أولا - مخطوطاته:
١ " - لم أحفل بالبحث عن مخطوطات " الكاشف "، لعلمي أنها كثيرة جدا، ويغلب على ظني إنه ما من مركز للمخطوطات إلا وفيه نسخة أو نسخ منه، وقد حصلت والحمد لله على ما اغناني عن هذه الكثرة،
وهو أصل المصنف الذي كتبه بيده، واستقر عليه أخيرا، فانه جاء في آخره قوله: " فرغت من اختصاره بعد العصر يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة عشرين وسبعمائة، وهذا المختصر في قدر عشر الاصل ".
ثم كتب عن يمين هذا الكلام: " فرغ الذهبي من هذه نسخة سنة تسع وعشرين ".
فهذه هي الصياغة الاخيرة للكتاب، بدليل اعتماده هذه النسخة وإضافاته الكثيرة عليها، وآخر ما أضافه ترجمة مجاهد بن رباح، ولرخ ذلك سنة ٤٣، أي: وسبعمائة، فيكون ذلك قبل وفاته بخمس سنين.
ومع ذلك فقد تجمع لدي منه خمس نسخ سوى أصل المصنف، نسختان من حلب، وثلاث من معهد المخطوطات العربية بمصر، وهذه كلمات موجزة عنها: النسخة الحلبية الاولى: هي نسخة العلامة ابن الاسكندري، وهو مصري كما هو واضح من نسبته وشهرته، ويبدو أن أصله إسكندري، منشاه بلبيسي، وكان البرهان الحلبي احضر معه هذه النسخة إلى حلب حين مر ببلبيس، من مدن مصر، فانه دخلها في رحلته إلى مصر للمرة الاولى والثانية، ثم كتب عليها حواشيه وفوائده.
وقد تقدم وصفها والكلام عليها باستيفاء ص ١٤٤ - ١٤٧، والحمد لله.
النسخة الحلبية الثانية: وهي من محفوظات المكتبة الاحمدية بحلب، ويقع نص الكتاب في ٢١٩ النسخة الحلبية الثانية: وهي من محفوظات المكتبة الاحمدية بحلب، ويقع نص الكتاب في ٢١٩ ورقة، سوى ما ألحق باولها، وجاء في آخرها: " تم " الكاشف " والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وذلك يوم الاحد السابع والعشرين من جمادى الاولى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وكتبه العبد الفقير إلى الله سبحانه الراجي عفوه وغفرانه: عثمان بن محمد بن الحسين الحراني نسبا، الاذرعي مولدا، الشافعي مذهبا، عفا الله عنه وعن والديه تكرما، وعن سائر المسلمين، آمين رب العالمين ".
[ ١٥١ ]
وهي نسخة مقابلة، كتب على حواشي صفحاتها علامات المقابلة " بلغ مقابلة " وكتب في آخرها:
" قابلت هذا الكتاب من أوله إلى آخره على نسخة أصله حسب الطاقة مقابلة صحيحة "، وكان فراغها يوم الجمعة السابع عشر من ذي القعدة نة إحدى وأربعين وسبعمائة، وكتب هذه الاحرف الفقير إلى الله تعليا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن باتاجوك الشافعي، حامدا لله تعالى ومصليا على نبيه محمد وآله ومسلما ".
وكتب على الورقة الاولى: " ملكه من من مولاه المعين العبد الحقير ياسين بن السيد محمد البكفالوني الاصل، الادلبي المنشا، ليلة عرفة سنة إحدى عشرة ومائة ألف ".
ثم في الورقة الثانية: أسماء الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة، ثم كتب في صفحة وبعض الصفحة التالية لها الارقام الحسابية من الواحد إلى العشرة، على وفق كتابتها بالقلم الهندي، وقد لخصتها فيما تقدم ص ٨٧.
وقد نقل صاحبها البكفالوني بعض حواشي البرهان، وهي قليلة جدا محصورة في الصفحات الاربع الاولى، وعددها ١٩ حاشية بما فيها الكلمات الداخلة بين الاسطر، وفي بعضها خطا قليل، وقد صرح باسم البرهان السبط في حاشيتين منها.
وتوقفت الفوائد والحواشي بعد ذلك، فلا تجد على حواشي الصفحة إلا علامة المقابلة فقط.
وليس فيها ضبط، ولا عن أي أصل أخذ نسخته هذه.
وتبين لي أن في أصله الذي أخذ عنه نسخته سقطا، ففي وسط ورقة ١٦٦ / ب ترجم لمحمد بن مصعب القرقساني، وختمها بقوله: " مات سنة ٢٠٨ " والحق بهذا التاريخ مباشرة قوله: " وقال البخاري والنسائي: " منكر الحديث "، وهذا يتعلق بترجمة محمد بن ميمون الزعفواني، فيكون قد سقطت ترجمة ٢٢ رجلا.
وقد أذكر في تعليقاتي هذه النسخة فاصفها ب: النسخة الحلبية الثانية، وقد أعبر عنها وعن نسخة السبط معا ب: النسختين الحلبيتين.
النسخة الثالثة: نسخة تقي الدين أبي الفتح محمد بن عبد الطيف بن يحيى بن علي بن تمام السبكي
٧٠٥ - ٧٤٤- رحمه الله تعالى، وصفه الحسيني في " ذيل العبر " ٤: ١٣٣ ب " الحافظ الامام العلامة ذو الفون أقضى القضاة " ولم يتم الاربعين من عمره! !.
وفي آخرها: " وقع فراغ أبي الفتح السبكي - نفعه الله - من كتابته في الثاني والعشرين من رجب الفرد سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة أحسن الله عقباها ".
والنسخة في ١٦٥ ورقة، وهي على جودة خطها ووضوحه فليس فيها ضبط - إلا ما شاء الله - ولا حواشي ولا ما يفيد المقابلة.
والصورة التي عندي ماخوذة عن الفيلم المحف.
ظ بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بمصرر، برقم ٣٠٨٥، وهو عن الاصل المحفوظ في مكتبة خدابخش ببلدة بتنة من بلاد الهند، ورقمه هناك ٣٤٢٣.
[ ١٥٢ ]
النسخة الرابعة: نسخة صورها المعهد أيضا من المكتبة الظاهرية بدمشق، وعدد صفحاتها ٧٧٠ صفحة، وخطها كبير، وفي آخرها أنها نقلت " من نسخة نسخت من نسخة المصنف بخط يده " وباخرها: " تم " الكاشف " بانتقاء كاتبه والحمد لله وحده يوم سابع عشري رمشان سنة عشرين وسبعمائة يوم الجمعة بعد العصر.
اللهم صل على محمد واله وسلم تسليما كثيرا ".
" وكان الفراغ من هذه النسخة ليلة الاربعاء المسفرة عن سادس عشر ذي القعدة سنة سبع وثمانين وسبعمائة، على يد فقير رحمة ربه أحمد بن محمد بن أحمد بن حيدرة بن عمر بن محمد بن موسى بن عبد الجليل بن تميم بن محمد بن محمد بن محمد الدجوي الاصل، المصري امولد، عفا الله عنه، وعن والديه، وعن جميع المسلمين، بمنه وكرمه.
آمين آمين ".
والنسخة جميعها بخط المذكور إلا عشر صفحات من وسطها، فبخط مغاير وقديم أيضا، من ترجمة علي بن أبي بكر الكندي، إلى عمار بن معاوية الدهني.
وفيها حواش كثيرة مفيدة، وكثير منها داخل في حواشي البرهان سبط ابن العجمي.
ولم تظهر رموز كثير من تراجمها.
النسخة الخامسة: نسخة صورها المعهد المذكور من مكتبة رضا رامبور بالهند، ورقمها هناك ١٠٠٤، ورقم الفيلم في المعهد ٣٠٣٦، وهي في ١٣٧ ورقة، جاء في آخرها: " تم الكتاب بحمد الله وعونه وكرمه ٩٣٧ " فكأنه تاريخ النسخ.
ثم ذكر أحد مالكي النسخة وهو أبو بكر بن علي المقرئ أسانيد شيخه " الامام العلامة جمال الدين
محمد بن أبي بكر المقرئ " - كما وصفه - بمرويات ابن حجر، والذهبي، وابن كثير، والتاج ابن السبكي، والمزي.
فكان بين جمال الدين هذا وابن حجر رجلان، وبينه وبين الذهبي أربعة، وثلاثة رجال بينه وبين ابن كثير وابن السبكي، وبينه وبين المزي خمسة.
والاستدراكات التي على الحواشي يستانس ها على أن النسخة مقابلة، وإن كان لم ينص على ذلك في أولها أو وآخرها.
وليس في حواشيها بعد ذلك فائدة، فهي نسخة
بكماء- لا تنطق بفائدة أخرى.
وبعد هذا الاستعراض اليسير للنسخ الخمسة لابد من التنبيه إلى شئ هام رأيته حصل فيما بينها، وفيما بينها وبين الاصل، ألا وهو المغايرات الكثيرة جدا بين نصوصها.
ذلك أن الناظر في النسخ الستة يرى فيها اختلافا في الترجمة الواحدة إلا في رموزها وسياقة نسب المترجم: فيندر
١)، أما في ذكر شيوخه، والرواة عنه، والكلام عليه، وتاريخ وفاته: فهذا كثير جدا.
ولم ألق بالا لهذه الظاهرة، لا في أول الامر، ولا في آخره.
[ ١٥٣ ]
لم ألق لها بالا في أول الامر: لانها اختلافات كثيرة جدا، ستثقل حواشي الكتاب وتضاعف من حجمه، ولم أقف على كتاب في نسخه من الاختلاف مثل ما في نسخ " الكاشف " - والله أعلم - حتى " الموطا " الذي ألف فيه الدارقطني " اختلاف الموطآت ".
وبيدي نسخة المصنف فلا داعي للاحتفال بغيرها.
ولم ألق لها بالا في آخر الامر: لاني رأيت في آخر النسخة النص على تاريخ فراغ المصنف من تأليفه: ٢٧ من شهر رمضان لسنة ٧٢٠، وعن يمينه ما نصه بخط المصنف: " فرغ الذهبي من هذه النسخة سنة تسع وعشرين " إي: سبعمائة.
فيكون المصنف قد أخرج الكتاب مرة إولى سنة ٧٢٠، ومرة أخيرة: سنة ٧٢٩، وبينهما إخراج ثالث أو أكثر - والله أعلم -.
أما الدليل على أن المرة التي كانت سنة ٧٢٩ هي المرة الاخيرة: فاعتمادها من قبل المصنف واحتفاظه بها في حوزته زيادة ونقصانا وتنقيحا إلى سنة ٧٤٣ تاريخ إلحاق ترجمة مجاهد بن رباح، كما
تقدم.
واعتمادها أيضا من قبل المصنف وتقديمه لها إلى أصحابه ينسخون عنها مرة ومرتين، من شخص وآخر وآخر، إلى تواريخ متاخرة، كما تراه في تواريخ القراءات والنسخ، آخر هذه الدراسات.
وأما الدليل على أن هناك إخراجا ثالثا أو أكثر بين عامي ٧٢٠ - ٧٢٩: فهذه الاختلافات في النسخ التي أمامي، ومهما يكن من أمر يتوقع من عمل النساخ، لكنه لا يصل أبدا إلى بعض هذا الاختلاف، فهو لا بد مستمد من نسخ أمامهم يعتمدونها، لا سيما أن النسخة الحلبية الثانية ونسخة أبي الفتح السبكي مكتوبتان قبل وفاة المصنف، ونسخة ابن الاسكندري مكتوبة بعد وفاته بقليل: بثاني سنين، وكذلك النسخة الرابعة: نسخة الظاهرية، قريبة عهد به، بعد وفاته بتسع وثلاثين سنة.
فالعهد قريب، فمن أين جاء هذا التغاير الفاحش، لولا أن المصنف أخرج الكتاب عدة مرات!.
وقد ذكرت في التعليق على ترجمة الامام عبد الله بن المبارك ﵀ أن المصنف قال عنه - في الاصل الذي أعتمده -: شيخ خراسان، ومثله في نسخة ابن الاسكندري التي اعتمدها البرهان السبط، لكن في النسخة الحلبية الثانية ونسخة الحافظ السخاوي من " الكاشف ": شيخ الاسلام! والسخاوي: كغيره من الحفاظ الحريصين على سلامة مصادرهم، ومع ذلك تجد هذه المغايرة عنده.
وتقدم ص ١٤٧ التنويه بظاهرة كثرة الالغا في نسخة ابن الاسكندري، بسبب أنه قابل نسخته التي نسخها عن نسخة، بنسخة أخرى عليها خط المصنف، فنسخة جمعت بين نسختين ظهر فيها ظهورا كبيرا فوارق كثيرة وزيادات، فكيف لو قوبلت بنسخ أخرى!.
وأزيد هنا: أن البرهان السبط ﵀ يذكر في بعض حواشيه أنه جاءت - هناك - مغايرة في نسخة قرئت على ابن رافع، زيادة أو نقصا، مما يؤكد أنه لو قوبلت بنسخ أخرى لجاءت الفوارق أكثر وأكثر.
وهذا كله يدل على ما استظهرته: أن المصنف أخرج كتابه هذا بين عامي ٧٢٠ و٧٢٩ إخراجا ثالثا أو أكثر، والله أعلم.
[ ١٥٤ ]
وأعود لاقول: إني لم أحتفل بهذه المغايرات، لانها في حكم الملغى المعدول عنه عند المصنف،
فالاصل الذي بين يدي هو الذي استقر عليه اختيار المصنف وصياغته.
وإثباتي لها: دليل اعتباري لها، وهو خلاف نظرة المصنف لها.
والله تعالى أعلم.
ثانيا - مراحل العمل فيه، أقصر حديثي على الجانب العلمي
١): ١ " - صورت نسخة من الطبعة المصرية التي قام على تحقيقها الدكتوران الفاضلانعزت عيد عطية، وموسى محمد علي الموشي، وطبعاها عام ١٣٩٢ في ثلاثة مجلدات متوسطة، وقابلتها بالاصل الذي بخط المصنف، وأثبت عليها المايرات.
وكانت المقابلة مع أخي الفاضل الاستذ الشيخ أحمد نجل شيخنا الجليل الداعية المربي الاستاذ الشيخ محمد نمر الخطيب خفظهما الله تعالى.
٢ " - ثم كررنا المقابلة بشكل خاص لرموز كل ترجمة على حدة، قابلنا ذلك بالاصل ما استطعنا، لان رموزه بالحبر الاحمر، وبما في " تهذيب الكمال " المطبوع منه، وكان حينئذ سبعة أجزاء، ومصورة دار المأمون للتراث، لكنا ما كنا نثق بالرموز فقط، خشية وقوع تحريف في المطبوع أو المصورة، بل نرجع إلى نص المزي آخر الترجمة أو أثناءها.
وكان من نتيجة ذلك: كشف أوهام نادرة من المصنف، وأوهام أكثر منها من الحافظ ابن حجر في " التقريب ".
وكان هذا الامر يستدعي مني مراجعة أحاديث الرجل في الكتب المرموز لها، لا تثبت هل له حديث فيها أولا، فاصحح الرمز أو أخطئه.
ولا يدرك وعورة أغوار هذا المسلك وطولها وما تستغرقه من وقت وجهد إلا من يعاينها.
وكان يسعفني في هذا المجال: " رجال صحيح البخاري " للكلاباذي، وللباجي، و" رجال صحيح مسلم " لابن منجويه، و" تحفة الاشراف " للمزي، رحمهم الله تعالى.
٣ " - وكنا نحرص أثناء المقابلة على الاستفادة من ضبط المصنف والاخذ به.
٤ " - ثم قام الاخ الشيخ أحمد بتخريج نصوص " الكاشف " من أحاديث شريفة - ولو أن المصنف أشار إليها إشارة خفيفة، كقوله: له حديث واحد، أو حديثه مضطرب، ونحو ذلك - ومن أقوالهم في المترجم
تجريحا وتعديلا.
فكفى وأوفى، جزاه الله خيرا.
٥ " - اثبت تخريجاته هذه.
ث كنت أقوم باعمال متممة لها، وأهمها: ٦ " - كنت أراجع هذ الاقوال في مصادرها متدرجا معها، أرجع إليها عند المزي في " تهذيبه " لانه المصدر الاول للذهبي.
[ ١٥٥ ]
ثم في مصادر المزي: " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، و" الضعفاء " للعقيلي، و" الكامل " لابن عدي، و" طبقات " ابن سعد، و" التاريخ الكبير " للبخاري ثم في مصادر هذه المصادر، أعني: الثلاثة الاولى، فابن أبي حاتم إنه نقل عن أبيه وأبي زرعة، فهو المصدر الاول والوحيد لذلك النقل، لانه ينقل عنهما مباشرة دون واسطة، لكنه كثيرا ما ينقل عن الامام يحيى بن معين، من روايات متعددة عنه: رواية الدوري، والدارمي، وإسحاق بن منصور، وابن أبي خيثمة..، فكنت أرجع إلى المطبوع منها، وأعزو إليه، ولا اكتفي بالنقل عنه بواسطة.
وكثيرا ما ينقل أيضا عن الامام أحمد من رواية ابنه عبد الله وغيره - عنه، فلا اكتفي إلا بمراجعة أصوله، ما دامت تصل يدي إليها.
فان لم أستطع ذلك - وكانت لدي شبهة في صحة اللفظ المنقول - كنت أرجع إلى مؤيدات أخرى، لارى الوارد على هذا اللفظ، أو أنه روي سواه، فكنت أرجع مثلا إلا " تاريخ بغداد " وغيره من الكتب التي تعنى بذلك.
وهكذا الشان فيما ينقله العقيل وابن عدي، فانهما يعنيان بالرواية عن البخاري، وابن معين، وأحمد، وابن المديني، فلا أسوغ لنفسي الاخذ عنهما ما دمت قادرا على الرجوع إلى المصدر الاول لهما، لما تبين لي من ضرورة الاخذ بهذا المنهج.
وخلاصة ذلك:، أني كنت أعتبر الكتب التي تجمع الاقوالفي الرجال: مفايح تدلني على المصادر الاصلية، فارجع إليها، ولا أعتبرها مصادر مستقلة إلا إذ لم يتيسر لي الوصول إلى مصادرها.
لقد كشف هذا المنهج عن حقائق، وزيف دخائل، وصوب أخطاء، وصحح أغلاطا، ونبه إلى تحريفات، وأيقظ إلى تصويبات: الشئ الكثير، والحمد لله رب العالمين.
ومع أنه جعلني أنفض يدي - أكثر من ذي قبل - من الثقة بالكتب المطبوعة في علم الرجال إلا ما ندر: فانه حملني على ضروررة التثبت من كل نقل عن قائله، ومن النظر في لفظه المنقول عنه، ومدى تطابقه مع المراد، وذلك بدراسة قرائنه وملابساته، فقد يكون النقل متطابقا، لكنه يكون في مصدره المنقول عنه قرينة وملابسة تعين مرادا آخر منه.
وأكثر ما يقع هذا في النقل عن المام البخاري ﵀.
وكنت أحيانا أستغرق ساعات عديدة في دراسة ترجمة واحدة، ونتيجة تسلسلي مع المصادر والامهات، ودخولي في متاهات بنيات الطريق المعترضة، أعني تلك التحريفات المطبعية الكثيرة جدا الواقعة في كتب الرجال، فمن تصحيح تحريف، إلى تصحيح تحريف آخر في كتب غيره، إلى تصحيح ثالث في مصدر ثالث.
وقد يتوارد ناشرو هذه الكتب على تحريف واحد، فيصير لدى آخرين هو الصوب، وغيره هو الخطا!.
وقد يقع خطا في كتاب، فيرتب عليه محقق كتاب آخر خطا آخر، فيتعذر كشف الخا الاول أكثر مما لو بقي على حاله.
[ ١٥٦ ]
وهذا في الاخطاء المطبعية، وإلقاء التبعة على المطبعة هين، فكيف لو توراد عالم عن عالم في نقل وهذه الكلمات اليسيرة التي أكتبها قد يرى بعض القراء فيها تهويلا للواقع، لكنقد يرى فيها الباحث الممارس الجاد تهوينا للواقع.
وسافرد بعد فراغي من شرح " خدمتنا للكتابين " كلمة قصيرة أذكر فها نماذج هامة من هذا الذي عانيته.
وكان العناء أكثر: في خريج نصوص " الحاشية " لان كثيرا من تراجمها يشتمل على نقول كثيرة، فلا ريب أن العناء والعثر في طريق الوصول إلى المقصود أشد، والزمن أطول.
ولقد تحملت مني دار القبلة للثقافة الاسلامية تأخرا في إخراج الكتاب ما لا تحتمله دار نشر سواها،
ولولا توافق هذا المنهج مع رغبة القائمين عليها: لما احتملوا مني هذا التاخر الزائد.
فجزاهم الله خيرا.
٧ " - ومن الاعمال المتممة التي كنت أقوم بها: المقارنة بين حكم الذهبي على الرجل، وبين حكم ابن حجر عليه في " التقريب ".
وكانت هذه المقارنة تتطلب مني أيضا البحث والدراسة، ومراجعة ما في التهذيبين - للمزي وابن حجر - على ضوء ما شرحته، ويزيد عليه: الدقة في استخلاص الحكم على الرجل.
فإذا اتفق حكمهما، لم أنقل عن " التقريب " شيئا، وإذا تقاربا تقاربا كبيرا: لم أنقل شيئا أيضا، مثل: أن يقو أحدهما: ثقة، والآخر: ثبت، متقن..، أو أن يقول الاول: ضعيف، والآخر: واه، ونحو ذلك.
إلا إذا أضاف الحافظ وصا آخر يتعلق بحفظ الرجل، أو بروايته عن شيخ عين له، أو بتدليسه، أو إرساله، أو اختلاطه: فاني أنقله.
٨ " - أما إذا اختلف حكمهما، بان قال أحدهما: ثقة، وقال الثاني: صدوق، أو قال ابن حجر: مقبول، وقال الذهبي: ثقة، أو صدوق - أو حصل العكس: فاني أنبه إليه من باب أولى.
٩ " - وإذا لم يحكم الذهبي بشئ: علقت عليه من " التقريب " بعد رجوعي إلى أصله: " تهذيب التهذيب ".
وحين يقول ابن حجر " مقبول " أو " صدوق ": أعقبه ذكر مصدره فاكتب مثلا: " ثقات " ابن حبان، جزئ كذا، صفحة كذا، أو " الجرح " مع ذكر الجزء والصفحة، أشير بهذا إلى أن عمدة ابن حجر في حكمه المنقول هو ما في المصدر الذي ذكرته.
وقد أقول: ليس في التهذيبين سوى أن ابن حبان ذكره في " ثقاته ".
ونحو ذلك من التنبيهات الموجزة.
١٠ " - ووجهت العناية إلى أمر الجرح والتعديل فقط، ولم أعن بتاريخ الوفيات، ذكره الذهبي أو لم يذكره.
١١ " - وفي " التقريب " عدد من التراجم استدركها على المزي، وهي في الوقت نفسه تستدرك على الذهبي المتابع له تمام المتابعة، فكنت أنبه إليها في التعليق.
لكن قد يجد القاري في " التقريب " تراجم رجال رموزها من رموز الكتب الستة التي على شرط
[ ١٥٧ ]
الذهبي هنا، ولا يجد تراجمهم في " الكاشف ".
وفي هذه الحال يتطرق عدة احتمالات:
- إما أن في صحة الرمز في " التقريب " وقفة ونظرا.
وهذا نادر.
- وإما إني غفلت عن استدراكه.
وهذا نادر أيضا.
- وإما أن سببه اختلافهما في الاعتبار، فالمزي - والذهبي - يعتبران " عمل اليوم والليلة " و" خصائص علي ﵁ " - ورمزهما: سي، ص - كتابين مستقلين عن " سنن النسائي الكبرى "، فمن كان رمزه منهما: لا يذكره الذهبي في " الكاشف "، أما ابن حجر فيعتبرهما من جملة أبواب " السنن الكبرى "، ويحولهما إلى رمز: س، فإذا رأى القارئ ترجمة مختومة برمز س، ظن أن صاحبها على شرط الذهبي هنا، فيرجع إليه فلا يرى شيئا.
وقد تقدم بيان هذا.
وكذلك الشان في رمز م، قد يكون الرمز الدقيق للمترجم: مق، أي: مسلم في مقدمة " صحيحه "، فهو ليس على شرط الذهبي هنا، قد يذكره وقد لا يذكره - كما تقدم - أما ابن حجر فيحوله إلى رمز م، فيظنه القارئ من رجال مسلم في صلب " صحيحه "، وليس كذلك.
والله أعلم.
* * * وقبل النقلة عن الحديث عن الجانب العلمي في " خدمتنا للكتابين " أود أن أصرح ببعض ما أجملته وأشرت إليه إشارة خفيفة أثناء التعليق من قضايا علمية، فاقول: ١٢ " - كنت أحرص على نقل كلام الامام الترمذي ﵀ على الاحاديث، وألتزم التفرقة بين قوله: حديث حسن، وقوله الآخر: حديث حسن غريب، أشير بهذا إلى أن " حسن " فقط يعني به: الحسن لغيره، وهو الذي عرفه في آخر " سننه "، وأن " حسن غريب " يعني به: الحسن لذاته، كما هو مقتضى الغرابة.
١٣ " - وكذلك التزمت التفرقة بين " حسن صحيح " و" صحيح " فقط، لانه - كما حققه ابن حجر ﵀ - قد يكون التقدير: حسن أو صحيح، ففي بلوغه رتبة الصحة وقفة، وقد يكون: حسن وصحيح، فهو جازم ببلوغه رتبة الصحة، مع وجود طريق أخرى حسنة تزيده قوة وترجيحا، وبمقتضى هذا التقدير يكون ما يقول فيه " صحيح " فوق التقدير الاول، ودون التقدير الثاني.
لذلك كنت حريصا على نقل لفظه، ولا أكتفي بقول المصنف أو السبط - وغيرهما -: صحح له الترمذي، أو حسن.
وما أكثر هذا الاختصار في كلامهم!.
١٤ " - ومشيت على الول الذي تقدم بيانه صفحة ٢٤: أن من يصحح المحدثون حديثه - كالترمذي مثلا -: فهو ثقة، ومن يحسنون حديثه: فهو صدوق، لا باس به، وبهذا كنت أستدرك على ابن حجر قوله في " التقريب " " مقبول ": بان الترمذي حسن له، أريد أنه صدوق.
وغير ذلك مما لا يسعف الوقت بشرحه، وعسى أن ييسره الله تعالى في وقت آخر، إنه ولي العون والتوفيق.
[ ١٥٨ ]