وقد دَبَّت إليه عقاربُ مكره، فردَّ الله كيد كلٍّ في نحره، فنجَّاه (^١) على يد من اصطفاه، والله غالب على أمره.
ثم لم يَخْلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلّا إلى محنة، إلى أن فُوِّض أمرُه لبعض القضاة فتقلّد ما تقلَّد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه (^٢) ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله تُرْجَع الأمور، وهو المطَّلع على خائنة الأعين وما تُخْفي الصدور.
وكان يومه مشهودًا؛ ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها (^٣) المسلمون [ق ٦] من كلِّ فجٍّ عميق، يتبرّكون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسَّكون بشَرْجَعِه (^٤) حتى كسروا تلك الأعواد، وذلك في ليلة العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق المحروسة.
وكان مولده بحرّان في عاشر شهر (^٥) ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة رحمه الله تعالى (^٦).
ثم قال: قرأت على الشيخ الإمام، حامل راية العلوم، ومُدْرِك غاية الفهوم، تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن
_________________
(١) (ب، ف، ك): «ونجاه».
(٢) (ف): «بمجلسه».
(٣) (ف): «وانتحابه».
(٤) الشرجع: السرير الذي يُحمل عليه الميت. «لسان العرب» (٨/ ١٧٩).
(٥) «شهر» ليست في (ب، ف، ك).
(٦) (ف، ك، ب): «﵀ وإيانا».
[ ١٨ ]
تيميَّة ﵀ بالقاهرة ــ قدم علينا ــ قلت له: أخبركم الشيخ الإمام زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، ثم ذكر حديثًا من «جزء ابن عرفة» (^١).
وقال الشيخ عَلَم الدين البِرْزالي في «معجم شيوخه» (^٢):
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله (^٣) ابن أبي القاسم بن محمد ابن تيميَّة الحراني، الشيخ تقي الدين أبو العباس، الإمام المُجْمع على فضله ونُبْله (^٤) ودينه، قرأ القرآن (^٥) وبرع فيه، والعربية والأصول، ومَهَر في عِلْمَي التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يُلْحَق غبارُه في كلّ شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين.
وكان إذا ذَكَر (^٦) التفسير أبْهَتَ الناسَ من كثرة محفوظه وحُسْن إيراده،
_________________
(١) من قوله: «ثم قال » إلى هنا سقط من (ب).
(٢) نقل هذا النص أيضًا من «معجم شيوخ البرزالي» ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» (ص ٢١٨). وهذا المعجم خَرَّجه البرزالي لنفسه وذكر فيه ثلاثة آلاف شيخ: ألفان بالسماع وألف بالإجازة. وقد أنشد فيه الذهبي: إن رمتَ تفتيش الخزائن كلها وظهور أجزاء حوت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا طالع أو اسمع معجم البرزالي انظر «الدرر الكامنة»: (٣/ ٢٣٧)، و«الرد الوافر» (ص ٢١٧).
(٣) «بن عبد الله» سقط من (ب).
(٤) (ك): «ذبله» تحريف.
(٥) (ف، ك): «قرأ الفقه».
(٦) (ف): «ذاكر».
[ ١٩ ]
وإعطائه كلَّ قولٍ ما يستحقّه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كلِّ علم. كان الحاضرون يقضون منه العجب، هذا مع انقطاعه إلى الزّهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى، والتجرّد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى.
وكان يجلس في صبيحة كلِّ جمعة على الناس يُفَسِّر القرآن العظيم، فانتفع بمجلسه، وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصدق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله، وأنابَ إلى الله خلقٌ كثير. وجرى على طريقة (^١) واحدة من اختيار الفقر والتقلُّل (^٢) من الدنيا، وردّ ما يُفْتَح به عليه.
وقال في موضع آخر: كان قد نظم شيئًا يسيرًا في صغره وكتبت عنه إذ ذاك، ثم إنه ترك ذلك وأعرض عنه.
وسُئل عن مسألةِ القَدَر بنظمٍ، فأجاب فيها بنظم (^٣)،
وقد قُرئ عليه وسُمِع منه.
وحلّ لُغز الرّشيد الفارقيّ بأبيات تشتمل على نحو مائة بيت على وزن اللغز، وذلك في حياة والده رحمه الله تعالى، وله نحو العشرين من العمر،
_________________
(١) (ف، ك): «طريق».
(٢) (ف): «والتقليل».
(٣) يعني الأبيات التي نُظِمت على لسان ذمّي في إنكار القدر، ومطلعها: أيا علماء الدين ذِمّي دينكم تحيَّر دلّوه بأعظم حجة وهي في «مجموع الفتاوى»: (٨/ ٢٤٥ ــ ٢٥٥). وقد سأل شيخَ الإسلام عيسى بن إبراهيم الماردي الشاعر سؤالًا منظومًا في القدر في عدة أبيات، فأجاب عنه الشيخ نثرًا. انظر «مجموع الفتاوى»: (٨/ ٤٤٨ ــ ٥١٦)، و«الدرر الكامنة»: (٣/ ٢٠٠ ــ ٢٠١).
[ ٢٠ ]