًا مشتبِهًا، ولم يميّز ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه. فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصَّلته النفوس وأدركته العقول.
_________________
(١) (ب، ق): «أنه بعثه ». و«إليه» سقطت من (ف).
(٢) (ك) كتب فوقها بخط دقيق «الله».
(٣) في (ك) بخط دقيق مغاير: «من أمر».
(٤) (ب، ق): «بأنه». وكتبت في (ك) بخط دقيق مغاير. و«بإذنه» ليست في (خ).
(٥) (ف): «.. نعمته عليهم ومحال ».
[ ١١٢ ]
فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خَلْق الله بعد النبيين لم يُحْكِموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا.
ومن المحال أيضًا أن يكون النبي - ﷺ - قد علَّم أمته كلَّ شيء حتى الخِراءة (^١).
وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (^٢).
وقال ــ فيما صح عنه أيضًا ــ: «ما بعث الله من نبيّ إلا كان حقًّا عليه (^٣) أن يدلَّ أمته على خير ما يَعْلَمه لهم وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم» (^٤).
وقال أبو ذرّ: لقد توفي رسول الله - ﷺ - وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذَكَّرنا (^٥) منه علمًا (^٦).
_________________
(١) كما جاء في حديث سلمان الفارسي عند مسلم (٢٦٢).
(٢) أخرجه أحمد (٧١٧٤٢)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وابن حبان (٤٥)، والحاكم: (١/ ٩٥ - ٩٦) من حديث العرباض بن سارية ﵁. قال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه ابن حبان والحاكم والبزار وغيرهم.
(٣) ليست في (ب، ق).
(٤) أخرجه مسلم (١٨٤٤) ضمن حديث طويل من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
(٥) هكذا في جميع النسخ و(خ) ومصادر التخريج، وغيّرها أحد المطالعين في (ف) إلى «ذكرلنا» وهي كذلك في طبعة الفتاوى: (٥/ ٨).
(٦) أخرجه أحمد (٢١٣٦١، ٢١٤٣٩) بنحوه، والطبراني في «الكبير»: (٢/ ١٥٥) من حديث أبي ذر. قال الهيثمي في «المجمع»: (٨/ ٢٦٣): «رجال الطبراني رجال الصحيح وفي إسناد أحمد من لم يسمّ».
[ ١١٣ ]
وقال [ق ٢٨] عمر بن الخطاب ﵁: قام فينا رسول الله - ﷺ - مقامًا فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حَفِظَه، ونَسِي ذلك (^١) من نسيه. رواه البخاري (^٢).
مُحال مع هذا ومع (^٣) تعليمهم كلّ شيء لهم فيه منفعة في الدين ــ وإن دقَّت ــ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وقلوبهم (^٤) في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزُبْدة الرسالة الإلهية. فكيف يتوهَّم من في قلبه أدنى مُسْكَة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول - ﷺ - على غاية التمام؟ !
ثم إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المُحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصَّروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه.
ثم من المُحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة؛ القرن الذي بُعِث فيهم رسول الله - ﷺ - ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كانوا غير عالمين (^٥) وغير قائلين في هذا الباب بالحقِّ المبين؛ لأنّ ضدّ ذلك إما عدم العلم والقول، وإما
_________________
(١) (ب، ق، ف): «ونسيه من».
(٢) بعد رقم (٣١٩٢) معلقًا، وانظر «تغليق التعليق»: (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٨) لابن حجر.
(٣) «مع» ليست في (ق، ف، ك). (ب): «وبتعليمهم». و(خ): «محال مع تعليمهم».
(٤) (ف، ك): «ويعتقدونه بقلوبهم».
(٥) «ثم الذين يلونهم» ليست في (ق)، وكُتِب فوق «عالمين» في (ك): «لعله» وفي الهامش: «بدله: العالمين».
[ ١١٤ ]
اعتقاد نقيض الحقّ وقول خلاف الصِّدْق، وكلاهما ممتنع.
أما الأول؛ فلأنَّ من في قلبه أدنى حياة، وطلبٍ للعلم، ونَهْمة في العبادة؛ يكون البحثُ عن هذا الباب والسؤالُ عنه ومعرفةُ (^١) الحقّ فيه أكبر (^٢) مقاصده وأعظم مطالبه (^٣). وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية (^٤).
فكيف يتصوَّر مع قيام هذا المقتضي ــ الذي هو من أقوى المقتضيات ــ أن يتخلَّف عنه مقتضاه في أولئك (^٥) السادة في مجموع عصورهم (^٦)؟ ! هذا لا يكاد يقع في أبْلَد الخلق، وأشدّهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع في أولئك؟
وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عَرَف حالَ القوم.
ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن أن يُسَطَّر في هذه الفتيا أو أضعافها، يَعرف ذلك من طلبَه وتتبَّعه.
ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله
_________________
(١) (ف): «عن معرفة».
(٢) (ف، خ): «أكثر».
(٣) في (خ، والفتاوى) زيادة: «أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته».
(٤) في هامش (ك): «الوجدانية». و(خ): «الوجودية».
(٥) (ك): «مقتضاه لأولئك».
(٦) الأصل: «عمورهم» خطأ. و(ف، ك): «عصرهم».
[ ١١٥ ]
بعضُ الأغبياء ممن لم يَقْدُر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها؛ من أنَّ طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
فإن هؤلاء المبتدعة الذين يُفضِّلون طريقة (^١) الخَلَف (^٢) على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرَّد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقهٍ لذلك. بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة/٧٨] [ق ٢٩] وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظنُّ الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك: اعتقادُهم أنه ليس [لله] (^٣) في نفس الأمر صفة دلَّت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شَركوا (^٤) فيها إخوانهم من الكافرين.
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) بعده في هامش (ك) بخط مغاير: «من المتفلسفة ومن حذا حذوهم».
(٣) زيادة «لله» من (خ وط) وليست في الأصول.
(٤) في هامش (ن)، و(خ، ط): «شاركوا».
[ ١١٦ ]
فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان ــ مع ذلك ــ لابدّ للنصوص من معنى، بقوا متردّدين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها: طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معانٍ (^١) بنوع تكلُّف، وهي التي يسمونها: طريقة الخلف؛ وصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا (^٢) فيه على أمور عقلية ظنوها بيَّنات وهي شبهات، والسمع حرَّفوا فيه الكَلِمَ (^٣) عن مواضعه.
فلما انْبَنى (^٤) أمرُهم على هاتين المقدِّمتين الكاذبتين الكُفْريتين، كانت النتيجة استجهال السابقين الأوّلين (^٥) واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا (^٦) أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحَّروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطَّنوا لدقيق (^٧) العلم الإلهي، وأن الخَلَفَ الفضلاء حازوا قَصَب السَّبْق في هذا كله.
وهذا (^٨) القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخِّرون ــ لاسيما والإشارة بالخَلَف إلى
_________________
(١) (أ، ب، ق): «معاني» وزاد في المطبوعة «أخرى».
(٢) الأصل: «اعتقدوا».
(٣) (خ): «حرفوا الكلام فيه».
(٤) (ب، ق): «انتهى». (ك): «ابتنى».
(٥) «الأولين» ليست في (ف، خ).
(٦) ليست في (ك).
(٧) (خ، ط): «لدقائق».
(٨) (خ): «فإن هذا»، (ط): «ثم هذا».
[ ١١٧ ]
ضَرْب من المتكلمين ــ الذين كَثُر (^١) في باب الدين اضطرابُهم، وغَلُظ عن معرفة الله حجابُهم، وأخبر الواقفُ على نهايات (^٢) إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم (^٣) حيث يقول:
لعمري لقد (^٤) طُفت المعاهد كلّها وسيّرت طَرْفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كفَّ حائرٍ على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادم (^٥)
وأقرُّوا على أنفسهم بما قالوه متمثِّلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم (^٦)، كقول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقولِ عقالُ وأكثرُ سَعْي العالمين ضلال
وأرواحُنا في وَحْشةٍ من نفوسنا (^٧) وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد في (^٨) بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا (^٩)
_________________
(١) الأصل: «كبر».
(٢) (ف، ك، ط): «نهاية».
(٣) (خ، ط): «أمرهم».
(٤) الاصل: «قد».
(٥) تنسب لابن سينا، وقيل للشهرستاني، ذكرهما الأخير في «نهاية الإقدام» (ص ٣)، وانظر «وفيات الأعيان» (٢/ ١٦١، ٤/ ٢٧٤).
(٦) «من كتبهم» من بقية النسخ و(خ، ط).
(٧) بقية النسخ و(خ، ط): «جسومنا». وبعده في (خ): «غاية دنيانا».
(٨) (ك): «من». و(خ): «وما نالنا في ».
(٩) (ب، ق، ف، خ): «وقال». والأبيات للرازي، انظرها في «طبقات الأطباء»: (٢/ ٤٢ ــ ٤٣)، و«وفيات الأعيان»: (٤/ ٢٥٠).
[ ١١٨ ]
لقد تأملت الطرق الكلامية (^١)، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها (^٢) تشفي عليلًا ولا تُرْوي غليلًا، ورأيتُ أقربَ الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأقرأُ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. قال: ومن جَرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
ويقول الآخر منهم (^٣): لقد خُضْت البحر الخِضَمّ (^٤)، وتركتُ أهلَ الإسلام وعلومهم، وخضت في [ق ٣٠] الذي نهوني (^٥) عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته (^٦) فالويل لفلان، وها أنذا (^٧) أموت على عقيدة أمي.
ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أصحاب (^٨) الكلام.
ثم هؤلاء المتكلِّمون (^٩) المخالفون للسلف إذا حُقِّق عليهم الأمر، لم
_________________
(١) تحرفت في (ف) إلى: «الكلابية»!
(٢) (خ): «فلم أجدها». ثم قدم آيات النفي على الإثبات.
(٣) هو إمام الحرمين الجويني، انظر «السير»: (١٨/ ٤٧١).
(٤) سقطت من (ف). وكتبت في (ك) بخط دقيق مغاير.
(٥) (خ): «نهوا».
(٦) (ف): «يداركني رحمته».
(٧) «ذا» ليست في (ب، ف، ك).
(٨) سقطت من (ب). وهذه المقولة نسبها شيخ الإسلام للغزالي، انظر «نقض المنطق» (ص ٢٥).
(٩) سقطت من (ف).
[ ١١٩ ]
يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله، وخالص المعرفة به خَبَر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر.
= كيف يكون هؤلاء المحجوبون، المنقوصون، المسبوقون المفضولون (^١)، الحيارى، المتهوِّكون (^٢) أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، من (^٣) ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدُّجى، الذين بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جُمِعَت حكمةُ غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة؟ !
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة، لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ !
أم كيف يكون أفراخُ المتفلسفة، وأتباع الهند واليونان، وورثة (^٤)
_________________
(١) (ق): «هؤلاء المحجبون ..»، (ف): « المسبوقون المفصلون»، و«المفضولون» ليست في (خ).
(٢) الأصل: «المهوكون»، (ب، ق): «المهتوكون».
(٣) «من» ليست في (خ).
(٤) (ف، ك): «ورثة».
[ ١٢٠ ]
المجوس والمشركين، وضُلَّال اليهود والنصارى (^١) والصابئين، وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟ ! .
وإنما قدَّمت هذه المقدمة لأن من استقرت عنده هذه المقدمة (^٢) عَلِم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوُّك (^٣) إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عمَّا بعث الله به محمدًا - ﷺ - من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين، والتماسهم عِلْم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة (^٤) الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة. وليس غرضي واحدًا معيَّنًا وإنما أصفُ نوع هؤلاء ونوع هؤلاء (^٥).
وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسول الله - ﷺ - من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة (^٦) مملوء بما هو إما نصّ وإما ظاهر في أن الله هو العليّ الأعلى (^٧)، وهو فوقَ كلّ شيء، وهو عال على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله:
_________________
(١) سقطت من (ف).
(٢) «لأن المقدمة» سقطت من (ف).
(٣) (ف): «والهتوك».
(٤) (ف، ق): «وشهادة».
(٥) «ونوع هؤلاء» ليست في (ب، ق، خ) وبعده في (خ) زيادة: «والعاقل يسير فينظر».
(٦) (ب، ق): «الأمة».
(٧) «هو العلي الأعلى» ليست في (خ).
[ ١٢١ ]
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (^١) (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. [ق: ٣١]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في ستة مواضع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢) [طه: ٥] ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ (^٣) إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (^٤)﴾
[غافر: ٣٦ - ٣٧]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٤]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يُحصى إلا بِكُلْفة.
وفي الأحاديث الصحاح ما لا يكاد يُحْصى إلا بكُلْفة (^٥)، مثل قصة معراج الرسول - ﷺ - إلى ربه (^٦)، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه،
_________________
(١) «فإذا هي تمور» سقطت من (ق، ف، ك، خ).
(٢) قوله: «في ستة مواضع» والآية سقطت من (ب، ق).
(٣) ضبطها في الأصل: (فأطَّلِعَُ) بالضبطين، وكتب فوقها: (معًا)، وقراءة النصب قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالضم. انظر «المبسوط»: (ص ٣٢٧) لابن مهران.
(٤) الآية في (ب، ق) إلى قوله: «إله موسى» ..
(٥) (ف، ك، خ، ط): «الصحاح والحسان ما لا يحصى ». و«وفي الأحاديث بكلفة» سقط من (ب).
(٦) القصة أخرجها البخاري (٣٤٦)، ومسلم (١٦٣).
[ ١٢٢ ]
وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل (^١) والنهار: «فتعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم » (^٢).
وفي «الصحيح» (^٣) في (^٤) حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً».
وفي حديث الرُّقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله (^٥) الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رَحْمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حُوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيبين، أنزِلْ رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع (^٦)» (^٧). قال - ﷺ -: «إذا اشتكى أحدٌ منكم أو اشتكى أخٌ له فليقل: ربّنا الله الذي في السماء » وذَكَره.
وفي حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم
_________________
(١) الأصل: «في الليل».
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٣)، ومسلم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) نسخ الكتاب: «من» والمثبت من (خ، ط).
(٥) من بقية النسخ و(خ، ط). وكذا في اللفظ الآتي.
(٦) كتب بين الأسطر في (ق): «فيبرأ». وهي واردة في مصادر الحديث.
(٧) أخرجه أبو داود (٣٨٩٢)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٨٠٩)، والحاكم: (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) وغيرهم من حديث أبي الدرداء ﵁، ومداره على زياد بن محمد، وهو منكر الحديث، وقد تفرَّد به. وحسَّنه شيخ الإسلام في «الفتاوى»: (٣/ ١٣٩).
[ ١٢٣ ]
ما أنتم عليه» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (^١).
وقوله في الحديث الصحيح (^٢) للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟». قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
وقوله في الحديث الصحيح: «إنَّ الله لما خلق الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» (^٣).
وقوله في حديث قَبْض الروح: «حتى تعرج به (^٤) إلى السماء التي فيها الله ﷿».
وقول عبد الله بن رَواحة الذي أنشده للنبي وأقرَّه عليه:
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧٧٠)، وأبو داود (٤٧٢٣)، والترمذي (٣٣٢)، وابن ماجه (١٩٣) وغيرهم من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁. والحديث ضعيف انظر حاشية (المسند: ٣/ ٢٩٣). لكن قال شيخ الإسلام ــ في بعض نسخ الحموية (ص ٢٢٢ - ٢٢٣ ــ ط الصميعي): «وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم، فهو مرويّ من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» (١/ ٣٣٤) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي - ﷺ -» اهـ. وانظر «تهذيب السنن»: (٤/ ٢١٥٨ - ٢١٦٣) لابن القيم. وفي (خ): «رواه أبو داود» فقط.
(٢) «في الحديث الصحيح» من بقية النسخ. والحديث في «صحيح مسلم» (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٢٢) بنحوه، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁. وهذا الحديث والذي قبله سقط من (خ).
(٤) (ف، ك): «يعرج إلى».
[ ١٢٤ ]
شهدتُ بأنّ وعْدَ الله حقّ وأنّ النارَ مثوى الكافرينا (^١)
وأنَّ العرش فوقَ الماء طافٍ وفوق العرش ربّ العالمينا (^٢)
وقول أمية بن أبي الصَّلْت الذي أنشده (^٣) للنبي - ﷺ - هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: «آمن شِعْرُه، وكفر قلبُه».
مجِّدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق النـ ـاس (^٤) وسوَّى فوق السماء سريرا
شرجعًا ما يناله بصر الـ ـعين تُرى دونه الملائكُ صورا (^٥)
وقوله في الحديث الذي في «السنن»: «إن الله حيِيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا» (^٦).
وقوله: «يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ» (^٧).
_________________
(١) في النسخ عدا (ف): «الكافرين ــ العالمين»، والقافية بألف الإطلاق.
(٢) ذكر القصة والشعر ابن عبد البر في «الاستيعاب»: (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧ - بهامش الإصابة) وقال: إنها رويت من وجوه صحاح. وأخرجها ابن عساكر في «تاريخه»: (٢٨/ ١١٢).
(٣) (ك): «أنشد».
(٤) (خ): «الخلق».
(٥) «ديوان أمية بن أبي الصلت»: (ص ٤١).
(٦) أخرجه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦). وابن ماجه (٣٨٦٥)، وابن حبان (٨٧٦)، والحاكم: (١/ ٤٩٧). وغيرهم من حديث سلمان الفارسي ﵁. قال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه ابن حبان، والحاكم وقال: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين».
(٧) من حديث أخرجه مسلم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٢٥ ]
إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ التواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينيًّا (^١) من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول المبلِّغ عن الله ألقى إلى أمته المَدْعوّين: أن الله سبحانه على العرش، وأنه [ق ٣٢] فوق السماء، كما فَطَر (^٢) على ذلك جميع الأمم: عَرَبهم وعَجَمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اختالته (^٣) الشياطين عن فطرته.
ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمِعَ لبلغ مئين و(^٤) ألوفًا. ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - ﷺ -، ولا عن أحدٍ من سلف الأمة، لا (^٥) من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف = حَرْفٌ واحد (^٦) يخالف ذلك لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان (^٧)، ولا أنَّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه (^٨)
_________________
(١) (ف): «يقينا».
(٢) (ف، ك، خ، ط): «فطر الله».
(٣) (ف، ك، خ، ط): «اجتالته». يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٨٦٥): «خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ». وقوله: «فاجتالتهم» بالجيم، وروي بالخاء المعجمة، أي أزالتهم وأذهبتهم. انظر «شرح النووي»: (١٧/ ١٩٧).
(٤) (ف، ق، خ، ط): «أو».
(٥) (ف): «ولا».
(٦) (ف، ك): «حرفًا واحدًا».
(٧) «ولا إنه بذاته في كل مكان» ليست في (خ).
(٨) (ف، ك): «وأنه لا».
[ ١٢٦ ]
لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز إليه الإشارة الحسية (^١).
بل قد ثبت في «الصحيح» (^٢) عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ - ﷺ - قال (^٣) لمَّا خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مَجْمع حَضَره رسول الله - ﷺ - جعل يقول: «ألا هل بلَّغْت». فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء ويَنْكُتها (^٤) إليهم ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير.
فإن كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة بالكتاب والسنة من هذه (^٥) العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إمّا نصًّا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله تعالى، ثم على رسوله - ﷺ -، ثم على خير الأمة = أنهم يتكلَّمون دائمًا بما هو (^٦) نصّ أو ظاهر في خلاف الحق! ثم الحقّ الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلّون عليه لا نصًّا ولا ظاهرًا، حتى تجيء أنباطُ الفرس والروم، وفراخ اليهود (^٧) والفلاسفة،
_________________
(١) بعده في (خ، ط) و(ك) من هامشها: «للأصابع ونحوها».
(٢) «صحيح مسلم» (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.
(٣) من الأصل فقط.
(٤) (ب، ف، ك): «وينكبها».
(٥) العبارة في (ق): «كان ما يقوله الثابتة فيما في الكتاب والسنة هذه» و(ب): «الحق مما يقوله الثابتة في الكتاب والسنة هذه».
(٦) زاد في (ك): «إما».
(٧) (ب، ق، ف، خ، ط): «وفروخ اليهود». وفي هامش (ك) بخط دقيق زيادة «والنصارى».
[ ١٢٧ ]
يبيّنون (^١) للأمة العقيدة الصحيحة، التي يجب على كلِّ مكلَّف أو كلّ فاضل أن يعتقدها!
لئن كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء المتكلّمون (^٢)، وهو الاعتقاد الواجب، وهم مع (^٣) ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرَّد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة نصًّا أو ظاهرًا= لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير! بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين!
فإنّ (^٤) حقيقة الأمر ــ على ما يقوله هؤلاء ــ: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقّه من الصفات نفيًا وإثباتًا، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًّا له من الصفات فصِفوه به، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًّا له في عقولكم فلا تصفوه به.
ثم هم ههنا فريقان؛ أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه. ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياسُ عقولكم ــ الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر [ق ٣٣] من جميع اختلافٍ على وجه الأرض ــ
_________________
(١) (خ): «يثبتون».
(٢) في (خ) زيادة: «المتكلمون». وهي في هامش (ك) بخط دقيق، وكتب فوقها: نسخة.
(٣) (ب، ق): «في».
(٤) (خ): «فإن كان ».
[ ١٢٨ ]
فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبَّدتكم به (^١)! وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما (^٢) يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم ــ على طريقة أكثرهم ــ فاعلموا أني امتحنتكم (^٣) بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذِّ اللغة، ووَحْشيّ الألفاظ، وغرائب الكلام، أو أن (^٤) تسكتوا عنه مفوِّضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات! هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين.
وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيدَ عنه.
ومضمونه: أنَّ كتابَ الله لا يُهتدَى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسلَه، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الردّ (^٥) لا يزيد الأمر إلا شدَّة ولا يرتفع الخلافُ به؛ إذ لكلِّ فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا
_________________
(١) (خ): «يُعبد ربكم به».
(٢) ليست في (ك).
(٣) (خ، ط): «أمتحنكم».
(٤) (ب، ق، ك، خ): «وأن».
(٥) أي: إلى غير الكتاب والسنة.
[ ١٢٩ ]
إليهم، وقد أُمِروا أن يكفروا بهم (^١).
وما أشبه حالَ هؤلاء المتكلِّفين بقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا (^٢) بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
فإنَّ هؤلاء إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول ــ والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته ــ أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية.
ثم عامة هذه الشُّبهات التي يسمُّونها دلائل إنما تقلَّدوا أكثرها عن طاغوت (^٣) من طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمِروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه (^٤) قلوبهم (^٥):
_________________
(١) كتب فوقها في (ق): «بها».
(٢) من قوله: «بهم وما أشبه » إلى هنا سقط من (ف).
(٣) (ب، ق): «طواغيت».
(٤) المطبوعة: «في تشابه».
(٥) بعده في (خ): «يعني: فلاسفة الهند واليونان كأرسطو ونحوه».
[ ١٣٠ ]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (^١) [البقرة: ٢١٣].
ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتابُ هدىً للناس، ولا بيانًا ولا شفاءً لما في الصدور، ولا نورًا ولا مردًّا عند التنازع؛ لأنّا نعلم [ق ٣٤] بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلِّفون أنه الحقّ الذي يجب اعتقاده= لم يدلّ عليه الكتابُ ولا السنةُ لا نصًّا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المُتَحَذّق (^٢) منهم أن يستنتج هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
وبالاضطرار يعلمُ كلُّ عاقل أنَّ من دلَّ الخلقَ على أنَّ الله ليس فوق العرش، ولا فوق السموات، ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لقد أبعد النُّجْعة، وهو إمَّا مُلْغز وإما مدلِّس، لم يخاطبهم بلسانٍ عربّي مبين.
ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عَمًى
_________________
(١) أكملَ الآيةَ في (ف).
(٢) (ف، ك، خ، ط): «المتحذلق». والمتحذّق: الذي يتظاهر بالحذق ويتكلّفه.
[ ١٣١ ]
وضلالًا (^١)!
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسولُ يومًا من الدَّهر، ولا أحدٌ من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلَّت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا (^٢) كذا وكذا فإنه الحق. وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره وانظروا فيها، فما وافقَ قياسَ عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقَّفوا فيه وانفوه (^٣)!
ثم الرسول - ﷺ - قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة (^٤)، فقد عَلِم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكْتم به لن تضلّوا: كتاب الله» (^٥).
ورُوِي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو (^٦) من كان على مثل ما أنا
_________________
(١) (خ، ط): «وضلالة».
(٢) (ق، ف، ك، خ، ط): «أو اعتقدوا».
(٣) (ب، ق، ط): «أو انفوه».
(٤) حديث الافتراق جاء عن جماعة من الصحابة ﵃، أقواها حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٢)، وأبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٣٩٩١)، وابن حبان (٦٧٣١)، والحاكم: (١/ ١٢٨). قال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط مسلم، وصححه المصنف في «الفتاوى»: (٣/ ٣٤٥).
(٥) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر الطويل.
(٦) الأصل: «هي»
[ ١٣٢ ]
عليه اليوم وأصحابي (^١)» (^٢).
فهلَّا قال: من تمسَّك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو (^٣) بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يُحْدِثه المتكلِّمون منكم بعد القرون الثلاثة!
وإن كان نَبَغَ (^٤) أصلُ هذه المقالة في أواخر عصر التابعين. ثم أصل هذه المقالة ــ مقالة التعطيل للصفات ــ إنما هو مأخوذ من (^٥) تلامذة اليهود والمشركين، وضُلَّال الصابئين.
فإنَّ أول (^٦) من حُفِظَ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام (^٧): هو الجَعْد بن درهم، وأخذها (^٨) عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنُسِبَت مقالته (^٩) الجهمية إليه.
وقد قيل: إنَّ الجَعْد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من
_________________
(١) (ب، ق): «عليه وأصحابي».
(٢) هذا اللفظ جزء من حديث الافتراق المتقدم.
(٣) «بالقرآن أو» سقط من (خ).
(٤) الأصل: «تَبِعَ»،: (ف): «نبع».
(٥) (ف، ك، خ، ط): «عن».
(٦) (ف، ك): «فأول».
(٧) بعده في (خ): «أعني: أن الله ليس على العرش حقيقة، وإنما استوى بمعنى استولى، ونحو ذلك، أول ما ظهرت هذه المقالة من الجعد ».
(٨) (ب، ق): «واخذ». (ف، ك): «فأخذها».
(٩) (ب، ق، ك، خ، ط): «مقالة».
[ ١٣٣ ]
طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الساحر، الذي سَحَر النبيَّ - ﷺ -».
ثم أطال الشيخ ﵀ الكلامَ إلى أن قال: «والفتوى لا تحتمل البسطَ في هذا الباب، وإنما أُشير إشارةً إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير فينظر، وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلًا منه».
إلى أن قال: «وإذا كان أصلُ هذه المقالة ــ مقالة (^١) التعطيل والتأويل ــ مأخوذًا (^٢) عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيبُ نفسُ مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ [ق ٣٥] سبيلَ (^٣) هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدعَ سبيلَ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ !».
قال: «ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصَفَ اللهُ بما وصف به نفسَه أو وصفَه به رسولُه، و(^٤) بما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز (^٥) القرآنَ والحديثَ (^٦).
_________________
(١) سقطت من (ف).
(٢) (ب، ق، ك): «مأخوذ».
(٣) سقطت من (ف).
(٤) (ك): «أو».
(٥) (ف): «لا يتجاوزون».
(٦) بعده في (ك) بخط دقيق وعليه علامة اللحق: «قال الإمام أحمد ﵁ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله لا يتجاوز القرآن والحديث». وهي موجودة في (خ، ط). والظاهر أن المصنف تركها اختصارًا.
[ ١٣٤ ]
ومذهب السلف: أنهم يصفون اللهَ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل».
ثم ذكر الشيخ ﵀ جُملًا نافعةً وأصولًا جامعةً في إثبات الصفات والردِّ على الجهمية، وذَكَر من النقول عن سلف الأمة وأئمتها في إثبات العلوّ وغيره ما يضيق هذا الموضع عن ذكره.
ثم قال في آخر كلامه:
«وجِماع الأمر: أن الأقسامَ الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كلُّ قسم عليه طائفة من أهل القبلة؛ قسمان يقولون (^١): تُجْرَى على ظاهرها، وقسمان يقولون: هي على خلاف ظاهرها، وقسمان يسكتون.
أما الأولون (^٢) فقسمان:
أحدهما: من يُجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرَها من جنس صفات المخلوقين. فهؤلاء هم المشبِّهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليهم توجَّه الردُّ بالحق.
والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى، كما يجري
_________________
(١) كذا في الأصول، وفي (خ، ط): «يقولان».
(٢) (ف): «الأولان».
[ ١٣٥ ]
اسم (^١) العليم والقدير، والربّ والإله، والموجود والذات، ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى. فإنَّ ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين إما جوهر محدَث وإما عَرَض قائم به (^٢).
فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب، ونحو ذلك في حق العبد: أعْراض. والوجه واليد والعين في حقّه: أجسام.
فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأنَّ له علمًا وقدرة، وكلامًا ومشيئة، وإن لم تكن أعراضًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه ليست أجسامًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين (^٣). وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطَّابي وغيره عن السلف، وعليه يدلُّ كلامُ جمهورهم، وكلامُ الباقين لا يخالفه (^٤).
وهو أمر واضح، فإنَّ الصفات كالذات، فكما أنَّ ذاتَ الله ثابتةٌ حقيقةً من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين (^٥)، [فصفاته ثابتةٌ حقيقةً من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين] (^٦).
_________________
(١) (خ، ط): «ظاهر اسم».
(٢) (خ): «حق المخلوق إما جوهر وإما عَرَض».
(٣) «جاز المخلوقين» سقط من (خ).
(٤) «وكلام يخالفه» سقطت من (ف).
(٥) (ف، ك، خ، ط): «جنس المخلوقات».
(٦) ما بينهما ساقط من الأصل و(ب، ق)، وهو انتقال نظر، وثابت في (ف، ك، خ، ط). وفي الأخيرتين «المخلوقات».
[ ١٣٦ ]
فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودَين (^١).
قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ! ومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوفٍ تناسب ذاتَه وتلائمُ حقيقتَه، فمن لم يفهم من صفات الربّ الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضلَّ في عقله ودينه.
وما أحسن ما قال بعضُهم: إذا قال لك الجهميُّ: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك.
فقل له: كيف هو في نفسه؟
فإذا قال: لا يعلم ما هو [ق ٣٦] إلا هو، وكُنْه الباري غير معلوم للبشر.
فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم (^٢) للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن يُعْلَم (^٣) كيفية صفةٍ لموصوفٍ (^٤) لم تُعْلم كيفيته؟ وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة، على الوجه الذي ينبغي لك.
بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» (^٥). وقد أخبر الله تعالى أنه:
_________________
(١) الأصل: «المعهودتين».
(٢) الأصل: «يستلزم». و(خ): «الصفة مسبوق بكيفية».
(٣) (ك): «تعلم».
(٤) «فكيف لموصوف» سقطت من (ب). و(ك): «أن تعلم».
(٥) أخرجه ابن جرير: (١/ ٤١٦) وغيره كما في «الدر المنثور»: (١/ ٨٢).
[ ١٣٧ ]
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وقال النبي - ﷺ -: «يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلبِ بشر» (^١).
فإذا كان (^٢) نعيم الجنة ــ وهو خلقٌ من خلق الله ــ كذلك، فما الظن بالخالق ﷾؟ !
وهذه الرُّوح التي في بني آدم، قد عَلِم العاقلُ اضطرابَ الناسِ فيها، وإمساك النصوص عن بيان (^٣) كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تُسَلُّ منه وقت النَّزْع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة. لا نغالي (^٤) في تجريدها غلوّ المتفلسفة ومن وافقهم، حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبَّطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته. فعَدَم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها (^٥) بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونوا قد أخطأوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟ ! (^٦)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٧٩)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) بعده في (ف): «هذا».
(٣) «عن بيان» في (ف): «على».
(٤) (خ): «لا يقال».
(٥) ليست في (ب، ق).
(٦) بعده في (ط- الفتاوى) نص في أربعة أسطر ليس في نسخ العقود ولا (خ) ولا نسخ الحموية الأخرى.
[ ١٣٨ ]
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ــ أعني (^١) الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قطّ، وأنَّ الله لا صفةَ له ثبوتية، بل صفاته إما سلب وإما إضافة (^٢) وإمَّا مركَّبة منهما. أو يثبتون بعض الصفات، وهي السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر. أو يثبتون الأحوال دون الصفات، على ما قد عُرِف من مذاهب المتكلِّمين (^٣)؛ فهؤلاء قسمان:
قسم يتأوَّلونها ويعيّنون المراد، مثل (^٤) قولهم: «استوى» بمعنى «استولى»، أو بمعنى: علوّ المكانة والقدر (^٥)، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى (^٦): انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلِّفين (^٧).
وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها لكنَّا نعلم أنه لم يُرِد إثبات صفة خارجةٍ عما علمناه.
وأما القسمان الواقفان؛ فقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها
_________________
(١) الأصل: «عن»!
(٢) (ب، ق): «سلب وإضافة».
(٣) (خ): «من مذاهبهم».
(٤) (ف): «بمثل».
(٥) (خ): «مكانه والقدرة».
(٦) «علو بمعنى» سقطت من (ف)، وهي لحق في هامش (ك) بخط دقيق مغاير.
(٧) الأصل: «المتكلمين» قراءة مرجوحة.
[ ١٣٩ ]
اللائق بالله تعالى، ويجوز أن لا يكون المراد (^١) صفةً لله تعالى، ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
وقوم (^٢) يمسكون عن هذا كلِّه، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرجَ الرجلُ عن قسم منها.
والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثانية (^٣)؛ كالآيات والأحاديث الدالة على أنه [ق ٣٧] سبحانه فوق عرشه، ويُعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالةً لا تَحْتمل (^٤) النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض.
وتردُّد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
ومن اشتبه ذلك عليه أو غيره، فلْيَدْعُ بما رواه مسلم في «صحيحه» (^٥) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل يصلي يقول:
_________________
(١) «ظاهرها المراد» سقط من (ب، ق).
(٢) المطبوعة: «وقسم».
(٣) (ب): «الثابتة».
(٤) (ق): «لا يشتمل النقيض مع اشتمال ..».
(٥) رقم (٧٧٠).
[ ١٤٠ ]
«اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
وفي رواية لأبي (^١) داود: أنه كان يكبِّر في صلاته ثم يقول ذلك.
فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدْمَن النظرَ في كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ -، وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين= انفتح له طريقُ الهدى.
ثم إن كان قد خَبَر نهايات (^٢) إقدام المتفلسفة والمتكلِّمين في هذا الباب، وعَلِم (^٣) غالبَ ما يزعمونه برهانًا وهو شُبهة (^٤)، ورأى أن غالبَ ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركَّبة (^٥) من قياس فاسد، أو قضيَّة كُلّية لا تصحّ إلا جُزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، والتمسّك (^٦) في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة.
ثم إن ذلك إذا رُكِّب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم (^٧) يعرف
_________________
(١) (ب): «وفيما رواه أبو ..». (ق): «رواية أبي ..». والرواية في «السنن» رقم (٧٦٨).
(٢) (ف): «بنهايات».
(٣) بقية النسخ، خ، ط: «وعرف».
(٤) (ق): «شبه».
(٥) (ب، ق): «شبه مرة».
(٦) (ف، ك): «والتمثيل». (ط): «أو التمسك».
(٧) (خ): «غرّ من لم».
[ ١٤١ ]
اصطلاحهم أوهَمَت الغِرَّ ما يوهم (^١) السَّرابُ للعطشان= ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة. فإن الضدَّ يُظْهر حُسْنَه الضدُّ. وكلُّ من كان بالباطل أعلم كان للحق أشدَّ تعظيمًا وبقدره أعْرَف (^٢).
فأما المتوسِّط من المتكلّمين فيُخاف عليه ما لا يُخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته. فإنَّ من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية، فما بقي يخاف (^٣) من شيء آخر. فإذا ظهر له الحقّ وهو عطشان إليه قَبِلَه. وأمّا المتوسِّط فمتوهِّم بما تلقَّاه (^٤) من المقالات المأخوذة، تقليدًا لمعظَّمِه وتهويلًا.
وقد قال الناس: أكثر ما يفسدُ الدنيا: نصفُ متكلِّم، ونصف متفقِّه، ونصف متطبِّب، ونصف نحوي. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان.
ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة (^٥) وغيرهم ــ في الغالب ــ في قولٍ مختلف (^٦)، يؤفَكُ عنه من أُفِك، يعلم الذكيُّ منهم العاقلُ أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حُجَّته ليست بيّنة، وإنما هي كما قيل فيها:
_________________
(١) (ف، ك، خ، ط): «يوهمه».
(٢) بعده في (ط ــ الفتاوى): «إذا هُدي إليه».
(٣) (ف، ك): «يخاف عليه».
(٤) (ق، ف، ك، خ): «يلقاه». و(ط): «يتلقاه».
(٥) (ب، ق): «المتفلسفين».
(٦) (ب، ق، ف): «مؤتفك».
[ ١٤٢ ]
حُججٌ تَهافَتُ كالزّجاج تخالها حقًّا وكلٌّ كاسِرٌ مكسور (^١)
ويعلمُ البصير العالم أنهم من وجه مستحقُّون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: «حُكْمي في أهل الكلام أن [ق ٣٨] يضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم (^٢) في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام».
ومن وجه آخر إذا نظرتَ إليهم بعين (^٣) القدر ــ والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم ــ رَحِمْتَهم ورقَقْتَ لهم (^٤).
أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاء، وأُعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدةً ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
ومن كان عالمًا (^٥) بهذه الأمور تبيَّن له بذلك حِذْق السلف وعلمهم
_________________
(١) ذكره الخطابي في «الغنية» (ص/٤١)، وقريب منه من أبيات لابن الرومي في «ديوانه»: (٣/ ١١٣٩): لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم حجج تضلّ عن الهدى وتجورُ وهنَّ كآنية الزِّجاج تصادمت فهوَت وكلٌّ كاسرٌ مكسور فالقاتل المقتول ثَمَّ لضعفه ولوَهْيه والآسرُ المأسور
(٢) (ف): «عليهم». وكلمة الشافعي أخرجها ابن عبد البر في «الجامع»: (٢/ ٩٤١).
(٣) سقطت من (ب، ق). (خ): «بعين العُذْر».
(٤) (ف، ك، ب، ق، خ): «عليهم». و(ك): «ورفقت».
(٥) (خ، ط): «عليمًا».
[ ١٤٣ ]
وخبرتهم، حيث حذَّروا عن (^١) الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم. وعَلِمَ أنّ من ابتغى الهدى من (^٢) غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بُعدًا. فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين».
هذا آخر «الحموية الكبرى» وهي في ستة (^٣) كراريس بقطع نصف البلدي، ألفها الشيخ ﵀ قبل سنة سبعمائة، وعمره إذ ذاك دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الردِّ على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع، ما لا يوصف ولا يعبَّر عنه. وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة، في كتبه وغير كتبه، مع أقرانه وغيرهم، في سائر أنواع العلوم ما تضيق العبارة عنه.
وقد ذكرنا عن ابن الزَّمْلَكاني ــ فيما تقدم ــ أنه قال: ولا يعرف أنه (^٤) ناظر أحدًا فانقطع معه.
_________________
(١) (ف): «من».
(٢) (خ، ط): «في».
(٣) «في» ليست في (ف، ك). و(ب، ق، ف): «ست».
(٤) سقطت من (ك).
[ ١٤٤ ]