وكان القاضي شمس الدين ابن مُسَلَّم الحنبليّ (^١) ﵀، في يوم الخميس منتصف شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان عشرة وسبعمائة، قد اجتمع بالشيخ، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق. فقَبِل الشيخُ إشارته، وعرف نصيحته، وأجاب إلى ذلك.
وكان قد اجتمع بالقاضي (^٢) جماعةٌ من الكبار حتى فعل ذلك.
فلمَّا كان يوم السبت، مُسْتَهلّ جُمادى الأولى من هذه السنة، وردَ البريدُ إلى دمشق (^٣) ومعه كتابُ السُّلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق التي رآها [ق ١١٧] الشيخ تقيُّ الدين ابن تيميَّة، وأفتى بها
_________________
(١) هو محمد بن مسلّم ــ بتشديد اللام ــ بن مالك الدمشقي شمس الدين الحنبلي (٦٦٢ ــ ٧٢٦). لمَّا عُيّن للقضاء توقّف، فطلع ابن تيمية إليه ولامَه على الترك وقوَّى عزمه فأجاب بشروط، فأجيب فباشر أحسن مباشرة، وعَمَرَ الأوقاف، وحاسب العمّال. انظر «الذيل على طبقات الحنابلة»: (٤/ ٤٦٤)، و«البداية والنهاية»: (١٨/ ٢٧٤)، و«الدرر الكامنة»: (٤/ ٢٥٨).
(٢) (ك): «إلى القاضي».
(٣) «إلى دمشق» ليست في (ب).
[ ٣٩٣ ]
وصنَّف فيها، والأمرُ بعَقْد مجلسٍ في ذلك.
فعُقِد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدار السعادة، وانفصل الأمرُ على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد يوم الثلاثاء رابع الشهر المذكور.
ثمّ إنَّ الشيخ عاد إلى الإفتاء بذلك، وقال: لا يَسَعُني كتمان العلم، فلما كان في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان من سنة تسع عشرة، جُمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطة بدار السعادة، وقُرئ عليهم كتابُ السلطان. وفيه فصلٌ يتعلَّق بالشيخ بسبب الفتوى في هذه المسألة، وأُحْضِر وعُوتِبَ على فتياه بعد المنع، وأُكِّدَ عليه في المنع من ذلك.
***
فلمَّا كان بعد ذلك بمدة، في يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب سنة (^١) عشرين، عُقِدَ مجلسٌ بدار السعادة، وحضره (^٢) النائب، والقضاةُ، وجماعةٌ من المفتين (^٣)، وحضر الشيخُ، وعاودوه في الإفتاء في مسألة (^٤) الطلاق، وعاتبوه على ذلك، وحُبِسَ (^٥) بالقلعة، فبقي فيها خمسةَ أشهر وثمانية عشر يومًا.
_________________
(١) (ب، ك): «من سنة».
(٢) (ب): «حضر»، (ف، ك): «حضره».
(٣) الأصل و(ب): «المفتيين». ورد هذا الجمع بهذه الصيغة في «الرسالة» (ص ٢٧٨) للإمام الشافعي.
(٤) (ف، ك): «بمسألة».
(٥) (ف، ك): «وحبسوه».
[ ٣٩٤ ]
ثم وردَ مرسومُ السلطان بإخراجه، فأُخْرِجَ منها يوم الاثنين يوم عاشوراء، من سنة إحدى وعشرين. وتوجَّه إلى داره.
***
ثم لم يزل بعد ذلك يُعَلِّم الناس ويلقي الدَّرس بالحنبلية (^١) أحيانًا، ويُقْرأ عليه في مدرسته (^٢) بالقَصَّاعين (^٣) في أنواع العلوم (^٤).
وكنتُ أتردَّدُ إليه في هذه المدّة أحيانًا (^٥)، وقرأتُ عليه قطعةً من «الأربعين» للرازي، وشَرَحَها لي، وكتب لي على بعضها شيئًا، وكان يُقرأ عليه في تلك المدة من كتبه، وهو يُصْلح فيها، ويزيدُ وينقص.
ولقد حضرت معه يومًا في بستان الأمير فخر الدين بن الشمس لؤلؤ (^٦)،
وكان قد عمل وليمةً، وقرأتُ على الشيخ في ذلك اليوم أربعين حديثًا. وكتب بعضُ الجماعة أسماء الحاضرين، وأخذ الشيخُ بعد ذلك في
_________________
(١) المدرسة الحنبلية بدمشق، أوقفها شرف الإسلام عبد الوهاب بن أبي الفرج الحنبلي (ت ٥٣٦). انظر «الدارس في تاريخ المدارس»: (٢/ ٥٠ ــ ٦٢).
(٢) (ب): «مدرسة».
(٣) وهي دار الحديث السكريّة. انظر «الدارس في تاريخ المدارس»: (١/ ٥٦ ــ ٥٩)، وكتاب «دار الحديث السكرية سُكنى شيخ الإسلام ابن تيمية» لمحمد مطيع الحافظ.
(٤) (ف، ك): «أنواع من العلم».
(٥) كان عمر المؤلِّف حينها ستة عشر عامًا، وكونه يقرأ عليه الأربعين للرازي في هذه السنّ ما يدلّ على نبوغه المبكر ﵀.
(٦) قال ابن كثير: «متولّي البرّ، كان مشكورًا» (ت ٧٣٦). انظر «البداية والنهاية»: (١٨/ ٣٨٩ ــ ٣٩٠)، و«الدرر الكامنة»: (٣/ ٦٥).
[ ٣٩٥ ]
الكلام في أنواع العلوم؛ فَبُهِتَ الحاضرون لكلامه، واشتغلوا بذلك عن الأكل.
ومما حفظتُ من كلامه في (^١) المجلس قوله:
«يقول الله تعالى في بعض الكتب: أهلُ ذكري أهلُ مشاهدتي، وأهلُ شكري أهلُ زيادتي (^٢)، وأهلُ طاعتي أهل كرامتي، وأهلُ معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي؛ إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطَهِّرهم من المعايب» (^٣).
وحصل في ذلك المجلس خير كثير، وكان فيه غير واحد من المشايخ. واستمرَّ الشيخُ بعد ذلك على عادته.