الحق والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغةً ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد ولا لَحَظْتها في فقيه.
وقال في مكان آخر ــ ذَكَر فيه ترجمةً طويلة للشيخ قبل وفاة الشيخ بدهر طويل (^١) ــ: «قلت: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفردَ به، فلا يبلغ أحدٌ في العصر رتبتَه ولا يقاربه. وهو عجَبٌ في استحضاره واستخراج الحُجَج منه، وإليه المنتهى في عَزْوه (^٢) إلى الكتب الستة و«المسند»، بحيث يَصْدُق عليه أن يقال: كلُّ حديثٍ لا يعرفه ابن تيميَّة فليس بحديث، ولكنَّ الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه (^٣) من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
_________________
(١) في «الدرة اليتيمية ــ ضمن تكملة الجامع» (ص ٣٨ - ٤٠). ومن قوله: «وقال في مكان ..» إلى هنا سقط من (ب).
(٢) ضبطها في الأصل «عُزُوِّه»!
(٣) ليست في (ب، ق، ك).
[ ٣٥ ]
وأما التفسير فمسلَّمٌ إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن وقتَ إقامة الدَّليل بها على المسألة قوَّة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحيَّر فيه. ولِفَرْط إمامته في التفسير ولعَظَمة اطِّلاعه يبيّن خطأ كثيرٍ (^١) من أقوال المفسِّرين، ويوهِّي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دلَّ عليه القرآنُ والحديث.
ويكتب في اليوم والليلة (^٢) من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين (^٣) أو من الرَّدّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أَزْيَد. وما أُبْعِد أنَّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدة (^٤). وله في غير مسألةٍ مصنَّف مفرد (^٥) في مجلد ــ ثم ذكر بعض تصانيفه ــ وقال: ومنها كتابٌ في الموافقة بين المعقول والمنقول، في مجلدتين (^٦).
قلت: هذا الكتاب ــ وهو كتاب «درء تعارض العقل والنقل» ــ في أربع مجلدات كبار، وبعض النُّسَخ به في أكثر من أربع مجلدات. وهو كتابٌ
_________________
(١) بقية النسخ: «وعظمة كثيرًا».
(٢) (ك): «والليل».
(٣) (أ، ف، ك): «الأصولين». والمثبت من (ب، ق، جزء الذهبي).
(٤) (ف): «مجلد».
(٥) زيادة «مفرد» من بقية النسخ، وجزء الذهبي. وفي (ك): «.. غير المسألة». والكتب المفردة التي ذكرها الذهبي هي: مصنف في مسألة التحليل (بيان الدليل في بطلان التحليل)، ومصنف في مسألة حفير، ومصنف في من سبّ الرسل (الصارم المسلول)، واقتضاء الصراط المستقيم. وانظر ما سبق (ص ١٤ - ١٥).
(٦) (ك): «مجلدين». هنا انتهى النقل عن الذهبي.
[ ٣٦ ]
حافلٌ عظيم المقدار، ردَّ الشيخُ فيه على الفلاسفة والمتكلِّمين (^١).
وله كتابٌ في نحو مجلد أجاب فيه عمَّا أورده [ق ١٢] كمال الدين ابن الشَّرِيشي (^٢) على هذا الكتاب (^٣).
وللشيخ ﵀ من المصنَّفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرَّسائل، وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من متقدِّمي الأئمة (^٤) ولا متأخِّريها جَمَع مثل ما جمع، ولا صنَّف نحوَ ما صنَّف ولا قريبًا من ذلك (^٥)، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثيرًا منها صنَّفه في الحبس (^٦)، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب.
_________________
(١) طبع الكتاب في جامعة الإمام بالرياض في أحد عشر مجلدًا، بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. وفيه يقول ابن القيم في نونيته: واقرأ كتاب (العقل والنقل) الذي ما في الوجود له نظير ثاني
(٢) هو: أحمد بن محمد بن أحمد البكري كمال الدين الشريشي الشافعي القاضي (ت ٧١٨). انظر «ذيل تاريخ الإسلام» (ص ١٥٠ - ١٥١)، و«الدرر الكامنة»: (١/ ٢٥٢).
(٣) ذكره ابن رشيق (ص ٢٩٥ - ضمن الجامع).
(٤) كذا في الأصل ومختصره «الكواكب» (ص ٧٧)، وفي بقية النسخ: «الأمة»، و(ف): «متقدم الأمة».
(٥) قال الحافظ الذهبي في «السير»: (٢١/ ٣٦٧) في ترجمة ابن الجوزي: «ما عرفت أحدًا صنف ما صنف». أقول: المكثرون من التصانيف جمعهم جميل العظم في «عقود الجوهر»، ومحمد خير في رسالة له في ذلك. ولا ريب أن شيخ الإسلام من أكثرهم تصنيفًا، وأقواهم مادة وبحثًا.
(٦) (ف): « بالحبس». (ك): «وكثير ..».
[ ٣٧ ]