الحديث عن منهج الذهبي هنا يستدعي جعله في فقرتين رئيستين: آ - منهجه فيمن سيرتجم.
ب - منهجه في الترجمة.
آ - أما الفقرة الاولى: فالحديث عنها موضوعه: من الذين التزم الذهبي أن يترجم لهم في كتابه " الكاشف "؟ وجوابه: قول المصنف ﵀ في تسمية الكتاب وفي مقدمته، قال: كتاب " الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ".
ثم قال في المقدمة: " هذا مختصر نافع..اقتصرت فيه على ذكر من له رواية
في الكتب - الستة - دون باقي تلك التواليف التي في " التهذيب "، ودون من ذكر للتمييز، أوكرر للتنبيه ".
ثم ذكر الرموز الستة: خ، م، د، ت، ن، ق، ورمز ع للجماعة الستة، ورمز ٤ للسنن الاربعة.
فهذه مقومات منهجه: - رجال الكتب الستة.
- الذينلهم رواية فيها.
- مع حذف من له رواية في كتب أخرى سواها اعتمدها المزي.
- وحذف من ذكر في " تهذيب الكمال " تمييزا.
- وحذف من كرر في " التهذيب " أيضا للتنبيه على وهم فيه أو نحوه.
فهذه خمسة مقومات.
وأقول نتيجة عجلى: إنه وفى بالتزامه في الاكثر الاغلب، وأخل به في الحالات النادرة.
ولا بد من البيان.
أولا - إن خلاصة المقومات الخمسة: أن المترجمين هم من رجال الكتب الستة، لا زيادة ولا نقصان، وإن كانت الزيادة - عرفا - مغتفرة أكثر من النقصان.
وفي المقومات الثلاثة الاخيرة زيادة طفية لا تؤثر على المنهج، لا سيما في فصوله الاخيرة: الكنى، والانساب، والالقاب، فنراه يذكر من رمزه: بخ، صد، قد.
[ ١٣ ]
ويذكر فيها - وفي ثنايا القسم الاعظم من الكتاب وهو الاسماء - من ذكره المزي تمييزا، أو يكرره تنبيها للاختلاف في اسمه، مثل: أنس بن أبي أنس، قال: " الاظهر أنه عمران بن أبي أنس "، ونحو هذا التنبيه، وهو - على فائدته - غير نار الامثلة.
أما المقومان الاولان - رجال الكتب الستة لا الذين لهم رواية -: فيحتاجان إلى توضيح وتعليق.
لا يخفى على الناظر في الكتب الستة طبيعة ما فيها من نقول: فيها الاحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة، والمقطوعة، وفيها الجرح والتعديل.
والاعلام المذكورون فيها: تارة يذكرون على أنهم رواة عن غيرهم، وهذا هو الاكثر الاغلب، وتارة يذرون على أنهم تروى عنهم أقوالهم وأفعالهم.
فابوا هريرة ﵁ يذكر تارة راويا عن النبي ﷺ،
وتارة يذكر على أنه مروي عنه قول أو فعل.
وشعبة ويحيى القطان وابن المدينز يذكرون رجالا في الاسناد يروون عن غيرهم، وتارة تسند إليهم أقوال في الجرح والتعديل.
والتفصيل الآن: إن الامام المزي - وأخصه بالذكر لانه هو واضع المنهج، والمصنف وغيره متابعون له -: يترجم لمن روى أحاديث مرفوعة أو موقوفة أو مقطوعة، باسناد متصل أو منقطع.
وهاهنا أسئلة: ١ - هل من شرط المزي أن يترجم لرجال الاسناد المعلق المصرح باسمائهم؟ ٢ - وهل من شرطه أن يترجم لغير المصرح باسمائهم؟ ٣ - وهل على الذهبي أن بتابعه في شرطه الاول؟.
٤ - وفي أي كتاب من الكتب الستة ورد هذا التعليق؟.
٥ - وهل على المزي أن يترجم لمن روي عنهم قول أو فعل - باسناد أو غير إسناد - من طبقة التابعين فمن بعدهم؟ ٦ - وإذا روي عنهم شئ بغير إسناد فهل عليه أن يكشف عن سنده ثم يترجم لرجاله؟ ٧ - وهناك رجال يذرون في الاسناد أو المتن ذكرا ليس لهم رواية، ولا عنهم رواية، فهل عليه أن يترجم لهم؟.
١ - والجواب عن السؤال الاول: أنه لا يخفى على الناظر في " صحيح البخاري " و" سنن أبي داود " و" سنن الترمذي " أن فيها أحاديث معلقة، وهي في البخاري أكثر من غيره، أوصل الحافظ عددها إلى ١٣٤١ حديث وأغلبها موصول في الصحيح نفسه، ولم يبق إلا ١٥٩ حديث أو ١٦٠ حديث - على اختلاف كلام الحافظ - غير موصولة فيه.
انظر مقدمة الفتح " ص ٤٧٧ س ٦، ٤٦٩ س ٢١.
كما لا يخفى على الناظر في " تهذيب الكمال " أن المزي ترجم لرجال معلقات البخاري، وأفرد لهم رمزا خاصا بهم: خت، وكان وجهة نظره في ذلك أنهم مذكورون بين دفتي " الجامع الصحيح " للبخاري،
[ ١٤ ]
لكن لما كان شري البخاري فيهم دون شرطه فيمن يسند لهم مازهم برمز خاص.
ومثل هذا يقال فيمن روى لهم سملم في مقدمة " صحيحة "، فهم دون شرطه في صلب " الصحيح "، كما بينته في دارسة " تقريب التهذيب " ص ٤٩، وقد خصهم المزي برمز: مق، كما هو معلوم.
فخلاصة جواب السؤال الاول: نعم.
ولوضوحه لا حاجة إلى الدليل عليه بذكر أمثلة لا ٢ - أما جواب السؤال الثاني - وهو: هل من شرط المزي أن يترجم لغير المصرح باسمائهم -، فاوضح السؤال أولا بالمثال ثم أذكر الجواب، وأنقله مما قلته في دراسة " التقريب " ص ١٣.
المثال: هو قول البخاري رحمه الله تعالى - أول كتاب اليمان من " صحيحه ": " وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عي: إن للايمان فرائض وشرائع وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة، وقال ابن مسعود: اليقين: الايمان كله ".
ولا ريب أن بين البخاري وعمر بن عبد العزيز ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وسائط ورجلا، فهل على المزي - ومن بعده - أن يترجم لهؤلاء الرجل، فان كانت لهم تراجم - بسبب وجود رواية لهم في مناسبة أخرى - فهل عليه أن يرمز لهم " خت "، علامة تعليق البخاري لهم؟ وجواب ذلك: أن المزي ترجم لبعضهم ولم يستوعب، فكأنه لم يلتزم.
فترجم لعبد الرحمن بن فروخ العدوي مولى عمر، وأسند إليه من طريقه إنه قال: " اشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دارا " ثم قال المزي: " قال البخاري في " الصحيح ": واشترى نافع بن عبد الحارث، فذكره ".
يريد المزي: أن البخاري علق هذا الاثر، وهو من رواية عبد الرحمن بن فروخ، فلذا ترجم له، والاثر في كتاب الخصومات، باب الربط والحبس في الحرم ٥: ٧٥.
ينظر تمام كلامي هناك، ففيه أن المزي لم يلتزم، وتبعه ابن حجر أولا، ثم بدا له التزامه، أو انظر " تهذيب التهذيب " آخر ترجمة عبد الرحمن بن فروخ.
فمن لم يسم: ليس من شرط المزي، وأما من سمي: فهو من شرطه، وهم أصحاب السؤال الاول.
والسؤال الثالث: هل على الذهبي أن بتابع المزي في شرطه الاول فيترجم لكل من علق البخاري له وصرح باسمه؟ ٣ - وجوابه: أني لا أستطيع الجزم بنفي أو إثبات، لان المصنف لم يطرد فيه، سلبا إو إيجابا، ذلك أن
المزي أفرد لهم رمزا خاصا بهم: خت، وقد أهمل المصنف هذا ارمز في مقدمة الكتاب، وهذا إيذان منه بعدم استعماله إياه، سواء في من ليس له رواية إلا في هذه المعلقات، فحقه إفراده برمز: خت، أو كان مشتركا مع رموزا أخرى.
وإذ بالمصنف يستعمله أول مرة في ترجمة إسحاق بن يحيى العوصي
٣٢٩- مفردا دون رمز آخر معه!، ثم في ترجمة القاضي الشهير إياس بن معاوية المزني
٥٠٢- ورمز له: خت مق
١-! ! وكلاهما ليس على شرطه، أهملهما في مقدمة كتابه.
[ ١٥ ]
وتزيد الغرابة إذا علمنا أن ترجمة إياس جاءت في صلب الكتاب لا على حاشية الصفحة، كما هو الحال في تراجم سبقته، وتراجم كثيرة لحقته! وترجمة اسحاق العوصي المشار إليها جاءت على الحاشية.
وقد أهمل المصنف رمز " خت " من تراجم عديدة سبقت الترجمتين المذكورتين، وتراجم كثيرة لحقتهما، ومن التراجم السابقة عليهما التي إهمل من بين رموزها رمز " خت ": ترجمة أبان بن صالح القرشي: وأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، فاقتصر على رمز السنن الاربعة.
كما أهمل الرمز المذكور من تراجم كثيرة لاحقة - كما قلت - ومنها، بل أول ترجمة جاءت هي ترجمة بشر بن ثابت البصري، اقتصر الذهبي على رمز: ق، وعند المزي: خت ق.
وهكذا وهكذا.
وخلاصة الجواب: أن لذهبي لم يطرد في استعماله رمز خت، بل أحيانا وأحيانا، فما الذي وراء ذلك؟ الله أعلم.
٤ - وجواب السؤال الرابع: تقدم أن غير البخاري قد يعلق أحاديث في كتابه، وسميت منهم: أبا داود والترمذي، فهل من الحق على المزي أن يترجم لهؤلاء على النحو الذي تقدم في الكلام على معلقات البخاري: المسمين وغير المسمين؟.
والجواب: أن من لم يسم: فليس على شرطه، كما هو الحال فيمن لم يسم في معلقات البخاري، إما من سمي، فهم على شرطه، وحقه إن يلتزم ترجمتهم في كتابه، لكنه أهمل عددا منهم، استدرك الحافظ
ابن حجر عددا منهم، واستدركت من تنبهت لامره.
والدليل على أن هؤلاء من شرط المزي أمران.
: أولهما: أنه ترجم لابراهيم بن أدهم الزاهد المشهور رحمه الله تعالى، وصرح بان الترمذي روى له تعليقا، وتابعه على الترجمة له: الذهبي وابن حجر، مع أنك تجده قد فاته - أو أهمل - رمزت لمحمد بن ذكوان، فرمز له: تمييز.
وأغفل ترجمة عمرو بن ثابت بن هرمز، وعميرة بن أبي ناجية، وقد علق لهما أبو داود، فستدركهما عليه ابن حجر في " تهذيبه " ٨: ١٠، ١٥٣.
ثانيهما: قول ابن حجر في " تهذيبه " بعد أن ترجم لعمرو بن ثابت بن هرمز: " من عادة المؤلف - أي المزي - أن من علق له أبو داود رقم له رقمه، وهذا منه، فاغفله " ونحوه في ترجمة عميرة بن أبي ناجية.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة محمد بن ذكوان ٩: ١٧٥ الذي رمز له المزي: تمييز: " كان ينبغي للمزي أن يرقم له رقم الترمذي، فقد اعتمد ذلك في أسماء جماعة لم يخرج لهم أبو داود والترمذي وغيرهما إلا تعليقا، ورقم لهم علامتهم مع ذلك ".
فالحافظ ابن حجر يقفهم من صنيع المزي في كتابه التزامه هذا ويلمه به، لذلك استدرك عليه من هذا القبيل في عدة مواضع.
[ ١٦ ]
أما الذهبي فقد أغفل ذلك فلم يستدرك عليه شيئا منه.
انظر التعليق على الارام المذكورة: عند ١٧٩٣، ٢١٤٧، ٢٤٠٠، ٢٤٣٠، ٣١٣٥، عند ٣٨٣٧، عند ٤١٣١، عند ٤٩٨٤، عند ٥٤٥٠، ٦٥١٠.
٥ - والمقصود بالتساؤل الخامس: يتضح بالمثال.
روى البخاري ٣: ٥٨١
١٧٥٠)، ومسلم ٩: ٤٣ من طريق الاعمش أنه قال: " سمعت الحجاج بن يوسف يقول وهو يخطب على المنبر: ألفوا القرآن كما ألفه جبريل: السورة التي يذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها النساء، والسورة التي يذكر فيها آل عمران ".
فالحجاج - الظالم المشهور - ليست له رواية في الصحيحين، لكن: عنه رواية، رورى عنه الاعمش أنه كان يقلو كذا وكذا، فهل شرط المزي أن يترجم له؟ الواقع أن المزي لم يترجم للحجاج، بل لم يذكر في ترجمة الاعمش أنه يروى عن الحجاج، وتبعه المصنف في " تذهيبه "، أما في " الكاشف " فترجم له
٩٤٦- ورمز له خ، وأشار إلى حديثه الذي ذكرته، ولكن لا أدري لم أغفل رمز م، والامر هو هو؟ ! وقد ترجم الحافظ في كتابيه: " التهذيب " و" التقريب " ورمز له: تمييز، وقال: " لم يقصد الشيخان وغيرهما الرواية عنه، ووقع ذكره وكلامه في الصحيحين وغيرهما، وليس باهل أن يروى عنه "، ومقتضى هذا منه أن من له ذكر في كتاب فلا ينبغي أن يرمز له، وكذلك صنيعه في ترجمة هشام بن حكيم ﵁.
وصنيع اذهبي أقرب إلى الصواب، فالاولى استدراكه مع الرمز، ذلك أن البخاري روى ٣: ٥٩
١١٨٤- من طريق مرثد بن عبد الله اليزني قال: " أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب ".
فعلق الحافظ على قوله: " من أبي تميم "، فقال: ٣: ٦٠: " هو عبد الله بن مالك الجيشاني لم يذكر المزي في " التهذيب " أن البخاري خرج له، وهو على شرطه، فيرد عليه بهذا الحديث ".
وأكد ذلك بقوله في " التقريب "
٣٥٦٤): " أغفل المزي رقم خ "، وأنت ترى أنه ذكر له فعل ذكرا لا رواية، في حين أن ذكر الحجاج إلى الرواية أقرب، ومع ذلك ترى الحافظ استنكر للحجاج رمز خ، وألزم المزي بترجمة أبي تميم؟ ! ونحو هذا المثال: مثال آخر: روى أبو داود في " سننه " كتاب الايمان والنذور - باب كم الصاع في الكفارة ٣: ٥٨٦
٣٢٨١- عن محمد بن محمد بن خلاد، عن مسدد، عن أمية بن خالد قال: " لما ولي خالد القسري أضعف الصاع، فصار الصاع ستة عشر رطلا ".
فهذه حكاية فعل لخالد القسري - كما هو حال أبي تميم - ومع ذلك ترجم له المزي والذهبي وابن حجر!.
وهذا هو موقف المزي ومتابعيه، وفيه من الاضطراب ما لا يخفى.
[ ١٧ ]
هذه أمثة على من له ذكر مسند من التابعين.
ومن الامثلة على من له ذكر غير مسند: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله العنبري، علق لهما البخاري في " صحيحه " ١٣: ١٤٠ - الباب الخامس عشر من كتاب الاحكام - ولم يرمز لهما خت، وعدم الرمز لهما بمثابة عدم الترجمة، إذ لو لم تكن لهما رواية في كتاب آخر لما ترجم لهما.
وقد عتب الحافظ في " الفتح " ١٣: ١٤٣ على المزي إذ أهمل هذا الرمز لهما، ثم وقع هو في ذلك.
انظر دراسة " تقريب التهذيب " ص ١٢.
٦ - أما ترجمة رجال أسانيد هذه الاخبار: فاعتقد أن المزي ترجم لهم، وتوبع، من ذلك: محمد بن محمد بن خلاد المذكور عند أبي داود في الخبر المتقدم، فان المزي ترجمه، وتبعوه على ذلك، وليس له رواية في مكان آخر من " سنن أبي داود ".
لكن الامر يحتاج إلى تتبع واستقراء لنرى هل اطرد صنيعه وصنيعهم في ذلك أولا.
أما رجال أسانيد هذه الاخبار الذين لم يسموا: فحالهم وجوابهم يندرج تحت الجواب عن السؤال الثاني.
٧ - وأخيرا: إن هناك رجالا كثيرين لهم ذكر جانبي محض في بعض الاسانيد والمتون، لا يمت إلى رواية أبدا.
وذلك مثل هني مولى عمر ﵁ الذي قال له: " يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين " رواه البخاري ٦: ١٧٥
٣٠٥٩) .
ومثل يزيد بن معاوية النخعي المذكور في آخر حديث في كتاب الدعوات في البخاري ٩: ٢٢٨
٦٤١١)، قال شقيق: " كنا ننتظر عبد الله - بن مسعود - إذ جاء يزيد بن معاوية، قلت: ألا تجلس؟ قال: لا، ولكن أدخل فاخرج إليكم صاحبكم وإلا جئت أنا فجلست، فخرج عبد الله وهو آخذ بيده فقام علينا فقال "، ولا ذكر ليزيد بعد ذلك أبدا.
ومن ذلك: موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام في قصتهما المعروفة - بل: توف البكالي الذي حاور ابن عباس في قصتهما - ورفاعة القرظي صاحب حديث العسيلة، وشريك بن سحماء وهلال بن أمية،
وصفوان ابن المعطل وأم مسطح، وهاجر وسارة زوجتا إبراهيم الخليل ﵊ وكثير سواهم.
ولا أحب تشويش القارئ بان أقول: لان ترجموه، وفلان لم يترجموه، وفلان ترجمه المزي ولم يتابع، وفلان أهمله.
المزي وترجمه فلان وهكذا لكني أقتصر على أمثلة يسيرة محيرة.
١ - نوف البكالي: رمز له المزي وابن حجر: خ م، وهو مذكور ذكرا - لا رواية - في الصحيحين في قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام، ولم يترجمه الذهبي في " الكاشف ".
٢ - وكذلك فعلوا في هني.
ترجماه، وحذفه الذهبي.
[ ١٨ ]
٣ - وترجما: ليزيد بن أبي كبشة، وحديثه في البخاري ٦: ١٣٦
٢٩٩٦- وهو مذكور ذكرا.
٤ - ويزيد بن معاوية النخعي الذي تقدم حديثه، ورمزا لهما: خ، وكذلك فعل الذهبي رمز لهما: خ، فلماذا؟ ! ٥ - ولزيد بن حارثة ﵁ ذكر وقول في " صحيح مسلم " ٩: ٢٣٧ لا رواية، فما رمز المزي رمز مسلم، ولا الذهبي ولا ابن حجر.
٦ - ومثله هشام بن حكيم ﵁ المذكور في حديث الصحيحين لما سمعه عمر ﵁ يقرأ سروة الفرقان، فاخذه بتلابيبه إلى النبي صلى اله عليه وسلم، وما رمز له رمز الصحيحين.
فتناقض المزي وابن حجر مع صنيعهما في ترجمة نوف وهني، واليزيدين.
في أمثلة أخرى، لا تفيد إلا الاضطراب.
ومنهج ابن الاثير ﵀ في " جامع الاصول " - الركن الثالث منه الذي لم يطبع بعد - أقوم، فانه ترجم كل من له ذكر في كتابه، كما يبدو من مختصره للعلامة الفتني الذي طبعه شيخنا العلامة الاجل كبير محدثي الهند مولانا الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي حفظه الله تعالى طبعه باسم: " تلخيص خواتم جامع الاصول ".
وأرى أنه لا بد لاحكام هذا الامر من استخدام الحاسب االي بعد وضع منهج دقيق من قبل طائفة متخصصة، ثم إحصاء النتائج عن طريقه، وحينئذ يتم اطراد المنهج، وتصح النتائج.
والله ولي التوفيق.
* * * ب - أما الفقرة الثانية: وهي منهج الذهبي في الترجمة: فالحديث عنها يكون في دراسة مقومات الترجمة الواحدة عنده.
إن مقومات كل ترجمة عند الذهبي في " الكاشف " سبعة، أسردها بالتسلسل المذكور في الكتاب، وهي: ١ - اسم المترجم ونسبه ونسبته.
٢ - أسماء بعض شيوخه.
٣ - أسماء بعض الرواة عنه.
٤ - بعض معلومات عامة عنه.
٥ - جرحه وتعديله.
٦ - وفاته.
٧ - رموز مخرجي حديثه.
وأربعة منها أساسية لا بد منها، هي الثلاثة الاولى منها، والاخيرة السابعة.
كما يتبين بجلاء للناظر في الكتاب، وهذا هو تفصيل الحديث عنها.
[ ١٩ ]
١ - لا بد من ذكر اسم المترجم أولا، مع ذكر نسبه: فلان بن فلان ، ونسبته: إلى قبيلة أو بطن، أو بلد أو مهنة، وقد تجتمع هذه وقد تفترق.
والامثلة واضحة.
٢ - ثم يسمي بعض شيوخه إلا إذا كان المترجم صحابيا.
وليس له فيمن يسميه من الشيوخ اصطلاح، فلا يشترط أن يكون من يذكر من شيوخه ضمن الكتب الستة، ولا أن يكونوا من كبار شيوخه، ولا أن يكونوا ثقات، ولا أن يذكر أكبر شيخ له، أو آخر شيخ، ولا يلتزم ما التزمه شيخه المزي: الترتيب الهجائي
١) .
٣ - ثم يذكر بعض الرواة عنه.
وليس له اصطلاح فيهم أيضا.
٤ - وقد ياتي ببعض أخباره، من مناقب ومآثر علمية أو عملية، مما يلقي ضوءا على حال الرجل.
والذهبي ذواقة في التراجم واختيار أخبار الرجال، وانتقاء الالفاظ ذات الدلالة الدقيقة على المراد، وهو محب ولو باخبار العلماء والعباد.
ويجد القارئ في هذا الكتاب اللطيف الحجم من الاخبار النادرة الهامة ما لا يجده في غيره من المطولات، من ذلك: - نقله عن ابن الكلبي في ترجمة حسان بن ثابت ﵁: " كان لسنا شجاعا فاصابته علة فجبن "، وهي عند المزي، وفاتت ابن حجر في كتابيه: " التهذيب " و" التقريب ".
وهي فائدة تصحح الفكر والنظرة نحو هذا الصحابي الجليل.
وانظر " الروض الانف " للسهيلي ٣: ٢٨١.
- وقال في ترجمة إبراهيم بن سعيد الجوهري أحد شيوخ مسلم: " قال ابن خاقان: سألته عن حديث لابي بكر فقال لجاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر!، فقلت له: أبو بكر لا يصح له خمصون حديثا، فمن أين هذا؟ ! فقال: كل حديث لا يكون عندي من مائة وجه فانا فيه يتيم! ".
- وقال في ترجمة زهير بن محمد بن قمير المروزي: " قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد أفضل منه، حدثني ابنه محمد أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة ".
وقد يشير إلى ذلك إشارات دقيقة، كقوله في ترجمة منصور بن زاذان: " سريح القرائة جدا "، يريد: قراءة القرآن الكريم، وانظر التعليق عليه.
٥ - وكثيرا ما يذكر بعض ما قيل في الرجل من جرح وتعديل، فيكون ناقلا عن غيره، وقد يقتصر على تعديله - وفيه جرح - دلالة على اختياره تعديل الرجل، أو العكس، وقد يولد هو قولا من أقوالهم ويصف به الراوي.
وقد يشير إلى الاختلاف فيه فقط دون ترجيح، كقوله: مختلف فيه، وقد يسكت عن ذلك، وهو كثير، وليس له اصطلاح في سكوته كان لا يسكت إلا عن ثقة، أو ضعف.
ولامثلة على هذه الاحتمالات كثيرة واضحة في الكتاب بذاته، أو بالمقارنة مع الحواشي، إلا احتمالا واحدا، هو حال اجتهاده في الرجل وإعطائه حكما فيه من عنده معتمدا مجموعة أقوالهم فيه، فهذا نادر في
الكتاب.
[ ٢٠ ]
من ذلك: قوله في أحمد بن علي إمام سلمية: " جيد الحديث "، وإنما قال فيه أبو حاتم: " أرى أحاديثه مستقيمة ".
و" جيد الحديث " من ألفاظ المرتبة الاخيرة من مراتب التعديل عند المصنف.
انظر مقدمة " ميزانه " ص ٤، فجزم الحافظ في " التقريب "
٨٢- بانه " صدوق ": فيه رفع لمرتبته أكثر مما تفيده عبارة المتقدمين.
والله أعلم.
٦ - وكثيرا ما يؤرخ وفاة الرجل جزما، وقد يحكي الخلاف، وكثيرا ما لا يؤرخها، ويكون المزي - أو غيره قبله - قد أرخها، ولمعرفة تاريخ الولادة والوفاة أهمية بالغة عند المحدثين، لما ينبني عليها من حكم على الرواية بالاتصال أو الانقطاع.
لذلك آخذ البرهان الحلبي سبط ابن العجمي المصنف الذهبي رحمهما الله تعالى على عدم اهمتماه بهذا الجانت في " الكاشف "، فقال في مقدمة كتابه " نهاية السول " - مخطوط -: " وكتاب " الكاشف " مختصره - أي مختصر " تذهيب التهذيب " - وكثيرا ما لا يذكر فيه تعديلا ولا تجريحا، ولا وفاة عض الشيوخ رمزا ولا تصريحا ".
٧ - أما رموز الكتب التي فيها حديث المترجم: فهذا من المقومات الاساسية للترجمة في هذا الكتاب، كالثلاثة الاول، وسيأتي لحديث عنها إن شاء اللهتعالى صفحة ٧٨.
وبعد: فهذا عرض مجمل لمنهج الامام الذهبي في كتابه " الكاشف ": منهجه العام فيمن عليه أن بترجمه، ومنهجه الخاص في كل ترجمة.
واستيفاء لدراسة المنهج أقول: لقد كان على التزام المصنف ﵀ لمنهجه الذي اختطه بعض الملاحظات، سواء في منهجه العام، أو الخاص.
وأدم القول: إن الذهبي متابع لشيخه المزي رحمهما الله تعالى في كتابه هذا متابعة كبيرة قلما يخرج عنه، ولم تظهر فيه شخصيته الاستقلالية الناقدة، كما هي ظاهرة في " الميزان " و" سير أعلام النبلاء " مثلا.
وتقدمت كلمات حول منهجه العام، وأزيد هنا فاقول: ١ - ترجم المزي لبعض من علق له أبو داود والترمذي، وفاته عدد غير قليل، ولم يستدرك المصنف أحدا منهم، ليسد ثغرة بقيت في عمل شيخه، بل ذكر من ذكره المزي، وترك من تركه المزي! سواء كانت ترجمته تحتاج إلى إضافة رمز من علق له، أو أن الرجل يحتاج إلى ترجمة كاملة، أي: إن المزي إهمل الرمز فقط، أو أهمل الترجمة مطلقا.
ومن أمثلة الحال الاولى: سمرة بن سهم، رمزه عند المزي والذهبي: س ق، وعلق له الترمذي، فضاف رمزه ابن حجر.
وكذلك: داود بن جميل، علق له الترمذي، ولم يرمزوا له جميعهم، فاستدركت رمزه.
ومن أمثلة الحال الثانية: والمسور بن عبد الملك اليربوعي، لم يترجمه المزي ولا الذهبي، فاستدركها ابن حجر، لكون أبي داود علق له.
[ ٢١ ]
ومنهم: عقبة بن سويد الجهني، علق له أبو داود حديثا عن أبيه سويد، ولم يترجموهما جميعا، فاستدركت ترجمتهما.
٢ - ترجم المزي لبعض من له ذكر في الكتب الستة - لا رواية - فحذف الذهبي بعضا منهم، وأبقى بعضا آخر.
مثل: هني مولى عمر بن الخطاب، ونوف البكالي، وعبد الرحمن بن أيمن، ترجم لهم المزي، وتبعه المصنف في الاولين، وترك الثالث، وحكمهم سواء.
وترجم المزي لابي عمرو الشيباني، لان مسلما روى له تفسير غيرب " أخنع الاسماء " وتبعه المصنف، وفات المزي أن يترجم لابي حاتم السجستاني وله تفسير غريب أسنان الابل عند أبي داود، فلم يستدركه المصنف.
وتقدم أن المزي لم يترجم للحجاج الثقفي، فاستدرك المصنف ترجمته ورمز له خ فقط، مع أن كلمته التي في " صحيح البخاري " هي في " صحيح مسلم " أيضا، فلم يطرد في استدراكه!.
أما ما يقال في منهجه الخاص: فامور يسيرة، منها:
١ - أنه لم يسر على وتيرة واحدة في سياق نسب المترجم، فهو في الاكثر الاغلب يذكر اسم الرجل، واسم أبيه ملتزما الترتيب الهجائي الدقيق، مما ييسر المراجعة على الباحث - وصاحب الفضل هو صاحب السبق: الحافظ المزي -.
لكنه تارة لا يسمي أباه، وتقع الترجمة وسط أسماء المذكورين بآبائهم، فلا يقع على بغيته إلا من عرف نسب الرجل.
ترجم لبكير بن ااخنس، ثم لابن أبي السميط، ثم ابن شهاب، ثم ابن عامر البجلي، ثم ابن عبد الله بن الاشج، ثم بكير الضخم، ثم بكير بن عطاء.
فالضخم صفة لبكير، ووفعت ترجمته بين: ابن عبد الله، وابن عطاء، فهو ابن من؟ فعلى القارئ أن يقدر ذلك من سياق الترتيب.
٢ - وقلت فيما سبق: إنه لم يلتزم في ذكر شيوخ المترجم أي معنى وملحظ، ولو أنه التزم أن يكونوا من رجال الكتب الستة الثقات: لكان الغاية في الجودة! فان لم يتيسر اشتراط الثة - وهذا في عدد قليل من المترجمين - أشار إلى ذلك برمز يصطلح عليه، كما اصطلح أن يرمز لمن انفرد ابن حبان بتوثيقه ويقول فيه " وثق ": أن يضع فوق اسمه: حب.
وثمة ملاحظات حول أحكامه على الرواة، وأخرى على رموزه، لا أحب التعجل بذكرها، إذ محلها الاليق بها عند دراستهما في الفقرتين الرابعة والخامسة إن شاء الله تعالى.
ولكني أستطيع القول: إن التزام الحافظ ابن حجر لمقومات الترجمة في " التقريب " أو فى وأقوم من المصنف في " الكاشف " وإن كانت أوهام ابن حجر في رموز المترجم أكثر من الذهبي، رحمهما الله تعالى.
[ ٢٢ ]