وفي هذه المدة التي كان الشيخ فيها بالقلعة توفي أخوه الشيخ الإمام (^٢) العلامة البارع، الحافظ الزاهد (^٣) الورع، جمال الإسلام، شرف الدين أبومحمد عبد الله. توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الأولى من سنة سبعٍ وعشرين وسبعمائة. وصُلِّيَ عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى باب القلعة، فصُلِّيَ عليه مرَّة أخرى، وصلَّى عليه أخوه (^٤)، وخَلْق من داخل القلعة، وكان الصوتُ بالتكبير يبلغهم (^٥)، وكثر البكاء في تلك الساعة، وكان وقتًا مشهودًا. ثم صُلِّي عليه مرَّةً ثالثة ورابعةً، وحُمِلَ على الرؤوس والأصابع إلى مقبرة الصوفية، فدُفِنَ بها. وحضر جنازتَه جمعٌ كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناءُ والتأسُّف [ق ١٣٠] عليه.
وكان ــ ﵀ ــ صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير، شريف النفس، شجاعًا مِقْدامًا مجاهدًا، بارعًا في الفقه، إمامًا في النحو، مستحضرًا لتراجم السلف ووفياتهم، له في ذلك يدٌ طولى، عالمًا بالتواريخ المتقدمة والمتأخرة. وكان ــ ﵀ ــ شديد الخوف والشَّفقة على أخيه شيخ الإسلام.
_________________
(١) توفي سنة (٧٢٧). ترجمته في «أعيان العصر»: (٢/ ٦٩٢)، و«الذيل على طبقات الحنابلة»: (٤/ ٤٧٧)، و«الدرر الكامنة»: (٢/ ٢٦٦).
(٢) «الشيخ» ليست في (ب)، و(ف، ك، ط): زيادة «العالم».
(٣) بعده في (ب): «العابد».
(٤) بقية النسخ: «أخواه».
(٥) (ف، ك، ط): «يبلغهما».
[ ٤٣٦ ]
وكان يخرجُ من بيته ليلًا، ويرجع إليه ليلًا، ولا يجلس في مكان معيَّن، بحيث يُقْصد فيه، ولكنه (^١) يأوي إلى المساجد المهجورة، والأماكن التي ليست بمشهورة.
وكان كثير العبادة والتألُّه، والمراقبة والخوف من الله. ولم يزل على ذلك إلى حين مرضه ووفاته.
ومولده في اليوم الحادي عشر من المحرم سنة ستٍّ وستين وستمائة بحرَّان.
وسمع من [ابن] أبي (^٢) اليُسر، والجمال عبد الرحمن البغدادي، وابن الصيرفي، والشيخ شمس الدين، وابن البخاري، وخلق كثير.
وحدَّث وسمع الكتب الكبار.
وقد سُئل عنه الشيخ كمال الدين ابن الزّملكاني، فقال: هو بارعٌ في فنون عديدة؛ من الفقه، والنحو، والأصول، ملازمٌ لأنواع الخير وتعليم العلم، حسن العبادة (^٣)، قويٌّ في دينه، جيِّد التفقُّه، مُسْتحضرٌ (^٤) لمذهبه استحضارًا جيِّدًا، مليحُ البحث (^٥)، صحيحُ الذِّهن، قويُّ الفهم.
***
_________________
(١) (ف): «ولكنه كان».
(٢) الأصل: «من أبي اليُسر»، (ب): «من ابن اليسر». والإصلاح من بقية النسخ، وقد سبق على الصواب في أول الكتاب.
(٣) تحتمل في الأصل: «العبارة».
(٤) (ف، ك): «مستحضرًا».
(٥) «جيد. . . البحث» سقط من (ب).
[ ٤٣٧ ]