وقال بعض قدماء أصحاب شيخنا ــ وقد ذكر نبذةً من سيرته ــ: أمَّا مبدأ أمرِه ونشأته، فإنّه (^١) نشأ مِن حين نشأ في حجور العلماء، راشفًا كؤوس الفهوم (^٢)، راتعًا في رياض التفقُّه ودوحات الكتب الجامعة لكل فنٍّ من الفنون، لا يلوي إلى غير المطالعة والاشتغال والأخذ بمعالي الأمور، خصوصًا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية ولوازمهما ولم يزل على ذلك خَلَفًا صالحًا سلفيًّا متألّهًا، برًّا بأُمِّه، ورعًا عفيفًا عابدًا ناسكًا صوَّامًا قوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كلِّ أمر وعلى كلِّ حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر بالمعروف.
لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا (^٣) تَرْوى من المطالعة، ولا تملُّ من الاشتغال، ولا تكلُّ عن (^٤) البحث. وقلَّ أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويُفْتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حُذَّاق أهله، معضودةً بالكتاب (^٥) والسنة.
ولقد سمعته في مبادئ أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء (^٦) أو الحالة التي تُشكل عليَّ، فأستغفر الله تعالى ألف مرَّة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر وينحلّ إشكال ما أشكل.
_________________
(١) (ك): «فقد».
(٢) (ك): «الفهم».
(٣) (ك): «فلا».
(٤) (ب، ف، ك): «من».
(٥) (ك): «مقصودة بالكتاب».
(٦) (ب، ف، ك): «أو الشيء».
[ ١٠ ]
قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو (^١) المسجد أو الدَّرْب أو المدرسة، لا (^٢) يمنعني ذلك من الذِّكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي (^٣).
قال هذا الصاحب: ولقد كنت في تلك المدة وأول النشأة إذا اجتمعتُ في خَتْمة أو مجلس ذِكْر خاصٍّ مع أحد المشايخ المذكورين، وتذاكروا وتكلم ــ مع حداثة سنه ــ أجدُ لكلامه صَولةً على القلوب، وتأثيرًا في النفوس، وهيمنة (^٤) مقبولةً ونفعًا يظهر أثره وتنفعل له النفوس التي سمعَتْه أيامًا كثيرةً بِعَقبه، حتى كأنَّ مقاله بلسان حالِه، وحالُه ظاهر له في مقاله. شهدْتُ منه ذلك (^٥) غير مرَّة.
قلت: ثم لم يبرح شيخُنا ﵀ في ازديادٍ من العلوم وملازمة للاشتغال (^٦) والإشْغال، وبثّ (^٧) العلم ونشره، والاجتهاد في سُبُل (^٨)
_________________
(١) (ب): «أو في».
(٢) (ب): «ولا».
(٣) تَعَلُّق شيخ الإسلام بالذكر أمرٌ مشهور، نقَلَه طلابه الملازمون له، قال ابن القيم في «الوابل الصيب» (ص ٩٦): «وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنِيَّة إجمام نفسي وإراحتها لأستعدّ بتلك الرّاحة لذكرٍ آخر». وانظر ما ذكره تلميذه أبو حفص البزار في «الأعلام العلية» (ص ٣٨).
(٤) (ك): «وهيبة».
(٥) (ف، ك): «ذلك منه».
(٦) (ب، ف، ك): «الاشتغال».
(٧) (ف): «ببث».
(٨) (ب): «سبيل».
[ ١١ ]