وها أنا أذكرُ بعضَ مصنفاته، ليقف عليها من أحبَّ معرفتَها.
فمن ذلك ما جمعه في تفسير القرآن العظيم، وما جمعه من أقوال مفسِّري السَّلف الذين يذكرون الأسانيد في (^١) كتبهم، وذلك (^٢) أكثر من ثلاثين مجلدًا (^٣)، وقد بيَّض أصحابُه بعضَ ذلك، وكثيرًا منه لم يكتبوه بعدُ (^٤).
وكان ﵀ يقول: ربَّما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير (^٥)، ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا مُعَلِّم (^٦) إبراهيم علِّمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها (^٧) وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلِّم إبراهيم فهِّمْني، ويذكر قصَّة معاذ بن جبل وقوله لمالك بن يَخامِر لمَّا بكى عند موته وقال: إني لا أبكي على دنيا
_________________
(١) (ب، ق): «من».
(٢) بعده في (ك): «في».
(٣) زاد في «الكواكب»: «ولو كتب كله لبلغ خمسين مجلدًا». وقال ابن القيم في «النونية» (٣٦٧٩): إنه لا يقل عن عشر مجلدات كبار.
(٤) (ب، ق): «بعد ذلك».
(٥) وذكر ابن رشيق (ص ٣٨٣) أن شيخ الإسلام قال له مرة: وقفت على نحو خمسة وعشر (كذا ولعلها: وعشرين) تفسيرًا مسندًا.
(٦) (ف): «يا معلم آدم ويا معلم ». (ك): «يا معلم آدم وإبراهيم».
(٧) (ب، ق): «وغيرها».
[ ٣٨ ]
كنت أصيبها (^١) منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذَين كنت أتعلمهما منك. فقال: إنَّ العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما فاطلب العلم عند أربعة ــ وسمَّاهم ــ فإن أعياك العلم عند هؤلاء، فليس هو في الأرض (^٢)، فاطلبه من معلِّم إبراهيم (^٣).
قال الشيخ أبو عبد الله بن رُشَيِّق (^٤) ــ وكان من أخصِّ أصحاب
_________________
(١) (ب): «ذنب أصبتها». (ق): «أصبتها».
(٢) «فليس هو في الأرض» سقطت من (ف).
(٣) الأصل: «قاطبة من معلم». هذا كله ذكره ابن رشيق (ص ٢٨٣) وسمى الأربعة: «عند أبي الدرداء، وعبدالله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وعبدالله بن سلام». وذكره ابن القيم في «إعلام الموقعين»: (٦/ ١٩٧). أقول: هذا الأثر لم أقف عليه من رواية مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، ورواه عن معاذ جماعة، أشهرها رواية يزيد بن عَميرة الهَمْداني عن معاذ، أخرجه الترمذي (٣٨٠٤)، والنسائي في «الكبرى» (٨١٩٦)، وأحمد (٢٢١٠٤)، وابن حبان (٧١٦٥)، والحاكم: (١/ ٩٨)، والبيهقي في «المدخل» (١٠٢)، وابن سعد (٢/ ٣٠٤) وغيرهم بألفاظ مختلفة. قال الترمذي: حسن غريب. كما في «تحفة الأشراف»: (٨/ ٤١٨)، ونسخة الكروخي (ق ٢٥٨)، وفي المطبوع: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقد نسبه شيخ الإسلام لمالك بن يخامر كما في «مجموع الفتاوى»: (٤/ ٥٣١)، وتابعه تلميذه ابن القيم في «إعلام الموقعين»: (٢/ ٢٣، ٦/ ١٩٧).
(٤) هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد، سبط ابن رُشَيِّق المالكي (ت ٧٤٩) كاتب شيخ الإسلام، يقول ابن كثير: كان أبصر بخط الشيخ منه .. انظر ما كتبناه عنه في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٥٩). وهذ النقل من رسالته ــ المنسوبة خطأً لابن القيم ــ «أسماء مؤلفات ابن تيمية»: (ص ٢٨٣ وما بعدها - ضمن الجامع).
[ ٣٩ ]
شيخِنا وأكثرهم كتابة لكلامه وحرصًا على جمعه ــ: كتب الشيخ ﵀ نقولَ السَّلف مجرَّدَةً (^١) عن الاستدلال على جميع القرآن.
وكتب في أوَّله قطعةً كبيرة (^٢) بالاستدلال.
ورأيتُ له سورًا وآياتٍ يفسِّرها ويقول في بعضها (^٣): كتبته للتذكُّر ونحو ذلك.
ثم لما حُبِس في آخر عمره كتبتُ له أن يكتب على جميع القرآن مرتَّبًا (^٤) على السور، فكَتَبَ يقول: إن القرآن فيه ما هو بيِّن بنفسه، وفيه ما قد بيّنه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكل تفسيرُها على جماعةٍ من العلماء، فربّما يطالع الإنسان عليها (^٥) عدَّة كتبٍ ولا يتبيّن له تفسيرُها، وربَّما كتب المصنف الواحدُ في آية تفسيرًا ويفسِّر نظيرها بغيره (^٦)، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل لأنه أهم من غيره (^٧)، وإذا
_________________
(١) الأصل: «مخرَّجة».
(٢) (ف): «يسيرة».
(٣) (ب): «بعض».
(٤) (ف): «شيئًا».وموضعه بياض في (ك)، وبدا طرف الكلمة (تنا) ومقابله في الهامش بخط مغاير: «تفسير مرتبًا».
(٥) «عليها» ليست في (ب، ق).
(٦) (ك): «يفسر غيرها بنظيره».
(٧) طبعت فصول من هذه الآيات ضمن «مجموع الفتاوى» المجلدات (١٤، ١٥، ١٦)، ثم طبعت مستقلة مع غيرها بعنوان «تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها القول الصواب بل لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ». في مجلدين، بتحقيق عبد العزيز الخليفة. وانظر ما سيأتي (٤٣٧).
[ ٤٠ ]
تبيّن معنى آية تبيّن معاني نظيرها (^١).
وقال: قد فتح الله عليَّ في هذا الحِصْن في هذه المرَّة (^٢) من معاني القرآن وأصول (^٣) العلم بأشياء مات كثير من العلماء يتمنَّونها، وندمتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا (^٤).
وأرسل إلينا شيئًا يسيرًا مما كتبَه من هذا الجنس (^٥)، وبقي شيءٌ كثير في سَلَّة (^٦) الحُكْم عند الحُكَّام لمَّا أخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهي عندهم [ق ١٣] إلى هذا الوقت، نحو أربع عشرة رِزْمة (^٧).
_________________
(١) (ق، ف، ك): «نظائرها».
(٢) (ب، وابن رشيق): «المدة».
(٣) (ب، ف، ك): «ومن أصول».
(٤) انظر ما كتب الأستاذ محمد بن عبد الله أبو الفضل القونوي حول هذه الكلمة «وندمت على تضييع » في كتابه الماتع «موقف خليل الصفدي من ابن تيمية»: (ص ٩٣ - ٩٤).
(٥) (ك): «في هذا الحبس».
(٦) (ف): «مسئلة»، و(ك): «سنلة» تحريف. وسلة الحكم: هو المكان الذي تحفظ فيه الوثائق ونحوها، بحيث لا يخرجها ولايَطَّلع عليها إلا القاضي أو من يأذن له.
(٧) سيذكر المصنف (ص ٤٤٥) «أن هذه الكتب حُملت إلى القاضي علاء الدين القونوي (ت ٧٢٩)، وجُعلت تحت يده في المدرسة العادلية». وتوفي القونوي بعد الشيخ بسنة، فبقيت الكتب عند القاضي الشافعي، حتى خلصها منه الأمير قطلوبغا الفخري بعد أربعة عشر عامًا. قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»: (١٨/ ٤٤٠): «وفي يوم السبت ثالثه (أي ثالث شهر رجب من عام ٧٤٢) استدعى قطلوبغا الفخريُّ (الأمير قطلوبغا) القاضيَ الشافعيَّ، وألحَّ عليه في إحضار الكتب المُعْتَقَلة في سلَّة الحُكم، التي كانت أُخِذت من عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ من القلعة المنصورة في أيام جلال الدين القزويني، فأحضرها القاضي بعد جهد ومدافعة، وخاف على نفسه منه، فقبضها منه الفخري بالقصر، وأذن له في الانصراف من عنده، وهو متغضِّب عليه، وربما همَّ بعزله لممانعته إياها، وربما قال قائل: هذه فيها كلام يتعلق بمسألة الزيارة، فقال الفخري: كان الشيخ أعلم بالله وبرسوله منكم. واستبشر الفخري بإحضارها إليه، واستدعي بأخي الشيخ زين الدين عبد الرحمن، وبالشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن قيم الجوزية، وكان له سعي مشكور فيها، فهنأهما بإحضاره الكتب، وبيَّت الكتبَ تلك الليلة في خزانته للتبرُّك، وصلى به الشيخ زين الدين أخو الشيخ صلاة المغرب بالقصر، وأكرمه الفخري إكرامًا زائدًا لمحبته الشيخ ﵀» اهـ.
[ ٤١ ]
ثم ذكر الشيخ أبو عبد الله ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ (^١).
قلت: ومن مصنَّفاته: كتاب «بيان (^٢) تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» في ستّ مجلدات، وبعض النسخ منه (^٣) في أكثر من ذلك.
وهو كتاب جليل المقدار، معدوم النَّظير، كشف الشيخُ فيه أسرار الجهمية، وهتَكَ أستارَهم. ولو رحل (^٤) طالب العلم لأجل تحصيله من (^٥)
_________________
(١) انظر ما ذكره ابن رشيق في كتابه (ص ٢٨٤ - ٢٩٤ - ضمن الجامع). وبهامش (ك) دون علامة لحق أو تصحيح ما نصه: «ومن مصنفاته تفسير سورة الصمد، وجواب سؤال عن كلام الله تعالى هل يتفاضل».
(٢) «بيان» ليست في (ب، ق).
(٣) بقية النسخ: «به». وهذا الكتاب ردٌّ على كتاب «أساس التقديس» للرازي. ذكره ابن رشيّق (ص ٢٩٥). وقد طبع ما وجد من كتاب الشيخ في عشر مجلدات عن مجمع الملك فهد، بتحقيق مجموعة من الباحثين.
(٤) (ك): «رحل رجل».
(٥) (ط): «إلى».
[ ٤٢ ]
الصين ما ضاعت رحلتُه (^١).
ومنها: كتاب «منهاج السنَّة النبويَّة في نقضِ كلام الشِّيَعِ القدرية» (^٢) في ثلاث مجلَّدات، وبعض النسخ في أربع مجلدات (^٣).
ردَّ فيه على ابن المُطَهَّر الرَّافضي (^٤)، وبيَّن جهل الرَّافضة وضلالتَهم (^٥)، وكذبَهم وافتراءَهم.
ومنها: كتاب «جواب الاعتراضات المصريَّة على الفُتْيا الحمويَّة» في أربع مجلَّدات، وبعض النُّسَخ به (^٦) في أقلّ (^٧).
_________________
(١) وذكره ابن القيم في النونية فقال: وكذلك التأسيس أصبح «نقضه» أُعجوبة للعالم الرباني
(٢) (ف): «والقدرية»، (ط): «الشيعة». وقد نص الشيخ في أثناء كتابه على اسمه فقال: «ولهذا جُعِل هذا الكتاب: منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشِّيَع والقدريَّة». «المنهاج»: (٢/ ١٩٩).
(٣) صدر في تسع مجلدات عن جامعة الإمام بالرياض، بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
(٤) هو: حسن (أو حسين) بن يوسف بن مطهر الحلي العراقي أبو منصور (ت ٧٢٦) له تصانيف كثيرة. وكتابه المردود عليه هو «منهاج الكرامة ــ ويقال: الاستقامة ــ في معرفة (أو إثبات) الإمامة». ترجمته في «البداية والنهاية»: (١٨/ ٢٧١ - ٢٧٢) و«الدرر الكامنة»: (٢/ ٧١ - ٧٢).
(٥) (ب، ق): «وضلالهم».
(٦) ليست في (ب، ق).
(٧) وكذا قال ابن رشيق (ص ٢٩٤): في أربع مجلدات، وقيل: في ست مجلدات كما قال ابن القيم في نونيته: وكذاك أجوبة له مصرية في ست أسفار كُتِبْن سمان والمردود عليه هو: القاضي شمس الدين أحمد بن إبراهيم السَّرُوجي الحنفي (ت ٧١٠) وصفه شيخ الإسلام بأفضل القضاة المعارضين. انظر «بيان تلبيس الجهمية»: (١/ ٦). وترجمته في «الجواهر المضية»: (١/ ١٢٣) للقرشي، و«البداية والنهاية»: (١٨/ ١٠٧). وقد نُشِرت منه قطعتان في مجلد لطيف ضمن هذا المشروع (آثار شيخ الإسلام ابن تيمية)، بتحقيق صديقنا البحاثة الشيخ محمد عزير شمس.
[ ٤٣ ]
وهو كتاب عزيز الفوائد سهل التناول.
ومنها: كتاب الردّ على النصارى سمَّاه «الجواب الصّحيح لمن بدَّل دينَ المسيح» في مجلدين، وبعض النسخ منه (^١) في ثلاث مجلدات، وبعضها في أكثر (^٢). وكذلك كثير من كتبه الكبار تختلف النُّسَخُ بها.
وهذا الكتاب من أجلِّ الكتب وأكثرها فوائد، ويشتمل على تثبيت النبوات وتقريرها بالبراهين النَّيِّرة الواضحة، وعلى تفسير آيٍ كثير من القرآن، وعلى غير ذلك من المهمَّات.
ومنها: كتاب «الإيمان» في مجلد (^٣). وهو كتاب عظيم لم يُسْبَق إلى
_________________
(١) (ق، ف، ك): «به». وسقطت «منه» من (ب)، و«في» سقطت من (ف).
(٢) وقد كتبه الشيخُ ردًّا على كتاب ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتجّ به علماء دينهم قديمًا وحديثًا. كما ذكر في مقدمته: (١/ ٩٨). وقد صدر الكتاب عن دار العاصمة محققًا في سبع مجلدات، بتحقيق ثلاثة من الباحثين.
(٣) مطبوع في «الفتاوى»: (٧/ ٤ - ٤٦٠)، وطبع مستقلًاّ مرات، وحقق في رسالة جامعية ولم تطبع حتى الآن. ويسمى «الإيمان الكبير»، وهو غير «الإيمان الأوسط» الآتي ذكره (ص ١٠٥).
[ ٤٤ ]