١ - إن كتاب " الكاشف " أحد الكتب التي دبجتها يراعة الامام الحافظ الناقد الذهبي، وكان فراغه من تأليفه في السابع والعشرين من شهر رمضان عام ٧٢٠ هـ، وذلك بعد حوالي عام من فراغه من " تذهيب ويكفي " الكاشف " أنه من مصنفات هذا الامام، لا سيما أن تأليفه له كان بعد اكتماله في هذا الفن، فقد ألفه وله من العمر سبع وأربعون سنة، وسبقه قليلا تأليفه " تهذيب التهذيب " كما تقدم، وألف في العام نفسه " المغني في الضعفاء ".
ويكفيه أن مصنفه الامام قال عنه في مقدمته: " هذا مختصر نافع..".
و" الكاشف " هوو الكتاب الرابع المتفرع عن الكتاب الاول " الكمال في أسماء الرجال " للامام الحافظ عبد الغني المقدسي، المتوفى سنة ٦٠٠، رحمه الله تعالى.
ويلي كتاب " الكمال: " تهذيب الكمال " للامام الاحافظ أبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ رحمه الله تعالى.
فهو الثاني.
ويليه: " تهذيب تهذيب الكمال " للمصنف الذهبي.
فهو الثالث.
وياتي من بعده: " الكاشف " رابع هذه السلسلة.
ويساويه في التسلسل: " خلاصة تذهيب تهذيب الكمال " للخزرجي المتوفى بعد سنة ٩٢٣.
كما ترفع عن " تهذيب الكمال " صنوك " " التهذيب "، هو " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر، المتوفى سنة ٨٥٢ رحمه الله تعالى.
وترع عن " تهذيب التهذيب ": " تقريب التهذيب " لابن حجر نفسه.
فتكون هذه الكتب الثلاثة بمرتبة واحدة في التسلسل، وهي: " الكاشف "، و" التقريب "، " الخلاصة ".
٢ - مكانة الكتاب:
إن " الكاشف " كتاب تقتحمه العين من صغر حجمه إذا ما قيس بالكتب الكبيرة في هذا العلم الشريف، لكنه في حقيقته معلم مدرب، ومحرر معتمد.
وللحقيقة والانصاف أقول: إنه كتاب دربة وتعليم وتاسيس، أكثر من كونه مرجعا لحكم نهائي في
[ ٨ ]
الجرح والتعديل، وأما " التقريب " فهو على خلاف ذلك،، هو مرجع لاخذ خلاصة في الجرح والتعديل أكثر منه مدربا معلما.
ولا ريب أن الرجوع إلى الكتابين معا خير ما يسلكه المبتدئ في هذا العلم.
قال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في " طبقاته الكبرى " ٩: ١٠٠ وهو يعدد مصنافت شيخه الذهبي: " و" الكاشف "، وهو مجلد نفيس ".
وهذا ثناء من تلميذ، لكنه ناقد إمام، وخبير بالكتاب، وسيرى القارئ الكريم في آخر هذه الدراسات - إن شاء الله تعالى - تناول التاج السبكي كتاب " الكاشف " من يد مؤلفه.
ومما يدل على نفاسه: اعتناء العلماء بسماعه من مؤلفه، وقراءتهم له عليه، ونسخهم منه نسخا، واختصره بعضهم، وذيل عليه آخر، وعمل بعضهم عليه " حاشية " و" نكتا " فهذه خمسة أعمال علمية.
وهاكم البيان: - لقد حفلت الصفحة الاولى والاخيرة من نسخة المصنف بوثاثق السماع والقراءة على مصنفه، والمناولة منه، لعدد غير قليل من العلماء الكبار، وفيها إشعار باستنساخ بعضهم نسخا عنه، ومنهم من نسخه ثلاث مرات، وسيرى القارئ الكريم ذلك مبينا آخر هذه الدراسات، فلا أتعجل ببيانها الآن.
ونسخه عليماء، قرئ على علماء، ويكرر الحافظ البرهان سبط ابن العجمي في " حاشيته " النقل عن نسخة قرئت على الامام الحافظ ابن رافع السلامي.
واعتقادي أنه لا تخلو مكتبة من مكتبات المخطوطات من نسخة، أو نسخ، أو عشرات النسخ، من هذا الكتاب، ولقد تيسر لي منه ست نسخ خطية دون تعمد ولا تكلف للصول عليها.
- ولكونه كتابا مختصرا لم تتوفر جهود العلماء على اختصاره، إلا واحدا منهم هوو أبو عبد الله محمد بن
منصور الاصبحي الحنفي المتوفى سنة ٧٩٣، فانه لخصه، ومن تلخيصه مصورة محفوظة بين مخطوطات الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، حت رقم ١٧٠١، في ١٥٦ ورقة.
- وهذه " حاشية " الامام برهان الدين سبط ابن العجمي، تقدم الآن إلى القراء، وأسال الله التوفيق والنفع بها.
- وللحافظ ابن حجر " النكت على الكاشف "، ذكر ذلك تلميذاه النجم ابن فهد المتوفى سنة ٨٨٥ رحمه الله تعالى، في " معجم الشيوخ " ص ٥٦، والسخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ رحمه الله تعالى، في " الضوء اللامع " ١: ٢٥١ كلاهما في ترجمة شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري المتوفي سنة ٨٤٠، قالا: إنه لازم ابن حجر وكتب عنه كتابه " لسان الميزان " و" النكت على الكاشف "، ولم أقف على خبره بعد.
ولا أستطيع المقارنة بين هذه " الكنت " و" الحاشية "، لعدم وقوفي على " النكت "، لكني أقدر أن طابع النقد يغلب على " النكتب "، لان ابن حجر كان ينظر إلى " الكاشف " أن فيه " الاحجاف "
١)، وأن " تراجمه كالعنوان "
٢) .
- وقد طبع عام ١٤٠٦ " ذيل الكاشف " للامام الحافظ ولي الدين أبي زرعة العراقي المتوفي سنة ٨٢٦ رحمه الله تعالى، لكنها طبعة سقيمة.
[ ٩ ]
وقد جمع فيه مصنفه تراجم مختصرة على نمط تراجم " الكاشف "، هي تراجم من ترك الذهبي ذكره عمدا من رجال تلك الكتب الزائدة على الستة الاصول، وأضاف إليها تراجم رجال " المسند " للامام أحمد وزوائد ابنه عبد الله.
ولولا هذه الاضافة لما كان من الكتاب جدوى.
على أن الذهبي نفسه قد استدرك هذا الاستدراك، فقد نسب إليه السخاوي في " الاعلان بالتوبيخ " ص ٢٣٣ كتاب " أسماء من أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في تواليفهم سواها، ممن لم يذكرهم في الكاشف "، فلا أدري ما وجه هذا الاستدراك؟.
٣ - بعض فوائد " الكاشف ": هذا الشهرة والتداول ك " الكاشف " إنما يرجع إلى مزية واحدة رئيسية، تليها مزية ثانية هي أقل وجودا من الاولى، وهذا ما أردته بقولي السابق: إنه كتاب دربة وتعليم، ثم كتاب جرح وتعديل.
وبيان ذلك.
١ - أننك تقرأ فيه تراجم رجال الكتب الستة الاصول، ومع كل ترجمة ذكر أشهر شيوخ المترجم وتلامذته، وكثيرا ما ينقل لك حال الرجل جرحا وتعديلا، أو يعطيك من عنده خلاصة الاقوال فيه، ثم يشير برمز موجز إلى من أخرج حديثه من أصحاب الكتب الستة.
ورواة الكتب الستة هم أشهر رواة السنة، فمن أكثر من النظر في تراجمهم فقد استفاد رسوخ أسمائهم في حافظته.
ثم إن شيوخهم وتلامذتهم تداخلون في بعضهم بعضا، فكثيرون جدا يروون عن بعضهم، مما يسبب تكرار أسمائهم مئات المرات في الكتاب، وقسم منهم يكون تكرارهم أقل وأقل.
وهذا التكرار خير معين على حفظ أسماء هؤلاء الرواة، مع تقريب طبقاتهم الزمنية، ومعرفة الاتصال.
بينهم وعدمه.
وإن استحضار معاني هذا الفن لاسماء رجاله مع تقريب الطبقة الزمنية، ومعرفة الاتصال وعدمه: هو إولي لوازمه الاساسية.
٢ - حكايته أقوال الجرح والتعديل عن أصحابها، مما ينمي ملكة هذا العلم في القارئ، ويورثه فهمها، وإذا كان في الرجل الواحد جرح وتعديل في أن واحد، اكتسب القارئ معرفة النتيجة التي يخلص إليها من جراء هذا التعارض.
وحينما يعطيك المصنف كلمة واحدة من عنده في الرجل، تعلم أن هذا هو القول المعتمد عنده، فإذا رجعتإلى أصوله، أمكنك أن تفسر الاقوال المتعارضة على ضوء ما اختاره لك.
ويزيد القارئ إفادة باخبار ثانوية عن المترجم: عبادته وتقواه، وعلمه وخلقه، مما يعطي صورة عنه أتم وأوفي.
ياتي بعد قليل إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك في الحديث عن منهجه.
[ ١٠ ]
ولكن مما لا بد منه تحت هذا العنوان - بعض فوائده -: التنبيه إلى عدد يسير من فوائده العابرة مما تحتمله ذه الدراسة، وأثر منها عددا ما يجده المتتبع في التعليقات تصريحا أو إشارة.
ومن المعلوم: أن المترصد لحاجة ما يعتبرها فائدة غالية عليه حينما يقف عليها، في حين أن القارئ غير المترصد لها يمر بها وهو لا يشعر لها بقيمة، فما أذكره، وما لا أذكره - لكني أقدر أنه فائدة - قد لا يروق عند قارئ آخر ولا يراه فائدة.
فهي أمور نسبية.
فمن فوائده: ١ - تنبيهه إلى عدد من الرواة قد روى لهم مسلم في " صحيحة " وفيهم كلام وجرح: أن مسلما روى لهم متابعة، وهؤلاء يتسامح معهم في الرواية بما لا يتسامح في الرواية عنهم في الاصول.
فمنهم سليمان بن قرم، وصالح بن رستم الخزاز، وعبد العزيز بن المطلب بن حنطب، ولم ينبه المزي ولا بان حجر إلى شئ من هذا.
٢ - وترجم المزي لعروة المزني الذي بروي عن عائشة ﵂، ورمز له: دت ق، وتبعه المصنف في " التهذيب " ٣: ١٤١ / آ، وابن حجر في كتابيه: " التهذيب " و" التقريب "، لكنه اقتصر هنا على: دت، وهو الصواب، ذلك أنه جاء في رواية ابن ماجه ١: ١٦٨
٥٠٢- منسوبا: عروة بن الزبير، والمزني غيره.
واستمرارا على هذا الستنبه والدقة، فانه لم يترجم لعروة بن الزبير في كتابه " المجرد "، لانه لا ينفق مع شرطه فيه، ولا لعروة المزني، لانه ليس له ذكر فيه.
٣ - وقال في ترجمة ممطور الحبشي: " روى عنه الاوزاعي، وما أراه لقيه، وقال أبو مسهر: سمع من عبادة بن الصامت، وغالب راياته مرسلة، ولذا ما أخرج له البخاري ".
أما قوله عن الاوزاعي: " ما أراه لقيه ": فمن فوائد هذا الكتاب النادرة.
وأما كلمة أبي مسهر: فمن زيادات المصنف في " تذهيبه " ٤: ٦٩ / آ، وليست عند المزي ولا ابن حجر.
وأما قوله: " غالب رواياته مرسلة ": فيلتقي من حيث الجملة بما في التهذيبين، لكن أفادنا بتعليله " لذا ما أخرج له البخاري ": ما هو سبب إعراض البخاري عن الرواية له، وأفادنا أن البخاري قد يعرض عن حديث الرجل لا لعلة ذاتية، بل لامر خارجي عن ذاته، لا يؤثر فيه جرحا وضعفا، إذ الاكثار من الروايات
المرسلة لا يؤثر في عدالة الرجل ولا في ضبطه.
٤ - وقال في ترجمة صلة بن زفر العبسي أحد شيوخ أيوب السختياني: " قيل: توفي زمن مصعب، فعلى هذا لم يلقه أيوب ".
وها التنبيه من فوائد الكتاب النادرة أيضا.
إلى أمثلة أخرى يجدها المتتبع للكتاب.
ومما شاع على ألسته أهل العلم: لا يغني كتاب عن كتاب.
* * *
[ ١١ ]
وقبل النقلة إلى دراسة منهج الكتاب، أرى من الماسب أن أعرض لامر اختلفت فيه عبارات من ذكر " الكاشف "، وهو: هل " الكاشف " مختصر من " تهذيب الكمال " مباشرة، أو من " تذهيب تذهيب الكمال ".
قال المصنف ﵀ في عنوان الكتاب: " كتاب الكاشف ي معرفة م له رواية في الكتب الستة.
اقتضبه محمد بن أحمد بن عثمان ابن الذهبي من تهذيب الكمال ".
ثم قال في مقدمته: " هذا مختصر نافع متضب من تهذيب الكمال ".
ومن هنا قال الحافظ في مقدمة " تهذيبه " ١: ٣ وهو يثني على " تهذيب الكمال ": " هو الذي الذي وفق بين اسم الكتاب ومسماه ، ولكن قصت الهمم عن تحصيله لطوله، فاقتصر بعض الناس على الكشف من " الكاشف " الذي اختصره منه الحافظ أبو عبد الله الذهبي ".
أما غيره من العلماء فكلامهم متجه إلى أن " الكاشف " مختصر من " تذهيب التهذيب ".
قال ذلك الصلاح الصفدي في " الوافي " ٢: ١٦٤ - على احتمال فيه - والتاج السبكي في " طبقاته الكبرى " ٩: ١٠٤، وابن العماد في " شذرات الذهب " ٦: ١٥٥، والبرهان سبط ابن العجمي في مقدمة " نهاية السول، ولفظه المقصود منه: " كتاب التذهيب للحافظ أبي عبد الله الذهبي ، وكتاب " الكاشف " مختصره ".
ومنهم السيوطي - ﵏ جميعا - في " ذيل تذكرة الفاظ " ص ٣٤٨ قال وهو يعدد مصنفات الذهبي: " ومختصر " تهذيب الكمال " و" الكاشف " مختصر ذلك ".
فهؤلاء خمسة من العلماء السابقين يقولون: إن " الكاشف " مختصر من " التذهيب ".
والامر أبسط من أن يحتاج إلى عرض المشكلة ثم حلها، فهو أيسر من ذلك، غاية ما في الامر أن
المصنف قال: إنه مقتضب من " تهذيب الكمال " باعتبار الاصل الاول، ومن قال: إنه مقتضب من " تذهيبه " فقد لا حظ الواقع والتسلسل الصنيفي، فكتاب المزي أصل الكتابين، وهما مختصارن منه، " الكاشف " جاء اختصارا ثانيا بعد " التذهيب " فهو فرع عنه.
وقد لا حظت في أكثر من موضع أن الوهم يحصل للمصنففي الكتابين معا، فكنتأعلق على هذه الظاهرة بان المصنف استخرج " الكاشف " واستخلصه من " التذهيب "
١) .
وقد جزم الدكتور بشار عواد في كتابه عن " الذهبي " ص ٢٢٨، ومقدمة " تهذيب الكمال " ص ٥٤ بان " الكاشف " مختصر من كتاب المزي، ووهم من قال خلاف ذلك، محتجا بقول الذهبي الذي قدمته، وب " أن " الكاشف " اقتصر على رجال الستة، في حين كان " التذهيب " كاصله، قد شمل رجال الكتب الستة وغيرها من التواليف ".
قلت: أما احتجاجه بتصريح الذهبي: فلا خلاف فيه، وأما احتجاجه بان " الكاشف " اقتصر على رجال الست،، وأن " التذهيب " فيه زيادة، وبناء على هذا فلا يصح أن يكون الكاشف " مختصرا من " التذهيب ": فكلام غريب! إذا كان هذا الفارق بين الكتابين سببا لا ستبعاد اختصار الاول من الثاني، فينبغي أن يستبعد أكثر وأكثر اختصار " الكاشف " من " تهذيب الكمال " والله أعلم.
[ ١٢ ]