وقد وقفتُ على عدَّة كتبٍ بخط الشيخ، بعثها (^١) من مصر إلى والدته، وإلى أخيه لأمه: بدر الدين، وإلى غيرهما.
منها: كتاب إلى والدته يقول فيه:
من أحمد ابن تيميَّة إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينَها بنِعَمِه، وأسبغَ عليها جزيلَ كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخَدَمِه.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنَّا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهْلٌ، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلِّي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
كتابي إليكم [ق ٩١] عن نِعَم من الله عظيمة، ومِنَن كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيدَ من فضله. ونِعَم الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد (^٢)، وأياديه جلَّت عن التَّعْداد.
وتعلمون أنّ مُقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو (^٣) لأمور ضرورية، متى أهملناها فسَدَ علينا أمرُ الدين والدنيا. ولَسْنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيورُ لسِرْنا إليكم، ولكنَّ الغائب عذرُه معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ــ ولله الحمد ــ ما تختارون الساعةَ إلا ذلك، ولم
_________________
(١) (ب): «بعينها».
(٢) (ب): «جاءت تنمو زيادة».
(٣) «إنما هو» ليست في (ب).
[ ٣١٦ ]
نعزم على المُقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلَّ يوم نستخير الله تعالى في السَّفَر إليكم، فاستخيروا اللهَ (^١) لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة. فنسأل الله العظيم أن يَخِير لكم ولنا (^٢) وللمسلمين ما فيه الخِيَرة في خير وعافية.
ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال!
ونحن في كلّ وقت مُهتمُّون في السَّفَر (^٣)، مستخيرون الله ﷾. فلا يظن الظانُّ أنا نؤثِرُ على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربُكم أرجح منه، ولكن ثَمَّ أمور كبار نخاف الضررَ الخاصَّ والعامَّ من إهمالها، والشاهدُ يرى ما لا يرى الغائب.
والمطلوبُ كثرة الدّعاء بالخيرة، فإنَّ الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علَّام الغيوب.
وقد قال النبي - ﷺ -: «مِنْ سعادة ابن آدم استخارَتُه الله، ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله، وسَخَطه بما يقسم الله له» (^٤).
_________________
(١) «تعالى الله» سقطت من (ك، ط).
(٢) (ب): «يخير لنا».
(٣) (ف، ك): «مهمون بالسفر».
(٤) أخرجه بنحوه أحمد (١٤٤٤)، والترمذي (٢١٥١)، والحاكم: (١/ ٥١٣)، وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. قال الترمذي: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد وليس بالقويّ عند أهل الحديث». وصحح إسناده الحاكم.
[ ٣١٧ ]
والتاجر يكون مسافرًا، فيخاف ضياعَ بعضِ ماله، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمرٌ يَجِلُّ عن الوصف، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه (^١) وسلَّم تسليمًا.
***