وقال الذهبيُّ في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ (^٤): ولمّا صنَّف «المسألة الحموية» في الصفات سنة ثمان وتسعين، تحزَّبوا له، وآل بهم الأمرُ إلى أن طافوا بها (^٥) على قصبة من جهة القاضي الحنفي، ونُودي عليه بأن لا يُسْتَفتى. ثم قام بنصره طائفةٌ آخرون، وسلَّم الله.
_________________
(١) (ب، ق، ف): «الأطواق».
(٢) (ف، ك): «رقبته».
(٣) (ف): «طريقهم».
(٤) «في ترجمة الشيخ» سقطت من (ف)، وتكرر قوله: «في أثناء كلامه». وكلام الذهبي في «الدرة اليتيمية - ضمن تكملة الجامع»: (ص ٤٢).
(٥) (ف، ك): «به».
[ ٢٤٩ ]
فلمّا كان سنة (^١) خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يُسأل عن مُعْتقده، فجُمِعَ له القُضاةُ والعلماءُ بمجلس نائب دمشق الأفرم.
فقال: أنا كنتُ سُئِلْتُ عن مُعتقد السنَّة (^٢)، فأجبتُ عنه في جزءٍ من سنين، وطَلَبه من داره، فأُحضِرَ، وقرأه.
فنازعوه في موضعين أو ثلاثة منه، وطال المجلس، فقاموا واجتمعوا مرَّتين أيضًا لتتمة الجزء، وحاققوه، ثم وقع الاتفاقُ على أنَّ هذا مُعْتَقدٌ سلفيٌّ جَيِّد. وبعضُهم قال ذلك كُرْهًا.
وكان المصريُّون قد سَعَوا في أمر الشيخ، ومالأوا الأمير رُكن الدين الشاشنكير (^٣) ــ الذي تَسَلْطن ــ عليه، فطُلِب إلى مصر على البريد.
فثاني يوم دخوله اجتمعَ القُضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصبَ ابنُ عَدْلان (^٤) له خصمًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوفٍ (^٥) المالكي: أنَّ
_________________
(١) (ق، ف، والدرة): «في سنة».
(٢) (ق، ف، ك، والدرة): «كنت قد ..». و(ف، ك): «معتقد أهل السنة».
(٣) هو: بيبرس بن عبد الله المنصوري، ركن الدين. كان من أمراء المماليك، تسلطن بعد خلع الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٠٨، ولم يطل أمره في الملك فلم يكمل السنة، وأمسكه الملك الناصر وأُحْضِر بين يديه وخَنَقه بوترٍ كان بيده سنة (٧٠٩). انظر «أعيان العصر»: (٢/ ٧١ - ٧٥)، و«مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة»: (٢/ ٥٩ - ٦٣).
(٤) هو: محمد بن أحمد بن عثمان، الكناني المصري الشافعي، من الفقهاء، كان مقربًا من الجاشنكير، له شرح على مختصر المزني ــ مخطوط. توفي سنة (٧٤٩) عن نحو تسعين عامًا. انظر «أعيان العصر»: (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٩). و«الدرر الكامنة»: (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٥) (ك): «ابن مخلوف القاضي». وهو: علي بن مخلوف بن ناهض النُّويري المالكي، ولي القضاء، وعيب عليه قلة العلم، والتسرّع في الأحكام (ت ٧١٨). انظر «رفع الإصر»: (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و«أعيان العصر»: (٣/ ٥٤٣ - ٥٤٥). وقد قال عنه شيخ الإسلام: إنه قليل العلم والدين. «مجموع الفتاوى»: (٣/ ٢٣٥).
[ ٢٥٠ ]
هذا يقول: إنَّ الله تكلَّم بالقرآن بحرفٍ وصوتٍ، وأنَّه تعالى على العرش بذاته، وأنَّ الله يُشارُ إليه الإشارة الحِسِّيَّة.
وقال: أطلبُ عقوبته على ذلك.
فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟
فحمد الله وأثنى عليه. فقيل له: أسْرِع، ما أحضرناك لتخْطُب!
فقال: أُمْنَع من الثناء على الله؟ !
فقال القاضي: أجِبْ، فقد حمدتَ اللهَ.
فسكتَ، فألحَّ عليه.
فقال: مَن الحاكم فيَّ (^١)؟
فأشاروا له إلى القاضي ابن مخلوف.
فقال: أنت خَصْمي، كيف تحكمُ فيَّ؟ وغضبَ وانزعجَ، وأُسْكِتَ القاضي.
فأقيمَ الشيخُ وأخواه، وسُجنوا بالجُبِّ بقلعة الجبل، وجرت أمورٌ طويلة.
وكُتِبَ إلى الشام كتابٌ سلطانيٌّ بالحطِّ (^٢) عليه، فقرئ بالجامع، وتألَّم
_________________
(١) (ب، ق، ف): «فمن الحاكم »، و«فيّ» سقطت من (ب، ق).
(٢) (ك): «بالخط».
[ ٢٥١ ]
الناسُ له. ثم بقي سنةً ونصفًا، وأُخرج، وكتب لهم ألفاظًا اقترحوها عليه، وهُدِّد أو (^١) تُوُعِّد بالقتل إن لم يكتبها (^٢).
وأقام بمصر يُقرئ العلمَ ويجتمع خلقٌ (^٣) عنده، إلى أن تكلَّم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهم ابنُ سبعين وابنُ عربي والقُونويُّ وأشباههُم (^٤)، فتحزَّب عليه صوفيَّةٌ وفقراءُ، وسعوا فيه، وأنَّه تكلَّم (^٥) في صفوة الأولياء. فعُمِل له محفل، ثم أخرجوه على البريد، ثم ردُّوه على مرحلةٍ من مصر، ورأوا مصلحَتهم في اعتقاله، فسجنوه في حبس القُضاة سنةً ونصفًا.
_________________
(١) بقية النسخ: «وهُدّد وتُوعد».
(٢) في تفصيل هذه الحادثة، وتحرير ما وقع فيها انظر مقدمة «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ــ ط الثالثة»: (ص ٣٩ - ٤٧).
(٣) (ك): «عنده خلق».
(٤) ابن سبعين هو: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد الأشبيلي، من متصوّفة الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف في التصوف والفلسفة (ت ٦٦٩). انظر «تاريخ الإسلام»: (١٥/ ١٦٨). وابن عربي هو: محمد بن علي بن محمد بن عربي الطائي الأندلسي، محيي الدين الحاتمي، يلقب بالشيخ الأكبر، من كبار المتصوّفة القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف كثيرة. (ت ٦٣٨). انظر «تاريخ الإسلام»: (١٤/ ٢٧٣). والقونوي هو: محمد بن إسحاق بن محمد، صدر الدين القونوي الرومي، من كبار تلاميذ ابن عربي، تزوّج ابنُ عربيّ أمَّه وربّاه، وله مصنفات كثيرة في التصوف (ت ٦٧٣). انظر «تاريخ الإسلام»: (١٥/ ٢٦٦).
(٥) (ب، ق): «يتكلم».
[ ٢٥٢ ]
فجعل أصحابُه يدخلون إليه في السِّرِّ، ثم تظاهروا، فأخرجته الدولة على البريد إلى الإسكندرية، وحُبِس ببرج منها، وشِيْع (^١) بأنه قتل، وأنَّه غرق، غيرَ مرَّةٍ.
فلما عادَ السلطانُ ــ أيَّده الله ــ من الكَرْك، وأبادَ أضْدَادَه، بادر باستحضار الشيخ إلى القاهرة مكرَّمًا. واجتمعَ به وحادَثَه، وسارَّه بحضرة القضاة والكبار، وزادَ في إكرامه.
ثم نزلَ وسكنَ في دارٍ، واجتمع بعد ذلك بالسلطان، ولم يكن الشيخ من رجال الدُّوَل، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم (^٢) يعد السلطانُ يجتمع به، فلما قَدِمَ السلطانُ لكشف العدو عن الرَّحَبة جاء الشيخُ إلى دمشق سنة اثنتي عشرة وسبعمائة (^٣). ثم جَرَت أمورٌ ومِحَن. انتهى كلامه.