المشرق فأخذ فيه الحديث عن جماعة ودرس بمصر ثم رجع لمدينة فاس وبقي فيها مدة ثم ارتحل بأهله إلى المشرق واستوطن المدينة الشريفة وبها توفي سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة وألف.
وأما الفقيه المشارك سيدي محمد بن حمدون بناني الفاسي فكان ﵀ عالما علامة متفننا للمسائل محققا لها بارعا في الفنون مشاركا فيها يحسن الكلام على المسائل غير أنه ﵀ كان قليل الإقراء والتدريس وله تآليف مفيدة وتقاييد عجيبة منها شرح خطبة الألفية شرحها شرحا عجيبا حافلا أبدع فيه ما شاء الله ومنها شرح البسملة والحمدلة سماه الفوائد المسجلة في شرح البسملة والحمدلة ومنها شرح الأنصارية في علم الكلام وله تقاييد كثيرة وأسئله وأجوبه دلت على تحقيقه وبراعه فهمه توفي ﵀ سنة إحدى وأربعين ومائة وألف.
وأما الفقيه الاجل سيدي محمد بن محمد ميارة الفاسي فكان ﵀ عالما متفننا مشاركا في الفنون عالما بصناعة التوثيق ذا فهم ويقظة في العلوم غير أنه ﵀ كان قليل الإقراء وأكثر إقرائه وتدريسه في العلوم العقلية وهو حفيد مياره شارح العاصمية والزقاقيه وغيرها توفي والله أعلم سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف.
وأما الفقيه المحدث سيدي علي الحريشي فكان ﵀ عالما متواضعا محدثا يغلب عليه علم الحديث وأكثر إقرائه فيه وله تآليف عديدة منها شرح الشمائل، ومنها شرح الشفاء، توفي ﵀ والله أعلم سنة
[ ١٦ ]
أربع وأربعين ومائة وألف. وكنت مع ذلك في أثناء هذه المدة التي أقمت فيها بمدينة فاس أقرأ الطلبة وأدرس لهم في الفقه وغيره فكنت أقرئهم ألفية ابن مالك مرارا مرة بالمدرسة المصباحية لأني كنت ساكنا فيها في أكثر المدة التي أقمتها بمدينة فاس ومرة في جامع القرويين قراءة بحث وتحقيق وأقرأتهم الأجرومية مرارا وأقرأتهم أيضا أرجوزة في السلم في المنطق مرارا قراءة بحث وتحقيق مع التعرض لكثير مما وقع لشارحه سيدي سعيد قدورة حتى قيدوا على تقييدات نفيسة في ذلك وأقرأتهم أيضا مختصر الشيخ السنوسي في المنطق مرارا وأقرأتهم تلخيص المفتاح في علم المعاني والبيان وأقرأتهم جمع الجوامع في علم الأصول لابن السبكي وأقرأتهم أيضا رسالة الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبى زيد مرة في المدرسة المصباحية ومرة أخرى في جامع القرويين ولما كثر علي الطلبة جدا وعجزت أن أسمع آخرهم ومن كان في الطرف منهم لكثرتهم اتخذوا لي كرسيا أجلس عليه لأسمع الجميع وكان ذلك الكرسي في الموضع المرتفع من جامع القرويين وراء الخصة الموالية لدرب ابن حيون وبقيت في تدريس خطبة الرسالة في هذه المرة الثانية أكثر من شهرين لأني كنت أطول في نقل كلام الأئمة وشروحها وما يرد عليه من الأبحاث لكون الطلبة طلبوا مني ذلك وكان الطلبة يزدحمون على مجلسي في التدريس ويرغبون فيه لا لكوني أفقه من غيري بل غيري أفقه مني وأحسن ولكن لكوني كنت أوضح لهم المسائل وأفهمها وأبينها لهم جهدي بعبارة سهلة وأختار الفهم والبيان لهم على تحسين العبارة والتأنق فيها بنية خالصة فانتفعوا بسبب ذلك علي انتفاعا كثيرا فالله يحسن نيتنا ويتقبل سعينا،
[ ١٧ ]