إن تُبْتلى بلئام الناس يرفَعُهم عليك دهر (^١) لأهل الفضلِ قد خانا
إني لأقسم والإسلامُ مُعْتقدي وإنني من ذوي الإيمان أيمانا:
لم ألقَ قبلك إنسانًا أُسرُّ به فلا بَرِحْتَ لعين المجد إنسانا
في أبيات كثيرة غير هذه يمدح فيها الشيخ ويذمُّ أعداءه.
***
وفي يوم الجمعة صلّى الشيخ في جامع الحاكم، وجلس فاجتمع إليه خلقٌ عظيم. وسأله بعضُهم أن يتكلَّمَ بشيء يسمعونه منه، فلم يجبهم إلى ذلك، بل كان يتبسَّم وينظر يَمْنهً ويَسْرةً.
فقال له رجل: قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فنهضَ (^٢) قائمًا، وابتدأ بخطبة الحاجة ــ خطبة ابن مسعود ــ ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: ١ - ٢] (^٣) إلى آخرها.
وتكلَّم على تفسير قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وفي معنى العبادة والاستعانة، إلى أن أذَّنَ مؤذِّن العصر.
_________________
(١) (ك، ح): «دهر عليك».
(٢) (ف، ك): «فنهض الشيخ».
(٣) (ك) زيادة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، و(ط) أكمل السورة إلى آخرها.
[ ٣١٤ ]
وفي يوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر من سنة سبع عُقِد للشيخ مجلسٌ آخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، واجتمع فيه القضاةُ وغيرهم.
وكان مما جرى في المجلس ــ فيما بلغني ــ أنه قيل للشيخ: تَسْتَغفر الله العظيم، وتتوب (^١) إليه!
فقال الشيخ: كلُّنا نستغفر الله العظيم ونتوب إليه، والتفتَ إلى رجلٍ منهم، فقال له: اسْتَغْفر الله العظيم وتُبْ إليه!
فقال: أستغفرُ الله العظيم وأتوبُ إليه، وكذلك قال لآخر ولآخر، وكلُّهم يقول كذلك!
فقيل للشيخ: تُبْ إلى الله ﷿ من كذا وكذا ــ وذُكِر له كلامٌ (^٢) ــ.
فقال: إن كنتُ قلتُ كلامًا يستوجب التوبةَ فأنا تائبٌ منه.
فقال له قائل: هذه ليست توبة.
فردَّ عليه الشيخ، وجهَّلَه، ووقع كلامٌ يطول ذكره.
ووصل كتابُ الشيخ مؤرَّخًا بليلة الجمعة الرابع عشر من الشهر، يذكر فيه أنه عُقِد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، بعد خروج مُهنَّا في يوم الخميس سادس الشهر، وأنه حَصَل فيه خير، وأن في إقامته مصالح وفوائد (^٣).
_________________
(١) (ك): «نستغفر ونتوب» خطأ. لأن مقصودهم الطلب من الشيخ.
(٢) «وذكر له كلام» ليست في (ف).
(٣) انظر ما سبق (ص ٢٦٢).
[ ٣١٥ ]