يقتضي الحديث المستوعب لهذا العنوان إن أفصل القول في: - ألفاظهما، ودقة نقلها، وتميير ما كان من قبل الذهبي، عما كان من غيره.
- وفي شرح مدلولاتها، وترتيبها قوة وضعفا، وبيان ما فيه اصطلاح خاص بقائله، وما ليس كذك،
وقد يكون للذهبي اصطلاح ببعض الالفاظ.
وقد يقتضي استيفاء القول بيان من هو صاحب هذا الاصطلاح من المتقدمين الذي تأثر به الذهبي فاقتبس قوله وما إلى ذلك من متممات.
وقد بدأت بالكتابة على هذا النحو، لكني رأيت نفسي كأنني أجمع ألفاظ الجرح والتعديل كلها، وأصنفها، وأفسرها، وأورخ لها، وأضم إلى ذلك ما عند الذهبي!.
فلذلك عدلت عن هذا إلى وقت آخر بعون الله وتوفيقه، واقتصرت على بعض ألفاظ أقدر أن لها حاجة خاصة، أذكر تحتها كلمات أنبه بها إلى جوانت خاصة لا أقصد منها الدراسة للفظة الجرح والتعديل، وأضع بجانب الكلمات النارد استعمالها رقم الترجمة التي ورد فيها هذا اللفظ، أما الكلمات التي يكثر استعمالها - مثل: ثقة، صدوق - فلا أضع لها رقما.
١ - ثقة.
الثقة: هو العدل الضابط.
وبماذا تعرف العدالة؟ - وبماذا يعرف الضبط؟ آ - بماذا تعرف العدالة؟ ذكر الامام ابن الصلاح ﵀ أول النوع الثالث والعشرين من " مقدمته " مسلكين لمعرفة العدالة - أو الثقة - وهما المسلكان المتفق عليهما: الشهرة بها، كحال الائمة المعروفين.
و" تنصيص معدلين على عدالته ".
وزاد الاصوليون: الحكم بمقتضى حديث الراوي، والعمل به كذلك
١)، والرواية عنه من قبل من لا يروي إلا عن ثقة.
وفي ثلاثتها نظر واختلاف.
[ ٢٣ ]
وأنبه إلى أمرين يتعلقان بالتنصيص على العدالة: أولهما: هل يشترط في النص إن يكون من إمام من أئمة الجرح والتعديل؟.
ثانيهما: هل يشترط فيه أن يكون نصا صريحا - فلان ثقة - أو: يقبل التوثيق الضمني، وذلك بتصحيح حديثه مثلا؟ والجواب عن الامر الاول: أنه لا بد من أهلية صاحب التعديل، وعبارة ابن الصلاح عامة: " تنصيص معدلين على عدالته ".
وهذا خلاف فيه.
لكن بعضهم ذكر صورة ما لو عدله أحد الرواة عنه، فهل يكتفى بذلك؟ كما لو قال رجل: حدثني فلان وكان صدوقا، أو كان ثقة، ونحو ذلك، فما القول؟ قال السخاوي ﵀ في " فتح المغيث " ١: ٢٩٦ " صرح ابن رشيد بانه لو عدله المنفرد عنه كفى، وصححه شيخنا - ابن حجر - أيضا إذا كان متاهلا لذلك، ومن هنا ثبتت صحبة الحابي برواية الواحد المصرح بصحبته عنه ".
والجواب عن الامر الثاني: أنهم صرحوا بقبول التوثيق الضمني، وهذه نصوص ما وقفت عليه.
- روى الترمذي عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري حديثا في اعتدادها في بينها وأنه لا يجوز الاعتداد في بيت أهلها، وقال: حسن صحيح، وضعفه ابن حزم بجهالة حال زينب بنت كعب بن عرة رواية الحديث عن الفريعة، فتعقبه ابن القطان - كما في " نصب الراية " ٣: ٢٦٤ - فقال: " وليس عندي كما قال: بل الحديث صحيح، فان سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد، وقد قال ابن عد البر: إنه حديث مشهور.
انتهى ".
ولما خالف ابن القطان هذا المنهج تعقبه الامام ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى: ٢ - فقد روى عمرو بن بجدان، عن أبي ذر ﵁ حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم "، ولم يرو عن عمرو إلا أبو قلابة، فضعف ابن القطان الحديث به فقال - كما في " نصب الراية " ١: ١٤٩ -: " هذا حديث ضعيف بلا شك، إذ لا بد فيه من عمرو بن بجدان، وعمرو بن بجدان لا يعرف له حال، وإنما روى عنه أبو قلابة ".
٣ - وعقبه الزيلعي ﵀ بكلام بن دقيق العيد فقال: " قال الشيخ تقي الدين في " الامام ": ونم العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: حدا حديث حسن صحيح، وأى فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثا انفرد به! وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة فليس هذا بمقتضى مذهبه، فانه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي ".
٤ - وقال المصنففي " الميزان " ٤
١٠٤٧٨): " أبو عمير بن أنس بن مالك تفرد عنه أبو بشر،
[ ٢٤ ]
قال ابن القطان: لم تثبت عدالته.
وصحح حديثه ابن المنذر وابن حزك وغيرهما فذلك توثيق له.
فالله أعلم "
١) .
٥ " - وقال أيضا ١
٢١٢٥): " حفص بن عبد الله الليثي، ما علمت روى عنه سوى أبي التياح، ففيه جهالة، لكن صحح التزمذي حديثه ".
وفحواه في " الكاشف "
١١٤٩) .
٦ " - وقال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة "
٥٦١- في ترجمة عبد الله بن عبيد الديلي: " أخرج حديثه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن غيرب، وهذا يقتضي أنه عنده صدوق معروف ".
٧ " - وقال الامام اكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى في " فبح القدير " ٢: ١٣٤: " تحسين الترمذي الحديث فرع معرفته حاله وعينه ".
فهذه نصوص خمسة من أئمة الحديث في المتأخرين اعتمدت هذا المنهج، لذلك تبعتهم في التعليق على هذا الكتاب، فتجدني كثيرا ما أستدرك على حكم المصنف إو ابن حجر في " التقريب " بان هذا المترجم صحح أو حسن له الترمذي، فهو أحسن حالا من قول المصنف أو ابن حجر المذكور.
ب - بماذا يعرف الضبط؟ لا ريب أنه يعرف باختيار حديثه وعرضه على رواية الثقات الاثبات له، فان وافقها قبل، وإن خالفها: رد بمقدار ما تكون المخالفة.
وهذا هو السير والاعتبار الذي يوصل - بعد معرفة العدالة - إلى الامر المتقدم، وهو النص الصريح على توثيقه، أو تصحيح حديثه.
وهذه العملة تكون منهم للراة المتقدمين عليهم أو المعاصرين لهم.
أما العدالة: فيأخذونها عن شيوخهم بالنسبة لمن قبلهم، ويتعرفون عليها بانفسهم بالنسبة لمعاصريهم.
وإذا اعتبروا حديث الرجل - سواء روى عنه واحد أو أكثر - فوجدوه موافقا لحديث الثقات - أو نادر المخالفة -: صرحوا بتوثيقه، أو صححوا حديثه.
قال المزي في " التهذيب " ١٥: ٣٤٤ ف ترجمة عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني: " قال أبو عبيد الاجري عن أبي داود: أحاديثه مستقيمة، ما أعلم حدث عنه غير القعنبي
٢)، لقيه بالاندلس ".
وهذا - مع وضوحه - يحتاج إلى شئ من السبط والشرح، أنقله من جواب خطي وقفت عليه لشيخنا الحافظ الناقد أحمد الصديق الغماري رحمه الله تعالى
١٣٢٠ - ١٣٨٠)، قال فيه: " إن رد رواية المجهول ليست لذات كونه مجهولا، بل لعدم تحققنا بحاله من جهة الجرح والعدالة، فقد يكون عدلا ضابطا
٣)، وقد يكون مجروحا ساقطا
٣)، فلما تردد حاله في علمنا بين الحالتين سقط حديثه، لوجود هذا الاحتمال، لا لذات الجهالة، لانها قد ترتفع ويرتفع معها ضعف الحديث، كالنوم في نواقص الوضوء، فانه ليس ناقضا لذاته
[ ٢٥ ]
فكذلك جهالة الرواي بالنسبة لكذبه وتهمته وفسقه، فالاولى
يريد: الجهالة- مظنة لضعف الحديث فحسب، ولاخرى أسباب حقيقة لضعف الحديث، فالمحدث إذا نظر في سند حديث ووجد فيه رجلا مجهولا: حكم بضعفه، لاحتمال ضعف ذلك المجهول، وربما حكم بوضعه، لغلبة الظن عنده بان ذلك المجهول كذاب لاسباب أذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
ثم قد يبقى ذلك الحكم مستمرا عنده وعند غيره، لاستمرار الجهل بذلك الراوى عند الجميع، وقد يرتفع ذلك الحكم عنده أو عند غيره لارتفاع جهالة الراوي المذكور، فكم من محدث يجزم بضعف الحديث لظنه بجهالة راو بسنده، ثم بعد ذلك يقف على ترجمته وكونه ثقة معروفا، فيرجع عن حكمه السابق، وكم من حافظ حكم بضعف حديث أو بطلانه معللا ذلك بجهالة بعض الرواة، فتعقبه من بعده بكون ذلك الراوي غير مجهول وأنه معروف إما بالجرح، وقد وقع هذا بكثرة لابن حزم، وعبد الحق، وابن القطان، وابن الجوزي، بل لابن حبان وغيره من المتقدمين، ومن قرأ " اللآلئ المصنوعة " و" اللسان " و" تعجيل المنفعة " رأى من التعقب بمثل هذا على المذكورين وغيرهم الكثير والمقصود: أن الجهل بالرواي ليس ضعفا حقيقيا، وإنما هو مظنة قد ترتفع، وقد تكون مرفوعة في نفس الامر.
فابن حزم لما ضعف الحديث بجهالة الترمذي: لم يكن تضعيفه واقعا على الحديث إذ ذاك، لكون الترمذي إماما مشهورا حافظا ثقة باتفاق، ولكن ابن حزم جهله، لعدم اشتهار " سننه " بالافدلس في عصره، والكمال لله تعالى.
ثم إن المجهول لا يخلو من أن يكون حديثه معروفا أو مننكرا، فان كان معروفا فجهالته لا تضر، وإن كان منكرا وعرف تفرده به فهو - أي المجهول - ضعيف محقق الضعف حتى لو رفعت جهالته العينية برواية اثنين فصاعدا عنه، أو لم ترفع، فهو ضعيف مجروح خارج من حيز المجاهيل إلى حيز الضعفاء المحقق ضعفهم.
وبهذا الضابط يعرف المتأخرون ضعف الراوي المتقدم عنهم، أو ثقته
١)، مع أنهم لم يروه ولم يعاشروه، بل يتكلمون في الرواة المتقدمين عنهم بمئات السنين وذلك أنهم يعتبرون أحاديث الراوي ويتتبعونها، فان وجدوها موافقة للاصول وأحاديث الثقات، ليس فيها تفرد بغرائب ومناكير، وليس فيها قلب ولا غلط ولا تخليط: حكموا بضبط الراوي وثقته
١)، وإن وجدوها بخلاف ذلك: حكموا بضعفه وأنزلوه بالمنزلة التي تدل عليها أحاديثه من كونه وضاعا أو كثير الخطا فاحشه، أو غير ذلك مما له ألقاب تخصه
٢) .
[ ٢٦ ]
فإذا جمعت هذا وتدبرته - الخطاب للسائل -: تعلم معنى قول الحفاظ المذكورين: إن المجهول إذا روى عنه ثقة ولم
يات بما- ينكر فحديثه صحيح، لانه إذا أتى بما لم ينكر فذلك دليل على كونه ثقة في يحتمل قصد إبهماه وترك اسمه لئلا يعرف، لكونه ضعيفا: فالحديث صحيح على ما تفيده القواعد.
أما الجمهور الذين نقل مذهبهم الحافظ في " اللسان ": فلم يراعوا هذا التدقيق، وسدوا الباب مرة واحدة، للاحتمال المتطرق إلى ذلك المجهول بكونه ثقة أو كونه ضعيفا، والاحتمال يسقط معه الاستدلال، وأكد لهم ذلك أن أغلب المجاهيل حالهم كذلك - أعني: ضعفاء - لانهم لو كانوا ثقات لاشتهروا وعرفوا بين المحدثين، كما هو حال سائر الثقات.
ولا يخفى أن هذا المنزع فيه ضيق وتشديد، قد يفوت معه كثير من الاحاديث الثابتة في نفس الامر ويضيع العمل بها، وأن مذهب ابن حبان ومووافقيه ممن حكينا مذهبهم أولى بالنظر والقبول، لجمعه بين المصلحتين.
والله أعلم ".
٢ - الثبت: بفتح الثاء المثلثة، وسكون الباء الموحدة وفتحها، وتاء مثناة.
والاولى الاقتصار على
سكون الباء الموحدة، للتمييزيين الرجل الثبت، وبين الثبت الذي هو الكتاب الجامع لشيوخ المحدث ومرواياته.
ومعين " ثبت " في اللغة " المتثبت في أموره.
٣ - المتقن: قال السخاوي ﵀ في " فتح المغيث " ١: ٣٣٧: " لا يزيد الاتقان على الضبط سوى إشعاره بمزيد الضبط ".
فيكون وصف الثقة ب " متقن " في قولهم: ثقة متقن: ديلا على أن ضابط ضبطا أزيد من مطلق الثقة، وهو بدرجة من يوصف ب " ثقة حافظ ".
فقد سئل أبو زرعة عن أبي معمر المنقري عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج فقال: " كان حافظا ثقة ".
قال ابن أبي حاتم ٥
٥٤٩): " يعني أنه كان متقنا ".
فينظر قول المصنف ﵀ في " الموقظة " ص ٧٦ - ٧٧: " ثم ثقة حافظ، ثم ثقة متقن "
٢- واشتهر قول الامام عبد الرحمن بن مهدي: " الحفظ: الاتقان " المذكور في " الجرح " ٢: ٣٥ - ٣٦.
[ ٢٧ ]
ومن كان شانه التثبت في أموره: فهو متقن، ولا يكون ارجل متقنا إلا إذا كان كلما عرض له شك في محفوظ له أزال الشك بالمراجعة.
فالمتقن والثبت سيان متلازمان، ذ لا يتم الاتقان إلا بعملية التثبت.
٤ - وقد يكون الرجل ثقة، ولا يكون حجة، كما يستفاد من قول الامام يحيى بن معين في محمد بن إسحاق صاحب " المغازي ".
ففي رواية الدوري عن ابن معين ٢: ٥٠٤
١٠٤٧): " ثقة ولكنه ليس بحجة "
١) .
ونحوه قوله في إسماعيل بن أبي أويس: " صدوق وليس بحجة "، كما في " فتح المغيث " ١: ٣٣٨، و" توضيح الافكار " ٢: ٢٦٤ - ٢٦٥.
وقال يعقوب بن شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي: " ثقة وليس بحجة " حكاه في " تهذيب التهذيب " ١: ٥٠، و" فتح المغيث " ١: ٣٣٨.
فإذا قالوا في رجل ما
حجة- فيكون قد جاز قنطرة النظر في حديثه: هل يحتج به أو لا؟ وهذه الالفاظ الاربعة وردت في " الكاشف " ويلحق بها لفظ خامس لم أره فيه - فيما أذكر - أذكره
للفائدة وهو: ٥ - متين: ففي " صحيح ابن خزيمة " ٢: ٣١٢
١٣٧٦- عن الامام محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في حجاج الصواف: " متين "، وفسرها ابن خزيمة بانه يريد: " ثقة حافظ ".
ففيها الدلالة على مزيد الحفظ، فهي بمثابة قولهم: متقن، واله أعلم.
٦ - موثق
١٤٨٨): وظاهر هذا التعبير يفيد أن صاحبه ملحق بالثقة إلحاقا ولم يسلم له وصلوه مرتبة
الثقة)، فهو دونها، نظير تفرقتهم بين: ضعيف ومضعف، وضعيف ومتكلم فيه، وصحيح ومصحح، وحلال ومحلل ، لكن عكر علي قول الحافظ في مقدمة " لسان الميزان " ١: ٤ عن رجال " التهذيب ": " إما أئمة موثقون، وإما ثقات مقبولون "، فوصف الائمة بانهم موثقون، وكذلك جاء النص في النسخة الخطبة من " اللسان " المحفوظ أصلها في مكتبة أحمد الثالث باصطنبول، فقد راجعتها خشية أن يكون صواب ما في النسخة المطبوعة: أئمة موثوقون.
ثم سالت عنها شيخنا اعلامة المحدث الطليع الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى حين زيارته المدينة المنورة في شهر رجب من هذا العام ١٤١٠، فقال: مراد الحافظ أنهم متفق على ثقتهم.
وهذا المراد هو المتعين من سياق كلامه، لكن هل هذا يسوغ استعمال هذه اللفظة في هذا المقام؟.
والرجل الذي أشرت إلى ترجته برقم
١٤٨٨- وقال عنه المصنف
موثق- قال عنه المصنف نفسه في " الميزان " ٢
٢٦٩٧- حكما من عنده: " ثقة ".
[ ٢٨ ]
٧ - ومن ألفاظ التعديل في الكتاب: وثقة فلان، مثل: وثقه أحمد، وثقه ابن معين، وثقه النسائي، وثقه الخطيب
١٤٤٠)، وثقه بحشل
١٠٤٥)، وثقه العجلي
٣٤٣)، وثقه ابن حبان
١٢٧)، وهكذا، يقيد التوثيق برجل من رجال الجرح والتعديل.
فقد يكون الرجل ثقة دون اختلاف فيه وخصه الذهبي بالذكر، وقد يكون فيه اختلاف فاختار توثيقه ونص على من وثقه، ولا تهمني الامثلة كثيرا بقدر ما يهمني التنبيه إلى أن المترجم إن كان ثقة - كما يفيده صريح الكلام - سكت عنه، وإن كان غير ذلك نبهت إليه في التعليق بالنقل عن " التقريب " أو بغير ذلك.
ويلاحظ أن ابن حجر ﵀ يقول غالبا عمن يوثقه الخطيب، ومسلمة بن قاسم القرطبي، ونحوهما: صدوق ويشكل هذا في جانب الخطيب، فانه قد نص في كتابه " الكفاية " ص ٢٢ على أن أرفع عبارات التعديل: " أن يقال: حجة أو ثقة "، فحينما يقول في راو
ثقة): لا بد أنه راعى هذا الاصطلاح، فكيف ننزل بقوله إلى: صدوق!.
وأما توثيق العجلي: فقد قال المصنف في ترجمة عبد الملك بن سبرة بن الربيع الجهني: " ثقة ضعفه ابن معين " مع أنه لم يذكر فيه إلا توثيق العجلي له فاختاره مع أن ابن معين ضعفه! حتى لو أخذنا بقوله في " الميزان " ٢
٥٢٠٥): " صدوق إن شاء الله ": لكان مخالفا للمعلمي - ومتابعيه - أيضا، ذلك أنه حكى هناك تضعيف ابن معين، وقول ابن القطان " لا يحتج به "، ومع ذلك قال: " صدوق إن شاء الله ".
وقال في أول ترجمة في " ميزانه ": " قال أبو الفتح الازدي: متروك.
قلت: لا يترك، فقد وثقه أحمد العجلي ".
وفي المطبوع: أحمد والعجلي، والواو زائدة فتحذف، كما في " الرفع والتكميل " ص ٢٧١.
وفي " تهذيب التهذيب " ١: ٤٢٧ ترجمة البراء بن ناجية: " قال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وأخرج هو والحاكم حديثه في صحيحهما وقرأت بخط الذهبي " في الميزان ": فيه جهالة لا يعرف.
قلت: قد عرفه العجلي وابن حبان فيكفيه ".
وفي " التهذيب " أيضا ٤: ٩ ترجمة سعيد بن حيان التيمي: ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال العجلي: كوفي ثقة، ولم يقف ابن القطان على توثيق العجلي، فزعم أنه مجهول ".
وقال أيضا في ترجمة كثير بن أبي كثير البصري مولى عبد الرحمن بن سمرة: " قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات ، وزعم عبد الحق تبعا لابن حزم أنه مجهول، فتعقب ذلك عليه ابن القطان يتوثيق العجلي ".
فهذه شواهد على اعتماد العلماء توثيق العجلي، وأنه ليس كما قال المعلمي ﵀ في " التنكيل " ١: ٦٦، وفي تعليقه على " الفوائد المجموعة، ص ٢٨٢: يوثق المجاهيل من القدماء، وأنه أشد تسهلا من ابن حبان في توثيق التابعين! وليس حال ابن سعد وابن معين والنسائي في التوثيق كما زعم عليهم، بل لقد
جار وقسط في حق ابن معين، وأساء الظن والاتهام لابن عبد البر، وتخرص على السيوطي، رحمهم الله تعالى، انظر " التنكيل " ١: ٦٧، ١٥٢، والتعليق على " الفوائد المجموعة " ٣٠، ٣٥٥، وهو يشهد على نفسه بالتشدد، انظر صفحة
د- من مقدمة " الفوائد ".
[ ٢٩ ]
وأما موقف الذهبي ممن ينفرد ابن حبان بتوثيقه: فانه تارة يعبر عنه في حق الراوي فيقول: ثقة، وتارة: صدوق، وتارة: وثق - وقد يضع فوقها رمز: حب - ولفت نظري أنه قال في عبد الله بن مالك الهمداني: " شيخ ".
وهو ممن ذكره ابن حبان في " ثقاته ".
ولعلها مرة واحدة لم تتكرر.
أما مرات قوله " ثقة ": فكثيرة، أحصيت منها تسعا وستين مرة، وأما مرات قوله: " صدوق " فقليلة جدا: سبع مرات، وأما استعماله كلمة " وثق ": فكثير جدا لا داعي لاحصائه.
وهذه أرقام تراجم من وثقهم: ٣٥٤، ٣٦١، ٣٨٣، ٧٧٧، ٧٩٥، ٨٠٨، ١٠٧٢، ١٢٨٣، ١٥٠٧، ١٦٠٩، ١٦٢٨، ١٧٤١، ١٧٧٠، ٢١٢٠، ٢١٨٨، ٢٢٥٥، ٢٢٦٤، ٢٣٤١، ٢٣٥٢، ٢٣٥٥، ٢٤٨٩، ٢٦٠٣، ٢٦٢٩، ٢٦٨٣، ٢٧٠٥، ٢٨١٦، ٢٨٣٣، ٢٨٥٨، ٢٩٢٧، ٣٠٣٩، ٣٠٤٣، ٣٠٦٠، ٣٣١١، ٣٣٨٣، ٣٤٧٥، ٣٤٨٩، ٣٥١٢، ٣٥١٥، ٣٥١٨، ٤١٥٤، ٥٠٧٣، ٥١٤٦، ٥٤٢٥، ٥٥٨٩، ٥٦٢٩، ٥٦٧٥، ٥٧٠٠، ٥٩١٥ ٥٧٩٥، ٥٩٣٣، ٥٩٥١، ٦٠٦٤، ٦٠٦٥، ٦١١٥، ٦٣٢٠، ٦٣٢٧، ٦٣٤٨، ٦٣٤٩، ٦٣٧٣، ٦٣٩١، ٦٤١٣، ٦٥٠٣، ٦٦٩٢، ٦٧٣٠، ٦٧٦٧، ٦٨٠١، ٦٨٣٤، ٦٩٠٧، وانظر لزاما التعليق على رقم: ٥٩١٥، ٥٩٣٣.
وأرقام من قال فيهم " صدوق ": ٣٥٣، ٢٨٩١، ٢٩٠٧، ٣٠٠٨، ٣١٤٩، ٣٢١١، ٣٤٦٣.
ولكن لا بد من التنبيه إلى أنه قد يقول " وثق " وفي الرجل توثيق من غير ابن حبان، مثل: صدقة بن المثنى الخعي، وثقه أبو داود وابن حبان، وعاصم العدوي: لم يحك المزي إلا توثيق النسائي - وهو في " ثقات " ابن حبان - فقال الذهبي: وثق، وعباد بن موسى الختلي وثقه ابن معين وأبو زرعة وصالح جزرة وابن حبان، وعباد بن نسيب وثقه ابن معين وابن حبان.
وهذا نادر.
وقد يقتصر المزي على توثيق ابن حبان فيقول الذهبي: وثق، ويكون فيه توثيق من غير ابن حبان، كما
حصل له في سليمان بن سنان.
وهذا نادر أيضا.
وهذا الانحاء الثلاثة التي وقفها الذهبي من توثيق ابن حبان: ثقة، صدوق، وثق، جاء مثلها من ابن حجر في " التقريب "، فهو يقول: ثقة، صدوق، مقبول، وهذا اللفظ الاخير هو الاكثر الاغلب، وهو يعادل من كلام الذهبي: وثق، وهو إولى وأدق من " مقبول "، لان للمقبول اصطلاحا خاصا عند ابن حجر: من لم يرو من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك من أجله، وتوبع، فإذا لم يتابع قال عنه: لين الحديث.
وقد أحصيت من وثقهم ابن حجر في " التقريب " وانفرد ابن حبان بتوثيقهم فبلغ عددهم واحدا وعشرين رجلا، ولا ريب عندي أن هناك آخرين سواهم، وهذه أرقام تراجمهم في " التقريب ": ١٧٠١، ١٨٦٣، ٢١٤٣، ٢١٤٩، ٢٤٤٨، ٢٧٨٥، ٣٠٢٤، ٣٠٤٨، ٣٢١٠، ٤٢١٤، ٤٣٠٧، ٤٤٤٢، ٤٨٢٨، ٥٠٥٢، ٥٠٩٠، ٥٤٧٤، ٧٢٨٠، ٧٧١٠، ٧٧٦٣، ٨٢٠٥، ٨٤١٩، لكنه قال عن هذا الاخير " مقبول " تحت رقم ٤٥٢٤.
وسبقه الذهبي إلى توثيق ثلاثة منهم، وأرقامهم في " الكاشف ": ١٥٠٧، ٥٩٥١، ٦٣٤٨، وهذه أرقام من قال فيهم " صدوق " من " تقريب التهذيب ": ٢٤٣، ٢٧١، ٤٥٣، ٤٩٧، ٥٨٥، ٦٦٨، ٦٩٥، ٦٩٦، ١٢٩٢، ٢٢٢٤، ٢٢٥٢، ٢٢٥٦، ٢٧٦٣، ٣٠٥٩، ٣٠٨٠، ٣٢٠٩، ٣٢٣٢،
[ ٣٠ ]
٣٣٤٨، ٣٣٧٠، ٣٥٣٠، ٣٥٥٣، ٣٥٦٩، ٣٦٢٤، ٣٧١١، ٣٨٥٩، ٤٠٤٤، ٤٠٦٩، ٤٠٩١، ٤١٨٣، ٤٢٥٣، ٤٢٥٦، ٤٢٦٠، ٤٣٥٤، ٤٦١٧، ٤٦٨٠، ٤٦٩٣، ٤٦٩٧، ٤٧١٨، ٤٨٢٨، ٤٩٠٠، ٤٩١٤، ٤٩٢٩، ٤٩٥٠، ٥٠٦٣، ٥١٣١، ٥٤٨١، ٦١٧٠، ٦٢٨٥، ٦٣٣٤، ٧٧٩٨.
فمجموعهم اثنان وخمسون رجلا، وثمة آخرون جزما.
أما من قال عنهم " مقبول ": فكثيرون جدا لا داعي إلى إحصائهم.
وقد قلبت وجوه النظر كثيرا لا تعرف على ضابط ينتظم في سلكه سبب توثيق - أو تصديق - هذين الامامينلمن انفد ابن حبان بتوثيقهم، فلم أقف على ما أطمئن إليه.
وزعم بعض الناس على الامامين الذهبي وابن حجر أن سبب ذلك عندهما: رواية عدد من الثقات عن
الرجل! وهذا إن صح في عدد من الامثلة، فانه لا يصح في عدد آخر كثير.
فقد اتفق الذهبي وابن حجر على توثيق زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يرو عنه إلا اثنان! في حين أن وهب بن مانوس روى عنه اثنان أيضا، فوثقه الذهبي وقال ابن حجر: مستور.
وميمون بن الاصبغ: وثقه الذهبي وقال ابن حجر: مقبول، وقد روى عنه اثنان وثلاثون رجلا! !.
والزبير بن الوليد: وثقه الذهبي وقال ابن حجر: مقبول، ولم يرو عنه سوى واحد! !.
وإسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي: روى عنه أربعة، ووثقه الذهبي، وقال ابن حجر: لين الحديث.
وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الوضاح اللؤلؤي، روى عن كل منهم أكثر من عشرة، وقال عنهم ابن حجر: مقبول، ووثقهم الذهبي.
في حين أن ابن حجر قال صدوق عن كل من: عبد الوهاب بن عبد الكريم الاشجعي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن مزاحم، والوليد بن سريع، وقد روى عن كل واحد منهم عشرة فاكثر، فما الفرق بينهم وبين من قبلهم؟ ! أما الذهبي فوثقهم أيضا.
وشريك بن حنبل العبسي قال فيه الذهبي هنا: وثق، وقال في " الميزان " ٢
٣٦٩٣): " لا يدرى من هو، ووثقه ابن حبان " ولم يرو عنه إلا اثنان، ومع ذلك قال ابن حجر: ثقة!.
في أمثلة كثيرة لا داعي إلى الاطالة بها، لكنى أنبه القارئ الكريم إلى ضرورة التنبه إلى هذه الجوانب أثناء قراءة التعليقات، فقد كنت أشير إليها إشارة دون تصريح، إما بنقل كلام ابن حجر " مقبول "، وإما بالاحالة على ترجمة المترجم من " ثقات " ابن حبان بذكر الجزء والصفحة.
واختلاف هذين الامامين في الحكم على الرجل، بل تباينهما في الحكم - من: ثقة إلى: لين، ومن: ثقة إلى: مستور - لهو أذل دليل على عدم صحة اعتبارهما كثرة الرواة الثقاتعن رجل، مع توثيق ابن حبان له: سببا لتوثيقه.
أما ما جاء في " فتح المغيث " ١: ٢٩٨: " كثرة رواية الثقات عن الشخص توقي حسن الظن فيه " ففيه: أن هذا أمير غير التوثيق والتصديق، كما هو واضح من العبارة نفسها، ومن سياقهما هناك، وفيه أيضا: أن هذا
[ ٣١ ]
حكم عام، فلا ينسحب على أحكام إمامين لا ندري ما موقفهما منه، قبلاه أو رداه، لا سيما أن في كتابيهما أمثلة تخالف ما فهم من كلامهما.
والله أعلم.
وخلاصة هذا كله: أن هذين الامامين كثيرا ما ياخذان توثيق ابن حبان بالاعتبار والاعتماد، يضاف إليهما اعتماد أئمة آخرين عليه، منهم: الحافظ الزيلعي ﵀ صاحب " نصب الراية "، فانه قال ١: ٧٣ عن حديث زينب السهمية عند ابن ماجه: " سنده جيد "، من أجل أن ابن حبان ذكرها في " ثقاته "، مع أن الدارقطني قال عن حديثها في " سننه " ١: ١٤٢: " مجهولة لا تقوم بها حجة " وقال ابن حجر: " لا يعرف حالها " ولم يرو عنها سوى اثنين: أخيها شعيب، وابنه عمرو، فهذا ذهاب منه إلى توثيق ابن بان لها، والله علم.
وانظر منه ٢: ٣٢.
ومنهم: زميله ومرافقه العراقي، فانه لما عمل كتابا في الرجال - وكتب منه قسما يسيرا فقط
١- - كان يحرص جدا على حكاية توثيق ابن حبان للرجل، ولو كان فيه توثيق عدد من غيره من الائمة.
وتجد هذه النقول في " حاشية الكاشف " هذه ابتداء من رقم ١٧ إلى ٢٠٠، فتأملها تجد أسلوبه وعبارته يدلان علياهتمامه به، وانظر على سبيل المثال رقم ١٤٩، ١٥٤.
وورث عن الحافظ العراقي هذا تلميذان: نور الدين الهيثمي، وسبط ابن العجمي.
أما الهيثمي: فمشهور بذلك في كتابه " مجمع الزوائد ".
وأما البرهان سبط ابن العجمي: فقال في مقدمة كتابه " نثل الهميان في معيار الميزان " - الآتي وصفه صفحة ١٣٢ - وهو يذكر منهجه في استدراكاته على " ميزان الاعتدال ": " ورأيت المؤلف قد اقتصر على تضعيف أشخاص أو تجهيلهم، وقد ذكرهم بعض الحفاظ وغالبهم في " ثقات " ابن حبان.
فان قيل: وإذا كان كذلك فما فائدة ذكرك إياه من " ثقات " ابن حبان؟.
فالجواب: أنه يكون قد اجتمع فيه جرح وتعديل، وهذه مسالة خلاف.
فان قيل: إن المؤلف قد قال في " الميزان " في ترجمة عمارة بن حديد - ٣
٦٠٢٠- -: لا يفرح بذكر ابن حبان له في " الثقات "، فان فقاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف، انتهى.
وقال في " الكاشف " في ترجمة يوسف بن ميمون -
٦٤٥٥- -: ضعفوه، فلا عبرة بذكر ابن حبان له في " الثقات " - انتهى:
فجوابه: أن ذكر ابن حبان في " الثقات " له شئ في الجملة
٢)، كيف وقد قال الامام الحافظ المحقق أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملكبن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي ابن القطان، في
[ ٣٢ ]
كتاب " بيان الوهم والايهام الواقعين في كتاب الاحكام " لعبد الحق - وهو كتاب نفيس جدا، يدل على فرط ذكائه وكثره حفظه ومعرفته، وقد وقفت عليه بالقاهرة، ووقفت على ترتيبه على ترتيب عبد الحق، للامام علاء الدين مغلطاي البكجري بخطه، ولكن لم أمعن النظر فيه -: " إن الشخص إذا زكاه واحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه: قبل، وإلا فلا ".
انتهى.
وهذا اختيار له، وهو قول من خمسة أقوال في مجهول العين ".
انتهى كلام البرهان.
وتلمى العراقي الثالث - وهو ابن حجر - وتقدم أمره، وهذا نقل آخر عنه.
قال في " فتح الباري " ٩: ٥٩١ كتاب العقيقة - باب إماطة لاذى عن الصبي، عن حوثرة بن محمد: " احتج به ابن خزيمة في " صحيحه "، وذكره ابن حبان في " الثقات "، فالاسناد قوي، ألا أنه شاذ " ولم يعله بحوثرة.
راعتمد في " الفتح " ٧: ١٦٠ آخر باب القسامة في الجاهلية رواية عيسى بن حطان قة عمرو بن ميمون راجم القردة، وعيسى لم يوثقه غير ابن حبان.
وانظر لزاما " فتح القدير " لابن الهمام ١: ٦٧.
ومن المعاصرين: العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى، فانه يعتمد ذلك كثيرا في تعليقاته على " مسند أحمد " و" سنن الترمذي " وغيرهما.
وكذلك شيخنا جهبذ العصر مولانا العلامة الحجة الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي حفظه الله ورعاه، فقد كتب إلي في جواب سؤالي عن رأيه في ذلك: " وأما توثيق ابن حبان إذا انفرد: فهو مقبول عندي، معتد به، إذا لم يات بما ينكر عليه ".
ثم جاءني جواب شيخنا العلامة حافظ المغرب الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى، وفيه جواب ممائل لجواب شيخنا الاعظمي، فالمعنى هو المعنى، والاستدلال هو هو!.
وسيأتي تمام ذلك إن شاء الله عند الحديث عن المجاهيل ص ٥٥.
وقبل إنهاء الحديث عن هذه الفقرة السابعة: أنبه إلى ضرورة التنبه إلى ما في قولهم حين حكاية توثيق راو عن عدد من الائمة، يقولون: وثقه فلان وفلان ، ويكون من جملة هذه التوثيقات: لا باس به، محله الصدق، ونحوهما من الالفاظ النازلة عن مرتبة: ثقة.
ويقولون أحيانا: حديث كذا: رواه من الثقات فلان وفلان ، ويذكرون بينهم من فيه كلام كثير بحيث لا يوثق بحال، نعم، هو غير مدفوع عن الصدق، كقول الدارقطني في " سننه " ١: ٨٩: " خالفه جماعة من الحفاظ الثقات، منهم: زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري..، وحجاج بن أرطاة "، مع ما تراه من كلامه فيه ٣: ١٧٤ - ١٧٥، ومن جملته: " ترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه، وكفاك بهم علما بالرجال ونبلا ".
ونحو هذا: قولهم: ضعفه فلان وفلان..، ومراتب ألفاظهم في تضعيفه متفاوتة.
وانظر ص ٧٦.
٨ - ومن ألفاظه: صدوق، ويستعمل: صدقه فلان، كما يقولون: ثقة، ورثقه فلان، وضعيف، وضعفه فلان.
قال في أحمد بن عبد الرحمن البسري: " صدقه أبو حاتم ".
[ ٣٣ ]
وسلف المصنف في هذا الاستعمال: ابن عدي، فانه قال آخر ترجمة عاصم بن علي الواسطي من " الكامل " ٥: ١٨٧٦: " ضعفه ابن معين، وصدقه أحمد بن حنبل وصدق أباه وأخاه ".
والحديث عن كلمة
صدوق- ومراحلها في استعمالات الائمة لها: طويل، ويستاهل أن يفرد في جزء، لكن مما يفيد ذكره هنا - مع التنبيه إلى ضرورة نقل كلمات الجرح والتعديل على وجهها - ما أسنده الامام مسلم في " التمييز " ص ١٧٦
٢٣- إلى شعبة بن الحجاج أنه قال: " شك ابن عون إصدق عندي من حديث آخر عندكم، صدوق صدوق ".
ف
صدوق- هنا: بمنزلة قوله: ثبت، إو متقن، أو حجة، يريد بها التأكيد على شدة ضبط ابن عون، بقرينة أول كلامه، ومن الخطا الكبير في مثل هذه الحال أن يقال مثلا: قال شعبة في ابن عون: صدوق، مرة واحدة، أو مرتين، دون نقل صدر كلامه.
٩ - واستعمل ﵀: صدق، قال ذلك في سليمان بن منصور البلخي، وهي مثل قولهم: وثق،
وضعف.
١٠ - واستعمل أيضا: ضعف، قالها في إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر.
١١ - وكذلك: لين، قالها في محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي.
ويلزم من استعماله هذه الالفاظ الاربعة: وثق، صدق، لين، ضعف: أن تكون قد قيلتفي الرجل، فلا يصح لي أن أقول في فلان
وثق- إلا وقد قيل فيه: ثقة، وهكذا سائرها، لكنك تجد في التعليق على سليمان بن منصور أني لم أجد في ترجمته من قال فيه
صدوق- وإن كان الرجل من أهل هذه المرتبة.
وقال عن محمد بن عثما الجمحي: " لين " - وضبطها كذلك بقلمه - وبمراجعة ترجمته في مصادرها الاصلية والآخذة عنها تبين أن أبا حاتم قال فيه ٨
١٠٨): " هو منكر الحديث، ضعيف الحديث "، فلم يقل فيه أحد
لين)، وحاله أشد ضعفا من حال من فيه تليين.
وحصل له نحو هذا في محمد بن فليح
٥١١٦) .
ولم أضبط أبدا كلمة " لين " لا بفتح اللام ولا بضمها، لاحتمال رسمها الوجهين، ويترتب عليه اختلاف المعنيين، هل هي بفتح اللام، وتكون حكما من المصنف على الرجل، أو بضم اللام، وتكون حكاية منه لقو الآخرين المتقدمين؟ وإن كنت أرچح أنها بضم اللام، على شاكلة استعماله الالفاظ الاخرى: وثق، صدق، ضعف، فانها لا تحتمل وجها آخر، ولكون المصنف ضبطها كذلك في الموضع المشار إليه
٥٠٤١) .
وقد استعمل " لين " - كما رأيت - فيمن بلغ مرتبة التليين وزيادة.
واستعمل " ضعف " في إسماعيل بن إبراهبم بن مهاجر، وقد اتفق على تضعيفه، بل استعملها في سليمان بن عبد الحميد البهراني موضع قول النسائي: " كذاب ليس بثقة "! فلا بد من مراجعة المصادر الاصلية، أو المصادر التي تعنى بنقل ألفاظ الجرح والتعديل بدقة، ومنها كتاب الامام المزي " تهذيب الكمال " - غالبا -.
[ ٣٤ ]
ويحتم مراجعة الاصول: أن المصنف قد لا يعبر بما يعطي مدلولا تاما للكلمة الاصلبة في الرجل، مثال ذلك قوله في داود بن رشيد الطفاوي: " لينه ابن معين " مع أن لفظه - كما نقلته في التعليق عليه -: " ليس بشئ ".
وفرق كبير بين اللفظين.
ومثله تماما ما حصل له في ترجمة داود بن عبد الله الاودي - وإن كان فيه متابعة للمزي في وهم حصل له -.
وبمناسبة حديثي عن تحتم مراجعة الاصول أصور للقارئ ما حصل لي الآن.
كتبت في المسودة هذا الكلام الذي تراه، وأن التليين شئ، و" ليس بشئ "، شئ آخر، وأن الفرق بينهما كبير، ثم رأيت في " تهذيب التهذيب ٨: ٣٩٣ ترجمة قيس بن الربيع الاسدي: " وقال المروذي: سالت أحمد عنه فلينه وقال: كان وكيع إذا ذكره قال: الله المستعان ".
ففهمت منه أن " وقال " معطوف على " فلينه "، ويكون المعنى حينئذ أن حكاية الامام أحمد كلام وكيع: استدلال منه على تليينه.
والمال: أن تعبير المصنف ب " لينه ابن معين " عن " ليس بشئ ": أمر سائغ مستعمل نظيره من المتقدمين، فلا يستنكر وقوعه من المصنف.
هكذا فعلت، كتبت إشارة إلى هذا النص في المسودة، ولما وصلت إليه الآن، بدا لي أن إعدل عما كتبت كليا، أو أن أتركه كما هو، وأنبه إلى هذا النص، وأرجع إلى مقتضاه.
لكني طبقت المبدأ اذي مشيت عليه خلال خدمتي الكتاب جميعه، والمبأ الذي أدعو إليه قبل سطر واحد، فرجعت إلى رواية المروذي عن الامام أحمد فرأيت فيها ما يلي: جاء في فقرة
٢٠٦): " سألته عن قيس بن الربيع، فلينه، قلت: أليس قد روى عنه شعبة؟ قال: بلى ".
ثم جاء في فقرة
٢٢٨): " وقال - أحمد -: كان وكيع إذا ذكر قيس بن الربيع قال: الله المستعان "، فلا ارتباط لفظي بين الفقرتين، إعني: أن قوله: " وقال: كان وكيع " ليست تفسيرا للتليين ولا للاستدلال عليه، ورأي الامام أحمد فيه: التليين، أما رأئ وكيع فيه: فاتضعيف الشديد، لان قولهم: " الله المستعان " في رجل ما، من مراتب الجرح الشديد، كما قرره بشواهده شيخنا العلامة المحقق الكبير الاستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى في تعليقاته على " الرفع والتكميل " ص ١٧٣ فما بعدها، وهذا النص الذي ذكرته: منها.
ومن النظر في " ثقات " ابن حبان ٥: ٢٥٦، و" المجروحين " له ١: ٣٥٧ يبدو أن قولهم " الله المستعان " من المرتبة الثانية، كما هو ظاهر كلام شيخنا آخر بحثه.
فتبين من مثال شاهد قريب ضرورة الرجوع إلى المصادر الاصلية، لتكون النتائج: " سددوا وقاربوا ".
وقد كنت حريصا على لفتالنظر إلى هذا المعنى في التعليق بقدر ما أمكنني التنبه له والتنبيه إليه، ومع ذلك أدعو القارئ إلى أن لا يقف عند حدود تنبيهاتي، بل عليه بالرجوع إلى المصادر الاصول، فانها خزائن العلم ومعادنه.
١٢ - ومن ألفاظه في التعديل: " محله الصدق "
٢٠٥٢)، وهي دون قولهم: " صدوق " وقريب جدا من
[ ٣٥ ]
قولهم: صدوق إن شاء الله، حيث إن كليهما ليس فيه جزم ببلوغ الراوي مرتبة الصدوق، لان معنى
محله الصدق): أنه مظنة الصدق.
وإذا كنا نحسن حديث الصدوق، فمن يقال فيه
محله الصدق): نتوقف في تحسينه.
قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢: ١٣٣ آخر ترجمة إبراهيم بن مهاجر البجلي: " سمعت أبي يقول: إبراهيم بن مهاجر ليسبقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا محل الصدق، ويكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم، قلت لابي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ قال: كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثم اضطرابا ما شئت ".
أي: كثيرا.
فبان بهذا أن " محله الصدق " وصف للرجل سيئ الحفظ، وأن الاضطراب الواقع في روايته: عن غير قصد وسوء نية، فهو مدفوع عن الضبط لا عن مطلق الصدق، قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في " التدريب " ص ٢٣٢: " إن " صدوقا " مبالغة في الصدق، بخلاف " محله الصدق "، فانه دال على أن صاحبها محله ومرتبت مطلق الصدق ".
وبان بهذا أيضا أن " محله الصدق " و" ليس بقوي " و" يكتب حديثه ولا يحتج به " كلها بمرتبة واحدة سواء عند الامام أبي حاتم، وأرى أنها لا تختلف عند غير أيضا، على أن هذه الالفاظ لا تكثر إلا في كلام أبي حاتم، سوى " ليس بقوي " فانها تكثر ف كلامهم جميعا.
١٣ - وفي الكتاب ألفاظ متقاربة، ويلحق بها ألفاظ أيضا تقرب منها من حيث المدلول وهي من زمرتها
اللظة، فانا أجمعها إلى بعضها وأشير إلى مراتبها.
١ " - لا بأس به.
٢ " - ليس به باس.
٣ " - ما أرى به باسا.
٤ " - لا أعلم به باسا.
٥ " - أرجوا أنه لا باس به.
٦ " - ليس بحديثه باس.
هذا ترتيبها فيما أرى.
والله أعلم.
أما اللفظة الاولى والثانية: فمن مرتبة واحدة تماما.
والثالثة والرابعة دونهما، إذ في الاوليين جزم، وإشارة إلى أنه حكم عام، منه ومن غيره، أما هاتان ففيهما الخلو عن هذين الملحظين.
و" ما أرى " بمعنى " لا أعلم ".
وأما الخامسة: فواضح أن نفي الباس عنه من باب الرجاء، و" لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء "
١) .
وأما السادسة: فاخرتها لاننفي الباس عن حديثه لا عنه ذاته، وقد يكون مراد قائلها أن جملة أحاديثه مستوية لا باس بها، أما الرجل فله فيه وقفة، وقد يكون مراده حديثا معينا سئل عنه فنفى عنه الباس.
والله أعلم.
[ ٣٦ ]
ثم إنه اشتهر أن ابن معين يسوي بين " لا باس به و" ثقة ".
شهر ذلك عنه الامام ابن الصلاح في " مقدمته " في النوع الثالث والعشرين: معرفة من تقبل روايته ومن ترد، تحت المسالة الخامسة عشرة ص ١٣٤ من حاشية العراقي عليه، معتمدا على ما حكاه عن ابن معين تلميذه وراويته ابن أبي خيثمة، قال: " قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: فلان ليس به باس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلت لك " ليس به باس ": فهو ثقة، وإذا قلت لك " هو ضعيف " فليس بثقة، لا تكتب حديثه ".
ولم يحك هذه التسوية عن ابن معين أحد قبل ابن الصلاح، وتوبع على ذلك، ويبدو لي في هذا الحكم وقفة.
فالتامل في القصة يفيد أن ابن معين أراد في الشطر الاول من كلامه القبول العام، كما أنه أراد في الشطر الثاني الرد العام، فهو لم يرد من قوله: " فهو ثقة ": الثقة الاصطلاحية، إنما أراد القبول الشامل للثقة، ومن دونه بقليل بحيث لا يخرج عن دائرة القبول: ثقة، قوي، صدوق، لا باس به.
وأراد بقوله: " ليس بثقة ": غير مقبول، ولم يرد المرتبة الشديدة الضعف التي ينف عن صاحبها العدالة والضبط معا، فهي كقولنا: متروك، ساقط، واهي الحديث.
وإلا للزم أن نقول: من قال فيه ابن معين " ضعيف: فهو غير ثقة، أي: من المرتبة الثالثة من مراتب الجرح، في حين أن كلمة
ضعيف- من ألفاظ المرتبة الخامسة.
وخالفه العراقي في " شرح ألفيته " ٢: ٧ في التسوية بين: لا باس به، وثقة
١)، فقال: " قلت: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به باس كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا: فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم
ثقة- أرفع من التعبى عنه بانه لا باس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة.
والله أعلم ".
وتابعه الكمال ابن الهمام في " التحرير " ٢: ٢٤٨.
بشرح ابن أمير حاج عليه.
ويدل على أن " لا باس به ": دون " ثقة ": ما جاء في " تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي
٢٤٤ - ٢٤٦): " وسالته عن مندل بن علي؟ فقال: ليس به باس.
قلت: وأخوه حبان بن علي؟ فقال: صدوق.
قلت: إيهما أحب إليك؟ فقال: كاهما وتمرا.
كانه يضعفهما "
٢) .
فانظر كيف سوى بين: صدوق، ولا باس به، فقال: " كلاهما وتمرا "، وانظر إلى تعليق الدارمي عليه:
[ ٣٧ ]
" كانه يضعفهما " والدارمي تلميذ ابن معين وراويته ومشاهد لحركاته وهيئته حين يجيبه، وينقل هذه المشاهد مع نقله لالفاظه ويعبر عنها بقوله هذا.
ومثله تماما ما جاء في المصدر المذكور
٣٣٤): " سألته عن الربيع بن صبيح؟ فقال: ليس به باس، وكانه لم يطره، قلت: هو أحب إليك أو المبارك - بن فضالة -؟ فقال: ما أقربهما ".
وهذا لا ينع أن يوجد راو يقول فيه ابن معين: لا باس به، ويقول غيره - أو هو نفسه في مقام آخر -: ثقة.
أما تفسير هذا الحوار بين ابن معين وتلميذه ابن أبي خيثمة بانهما كلمتان متساويتان: فهذا بعيد.
والله أعلم.
١٤ - حديثه مقارب، مقارب الحديث
١٤٢٢، ٢٤٨٣) .
والصواب في ضبط الراء جواز كسرها وفتحها، على معنى التعديل، خلافا لمن قصر الكسر على معنى التعديل، والفتح على التجريح.
قال العراقي في " حاشيته على ابن الصلاح " ص ١٣٧: " وهما على كل حال من ألفاظ التوثيق ، وممن ذكره من
ألفاظ التوثيق الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة " الميزان.
".
ونقل كلامه السيوطي في " التدريب " ص ٢٣٥ ووافقه، ولم أر في مقدمة " الميزان " المطبوع شيئا.
نعم هو في آخر مراتب ألفاظ التعديل، المرتبة الرابعة عند العراقي، والمرتبة السادسة عند السخاوي - انظر " الفع والتكميل " ص ١٥٠، ١٦٤ - مع قولهم: صدوق إن شاء الله، صالح الحديث، جيد الحديث، حسن الحيث، صويلح.
وحديث هؤلاء لا يحسنونه.
لكن الامام الترمذي نقل في " سننه " ٥: ٣٠٥
و" العلل الكبرى " ٢: ٦٧٧ عن الامام البخاري أنه قال في الوليد بن رباح: " مقارب الحديث " وجاء في " العلل الكبرى " ٢: ٩٦٧ قول البخاري نفسه في الوليد نفسه: " حسن الحديث ".
أما الترمذي فقال عنه حديثه المشار إليه: " حسن غريب ".
وروى الترمذي حديثا قبل المشار إليه ٥: ٣٠٤
١٥٧٨- من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وقال من عند نفسه: " مقارب الحديث " وقال عن الحديث: " حسن غريب ".
لكنه في " العلل الكبرى " ٢: ٩٧٦ نقل ذلك عن البخاري.
وقال في كلامه على الحديث الثالث من " سننه ": " عبد الله بن محمد بن عقيل صدوق، تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان إحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم - ابن راهويه - والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل.
قال محمد - هو البخاري أيضا -: وهو مقارب الحديث " فمثل هذا لا ينزل حديثه عن الحسن مع قوله " مقارب الحديث ".
بل لقد حسن البخاري نفسه حديثه المروي في " سنن الترمذي " ١: ١٤٨
١٢٨- باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد - وفي المطبوع الذي أعزو إليه: حسن صحيح، وأرى أنها زيادة غير صحيحة - وعطف عليه قوله: " وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح " وهي زيادة صحيحة ثابتة في أكثر من أصل خطي قويم.
خلاصة ذلك: أن قول البخاري أو تلميذه الترمذي في رجل " مقارب الحديث " من ألفاظ تحسين الحديث الحسن الاصطلاحي، وقد قال في " سننه " ١: ٢٥٤ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: " رأيت البخاري يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث ".
[ ٣٨ ]
وينبي التنبه إلى إن هذه المرتبة المتأخرة لكلمة " مقارب الحديث " من قبل متاخري علماء الجرح والتعديل: إنما هي فيما إذا اطلقت وحدها، ولم يقترن معها كلمة ترفعها إلى مستوى إعلى، كقول الامام البخاري الذي رواه عنه الترمذي في " العلل الكبرى " ٢: ٩٨١: " أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد - التميمي الخراساني - مقاربة مستقيمة ".
فزاد وصفها بالاستقامة.
وقال في أواخر كتاب فضل الجهاد ٥: ٣٧٦
١٦٦٦): " إسماعيل بن رافع ضعفه بعض أهل الحديث، وسمعت محمدا يقول: هو ثقة مقارب الحديث " - وإن كان المعتمد في إسماعيل الضعف -.
وقال في " سننه " ٩: ٧
٣٢٥٠- من قبل نفسه عن حجاج بن دينار: " حجاج ثقة مقارب الحديث "، ونقل في " العلل الكبرى " ٢: ٩٦٩ عن البخاري قوله في حجاج نفسه: " مقارب الحديث ".
ذلك أن إحدى الكلمتين ترشح للاخرى شيئا من معناها، فثقة صدوق - مثلا - أعلى من: صدوق فقط، لما تستفيده كلمة
صدوق- من كلمة
ثقة)، كما أن كلمة
صدوق- تؤثر على كلمة
ثقة)، ف
ثقة صدوق- أدنى من كلمة
ثقة- وحدها.
فكذلك كلمة " ثقة تعطي كلمة " مقارب الحديث " حين اقترانها بها شيئا من القوة.
ومما يستفاد من هذا الاقتران بين الكلمتين على لسان هذين الامامين: البخاري والترمذي: أن كلمة " مقارب الحديث " ليست من ألفاظ الجرح، كما جاء في التعليق على " العلل الكبرى " ٢: ٩٧٠: " وخلاصة القول: أن قول البخاري عن رجل " مقارب الحديث " هو جرح للراوي " ".
إذ كيف يجتمع لفظة توثيق وتجريح في آن واحد في رجل واحد!.
وانظر منه أيضا ٢: ٩٦٢.
١٥ - صالح الحديث: من ألفاظ التعديل الاخيرة قولهم: صالح الحديث، ففيه نوع ثناء على ضبط الرجل، وتقدم أنهم جعلوها مع: مقارب الحديث، وهذا لا شئ فيه يحتاج إلى تنبيه.
لكن الذي يحتاج إلى تنبيه: هو التفرقة بين هذا اللفظ، وبين اللفظ الآتي: ١٦: صالح.
فانه ثناء على ديانة الرجل، وقد نبه إلى هذه التفرقة الحافظ ابن حجر ﵀ في " الكنت على ابن الصلاح " ٢: ٦٨٠، فانه قال: " وقول الخليلي: إنه - أي أبا زكير - شيخ صالح: أراد به في دينه، لا في حديثه، لان من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك فقالوا: صالح
الحديث، فإذا أطلقوا الصلاح فانما يريدون به في الديانة ".
وقال في " تهذيب التهذيب " ١: ٢٢٢ ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني: " قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح.
يعني في دينه لا في عدالته ".
١٧ - مشهور: كلمة تقتضي شهرة الرجل جهالته، ويظهر من عبارة الحافظ ابن حجر ﵀ - الآتية قريبا - أنها تقتضي عدم جهالة عينه، أي: إن من قيل فيه
مشهور): فهو معروف العين، قد ارتفعت عنه جهالة عينه.
وينبغي أن يفرق بينها وبين كلمة أخرى هي: ١٨ - مشهور الحديث.
وشهرة الحديث غير شهرة الرجل، فقد يكون حديثه مشهورا بين الرواة - أو الناس -
[ ٣٩ ]
من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولا يضره إن يكون حديثه غير مشهور إذا كان هو مشهورا بين علماء الحديث.
نقل المزي في " تهذيبه " ٧: ٧ في ترجمة حفص بن حسان أن النسائي قال فيه: مشهور، فتعقبه مغلطاي بان النسائي إنما قال: مشهور الحديث، وأخذ كلامه الحافظ فقال في " تهذيب التهذيب " ٢: ٣٩٩: " قلت: لفظ النسائي: " مشهور الحديث "، وهي عبارة لا تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لا سيما ولم يرو عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة ".
فافادنا هذا القول التفرقة بين هاتين الكلمتين، وأن " مشهور " فقط تدل على رفع جهالة عين الرجل.
والله أعلم.
١٩ - وورد في التعليق على ترجمة القاضي القامس بن معن المسعودي قول الامام أحمد فيه: " مستور ثقة ".
وهو كثير الورد في " تاريخ بغداد " سواء من الخطيب نفسه أو مما ينقله عن غيره
١) .
وظاهر هذا التعبير مشكل، إذ كيف يكون ثقة وهو مستور، والمستور في الاصطلاح: من عرفت عدالته الظاهرة، وجهلت عدالته الباطنة، والثقة: من عرفتعدالته الظاهرة والباطنة وكان ضابطا.
وكنت سالت عن هذا الاشكال عام ١٣٩٢ شيخنا محدث المغرب الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى، فأجابني بجواب نقلته فيما علقته على نسبة
الشيرجي- من " الانساب " للسمعاني رحمه الله تعالى ٧: ٤٥٦، وهذا نصه: " أما قول الخطيب " مستور ثقة ": فيقصد بقوله: " مستور " مجهول العدالة في
الباطن مع كونه عدلا في الظاهر، وهو أحد أنواع المجهول الثلاثة، وقد قطع الاما سليم الرازي بالاحتجاج بروايته، قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، وصحح النووي الاحتجاج به أيضا، ومثل هذا لا يقال عنه
ثقة- إلا مع لفظ
مستور)، كما يفعل الخطيب، لافادة أن عدالته ظاهرية، وليترك للناظر في روايته حرية الاخذ بها أو عده، حسبما يقتضيه اجتهاده ويحثه، وعند التعارض تقدم عليها رواية من يقال فيه: ثقة أو صدوق ".
ثم رأيت ابن أبي يعلى حكى في " طبقات الحنابلة " ١: ١٢٧ في ترجمة الامام أبي القاسم الجنيد ﵁ قصة تدل دلالة واضحة على أن
مستور- كلمة تستعمل في ذاك الوقت وبعده للدلالة على وصف الرجل بالعفة والفضل والكرامة، وما شابه هذه المعاني، - وهي في " القاموس " بمعني: العفة - وقد كان القاسم بن معن المسعودي المذكور أول هذه الفقرة موصوفا بهذه المعاني، كما يظهر من ترجمته في التهذيبين، ومن " أخبار القضاة " ٣: ١٧٥.
وهذه حكاية ابن أبي يعلى: ١ " - قال: قال الجنيد: " رجاء رجل إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ قال: ابني، فقال أحمد: لا تجئ به معك مرة أخرى، فلما قام قيل: أيد الله الشيخ، رجل مستور، وابنه أفضل منه! فقال أحمد: الذي قصدنا إليه من هذا ليسيمنع من سترهما، على هذا رأينا أشياخنا، وبه خبرونا عن أسلافهم ".
ثم وقفت على نصوص كثيرة تدل على المعنى الذي قدمته، وعدد منها جاء في تراجم الاندلسيين، مما صحح ظني السابق أنها كلمة محلية
بغدادية) .
وهذه بعض النصوص:
[ ٤٠ ]
٢ " - جاء في كتاب " علل الحديث " لابن أب حاتم ١: ١٣١: " سالت أبي عن حديث رواه الزهري، وأسامة بن زيد، ونافع، وابن إسحا، والوليد بن كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي: نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة راكعا.
" ورواه الضحاك بن عثمان، وداود بن قيس الفراء، وابن عجلان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي، أيهما الصحيح؟
قال أبي: لم يقل هؤلاء الذين رووا عن أبيه: " سمعت عليا " إلا بعضهم.
وهؤلاء الثلاثة [الذين زادوا: عن ابن عباس] مستورون، والزيادة من الثقة مقبولة "، فجاءت منه بمثابة: ثقات، لكن لا يلزم أن يكون ثقة بالمعنى الاصطلاي الذي يقال عن حديث صاحبه: صحيح، كما تقدم التنبيه إلى هذا آخر الفقرة السابعة، ص ٣٣.
٣ " - وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " ٧: ٣٣٥ ترجمة الحسن بن الطيب الشجاعي البلخي: " حدثني البرقاني قال: كلمت أبا بكر الاسماعيلي في روايته عن الحسن بن الطيب الشجاعي فقال: نحن سمعنا منه قديما، وكان إذ ذاك مستورا وكتبه صحاحا وإنما أفسد أمره باخرة، أو كما قال.
" سالت البرقاني عن الحسن بن الطيب فقال: كان الاسماعيلي حسن الرأي فيه، فذكرت - المتكلم هو البرقاني - له أنه عند البغداديين ذاهب الحديث، فقال: لما سمعنا منه كان حاله صالحا ".
٤ " - وفي " تاريخ بغداد " أيضا ٩: ٣٥ ترجمة سليمان بن حرب، قال يحيى بن أكثم: " قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ، منهم: سليمان بن حرب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه " إلى آخر الخبر وفيه طرافة وحضور بديهة.
٥ " - وفي " النجوم الزاهرة " لابن تغري بردي ٣: ٣: " قال أحمد بن يوسف: قلت لابي العباس بن خاقان: الناس فرقتان في ابن طولون، فرقة تقول: إن أحمد: ابن طولون، وأخرى تقول: هو ابن يلبخ التركي، وأمه قاسم جارية طولون.
فقال: كذبوا، إنما هو ابن طولون، ودليله: أن الموفق لما لعنه نسبه إلى طولون ولم ينسبه إلى يلبخ، ويلبخ مضحاك يسخر منه، وطولون معروف بالستر ".
٦ " - وترجم أبو بكر المالكي في " رياض النفوس " ١: ٣١٣ - من الطبعة القديمة - لابي الوليد عبد الملك بن قطن المهري اللغوي، ومما نقله عنه في ترجمته قوله: " كانت شدة أزمة عظيمة، وضاق بنا الحال، فبلغني أن رجلا من أراف مهرة عنده طعام كثير يصل منه ويعطي، قال: فحسن عندي أن أنال منه شيئا، فركبت دابتي ومضيت حتى وصلت منزله، فوجدته جالسا في مسجده وعنده جماعة من الناس مسورون وغيرهم، فجلست وعرفته بنفسي ".
٧ " - وترجم ابن بشكوال في كتابه " الصلة " ١: ٣١٤ أبا المطرف عبد الرحمن بن أحمد المعافري القرطبي
وقال: " كان من أفاضل ارجال أولي النباهة، وكان محمود السيرة، جميل الطريقة، تولى القضاء، وانصرف عن العمل محمود السيرة لم تتعلق به لائمة سمحا في أخلاقه، جيد المعاشرة لاخوانه، بارا بالناس، ولما وصل كتابه بالعزل اشتد سروره، وأعلن شكر الله عليه، ودخل بيته فعاود طريقته من الزهد والانقباض إلى أن مضى لسبيله مستورا ".
[ ٤١ ]
٨ " - وقال في ترجمة أبي الاصبغ عسلون بن أحمد بن عسلون ٢: ٤٤٧: " روى عنه الصاحبان
١- وقالا: كان رجلا صالحا مستورا، جالسناه وصحبناه ".
٩ " - رجاء فيه ٢: ٥٣٥ في ترجمة ابن الصناع: " قال ابن حيان
٢): كان مشهورا بالفضل، مقدما في حملة القرآن، مبرز العدالة، التمسته أيام اشتد القحط، فمضى مستورا، وأتبعه الناس ثناء حسنا جميلا ".
١٠ " - وقال في ترجمة أبي القاسم يحيى بن عمر بن حسين بن نابل القرطبي ٢: ٦٦٢: " من بيئة طهارة وهدي وسنة هو أبوه وجده كلهم على طريقة مثلى، قال ابن حيان: كان فقيها حافظا صالحا ورعا خيرا عفيفا مستورا مقتديا بالسلف ".
فهذه عشرة نصوص ناطقة بالمعنى الذي قدمته: الستر: الفضل والنبل والعفة، والمستور: هو الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات.
٢٠ - وقد يوثقون جماعة توثيقا إجماليا مبهما، فيقولون: شيوخ فلان ثقات
٤٨٤٥) .
يريدون القبول العام، لا التوثيق الاصطلاحي الذي يصحح حديث صاحبه، وينبغي تقييد هذا القبول العام بانه: ١ " - قبول عام عند قائله، لا عند كل أحد.
قال الحافظ ﵀ في مقدمة " لسان الميزان " ١: ١٥: " من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فانه إذا روى عن رجل: وصف بكونه ثقة عنده، كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي، وطائفة ممن بعدهم ".
٢ " - وبانه قبول أغلبي لا كلي، بمعني أن أغلب شيوخه داخلون تحت القبول العام، لا جميعهم، فقد قيل ذلك في شيوخ شعبة، وشعبة يضعف بعضهم.
والصيغة التي ياتي معها حصر والستثناء أقوى في دلالتها من الصيغة التي ليس فيها ذلك، أعني: أن
قولهم: شيوخ مالك ثقاتإلا عبد الكريم بن أبي المخارق، وشيوخ ابن أبي ذئب ثقات إلا أبا جابر البياضي، وهكذا، إقوى من قولهم: شيوخ شعبة ويحيى القطان وأمثالهما ثقات، ذلك لان الاستثناء دليل الحصر والتتبع.
ويلحق بهذذا التوثيق الاجمالي توثيقان آخران: الاول: قال الحافظ في " تهذيبه " ١: ٣٤٧ ترجمة أسيد بن المتشمس: " قال ابن أبي خيثمة في " تاريخه ": سمعت ابن معين يقول: إذا روى الحسن البصري عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه ".
وقد روى الحسن عن أسيد هذا.
وفي " الجرح والتعديل " ٦: ٣٢٣ - آخر الصفحة - عن ابن أبي خيثمة أيضا، عن ابن معين أنه قال: " إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج به ".
الثاني: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في " البداية والنهاية " ٩: ٢١٦: " صرح كثير من الائمة
[ ٤٢ ]
بان كل من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة ".
ويدخل تحت
من استعمله): من استعمله واليا أو قاضيا أو عاملا على جباية الزكوات ونحو ذلك.
والله أعلم.
فهذان من التوثيق الاجمالي، ويقال فيهما ما قيل فيما سبق.
وقال ابن حجر في " تعجيل المنفعة " ص ٢٣٨
٩٣١): " حكم شيوخ عبد الله - بن الامام أحمد - القبول إلا أن يثبت فيه جرح مفسر، لانه كان لا يكتب إلا عمن أذن له أبوه فيه ".
فانظر مكانة التوثيق الاجمالي عند ابن حجر.
٢١ - ومن نوادر ألفاظهم: قولهم في الرجل: فقيه البدن، ومثلها عند الاصوليين: ففيه النفس
١) .
وقد نقل المصنف ﵀ هنا في ترجمة أحمد بن سعيد الدارمي قول الامام أحمد فيه: " ما قدم علينا خراساني أفقه بدنا منه ".
وفي " تهذيب " ابن حجر ٩: ٣٠ عن أبي حاتم الرازي أنه قال في الامام الشافعي: " فقيه البدن صدوق ".
وكنت علقت على " الانساب " للامام السمعاني ﵀
الشاشي- ٧: ٢٤٥ ما نصه: " يتكرر ورود
هذه الكلمة " فقيه البدن " في كتب الجرح والتعديل، وكنت سالت عنها - مكاتبة - شيخنا العلامة الحافظ عبد الله الغماري، فكتب إلي حفظه الله بخير وعافية: " كلمة " فقيه البدن " يقولها المحدثون، ويقول الاصوليون: " فقيه النفس "، ومعناها: أن الشخص تمكن في الفقه حتى اختلط بلحمه ودمه وصار سجية فيه، ومراد المحدثين بها ترجيح الراوي الموصوف بها ولو كان أقل من الثقة، بحيث لو تعارضت رواية الصدوق الفقيه البدن مع رواية الثقة غير المتقن: قدمت رواية الصدوق المذكور ".
انهى كلام شيخنا.
وقلت هناك: ومن هذا المعنى قول بعضهم في أبي حفص عمر بن محمد الشيرزي الآتية ترجمته - هناك ص ٤٨٥ -: " لو فصد عمر لجرى منه الفقه مكان الدم! " كما في " معجم البلدان " ٥: ٣٢٢.
وممن قيل فيه " فقيه البدن ": سحنون، وسعيد بن عباد، ومحمد بن سعيد بن غالب الازدي، ومحمد بن سعيد الكلبي
ابن عيشون)، وأبو القاسم بن حماس بن مروان الهمداني، ونفس الغرابيلي، وانظر تراجمهم على الترتيب في " طبقات علماء إفريقية " لابي العرب التميمي المتوفى سنة ٣٣٣ - والملاحق التي الحقها به محققاه علي الشابي ونعيم اليافي ص ١٨٤، ٢٣٨، ٢٤٢، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٥٠.
٢٢ - ومن إلفاظ الذهبي ﵀ قوله: " مشاه فلان ".
وغالب ما يستعملها مع ابن عدي، فانه يشير إلى تضعيف بعض الائمة له ثم يقول: ومشاه ابن عدي.
انظر التعليق على ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي زينب، وقا في " الميزان " ٣
٥٣٣٣- في ترجمة عون بن أبي شداد: " ضعفه إبو داود في قول، ومشاه غيره، سمع أنسا، وأبا عثمان النهدي، وقال ابن معين: ثقة " فيكون الذي مشاه هو ابن معين.
وقال في " الميزان " ١
٩٧١- ترجمة إسماعيل بن يعلى الثقفي: " مشاه شعبة وقال: اكتبوا عنه فانه شريف ".
[ ٤٣ ]
ويبدو أن غالب استعمالاته لهذه الكلمة يكون للدلالة على أن كلمة التوثيق التي قيلت فيه من التوثيق الخفيف اليسير، فابن عدي قال في إبراهيم الاسلمي ١: ٢٢٢، ٢٢٦: " لم أجد له منكرا إلا عن شيوخ يحتملون، ولعله من قبل غيره، وهو من جملة من يكتب حديثه ".
وقال في الحسين بن زيد بن علي ٢: ٧٦٢: " أرجو أنه لا باس به إلا أني وجدت في بعض حديثه
النكرة ".
وقال في درست بن زياد ٣: ٧٦٢: " أرجو أنه لا باس به إلا أني وجدت في بعض حديثه النكرة ".
وقال في درست بن زياد ٣: ٩٦٩: " أرجو أنه لا باس به ".
ولفظ النسائي في الحجاج بن أبي زينب: " ليس بالقوي " كما في " الميزان " ٢
١٧٣٦)، و" تهذيب التهذيب " ٢: ٢٠١.
وقول شعبة في إسماعيل بن يعلى الثقفي: " اكتبوا عنه فانه شريف ".
وكلمة
شريف- من ألفاظ التعديل الخفيف، بل أرى الآن: أنها بمثابة قولهم: " مستور " على المعنى الذي تقدم الحديث عنه ص ٤٠، وكنت ذكرت بعض الشواهد على ذلك في دراسة " التقريب " ص ٧ تعليقا، ومنها كلمة شعبة هذه، وأزيد الآن: ما جاء في " الميزان " ٢
٣٦٦٠- وغيره: " قيل لابن المبارك: إن شبيب بن شيبة المنقري يدخل على الامراء! قال: حدثوا عنه، فانه أشرف من أن يكذب ".
وفي " سنن الترمذي " ٧: ٢٧٦
٢٦١٤): " سمعت قتيبة بن سعيد يقول: ما رأيت مثل هؤلاء الاشراف الاربعة: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وعباد بن عباد المهلبي، وعبد الوهاب الثفي ".
وفي التهذيبين ترجمة عثمان بن عاصم الاسدي، قال يعقوب بن سفيان: " حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، أسدي، شريف، ثقة ثقة، كوفي ".
والشاهد من هذا: أن تمشية شعبة لحال إسماعيل الثقفي: من هذا القبيل.
هذا ما يتعلق بغالب قول الذهبي: مشاه فلان، وأنه يريد الاشارة إلى تعديل خفيف يسير قيل في الرجل، وقد يكون فيه مغمز يسير من جهة ضبطه، كقوله: مشاه النسائي، وإنما قال فيه: ليس بالقوي، وهذا " مشعر أنه غير حافظ " - انظر التعليق على
١٥٢- - فمثل هذا يقرب حاله من حال من يقول فيه ابن عدي: أرجو أنه اباس به.
لكن يبقى السؤال: لم قال فيه: مشاه النسائي، وفيه قول ابن معين: " ليس به باس "، وقول ابن عدي: " أرجوا أنه لا باس به فيما يرويه "، كما في التهذيبين؟.
وإنما إكرر القول بان هذا غالب استعمال الذهبي لهذه الكلمة: من أجل كلامه في عون بن أبي شداد: " ضعفه أبو داود في قول، ومشاه غيره "، ثم أفصح عن هذا الغير وقوله فقال: " وقال ابن معين: ثقة ".
وتوثيق ابن معين - وهو من المتشددين - لا يقال عنه: تمشيه.
إنما أفهم من قوله هنا " مشاه ": موقف الذهبي من توثيق ابن معين لهذا الرجل، وأنه - عند الذهبي - لا يغنيه ولا يفيده قوة، فهو في هذه الحال ميال لعدم توثيق الرجل.
[ ٤٤ ]
ويكون للذهبي ﵀ في عبارته
مشاه فلان): وجهتان: الاولى - وهي الغالبة -: الاشعار بتوثيق خفيف قيل في الرجل.
الثانية - وهي الاقل -: الاشعار بخفة التوثيق الذي قيل في الرجل، عنده، والله أعلم.
٢٣ - ومن ألفاظ الذهبي: قوله في الرجل - على قلة -: مقبول.
قال ذلك في إسحاق بن عبيد الله بن أبي مليكة، وإسماعيل بن عبيد الزقي ولفطه فيه: " مقبول ولم يترك "، وليس فيه أي جرح ليقول: ولم يترك؟ ! وحاله أحسن بكثير من حال الاول، فليس في الاول شئ إلا رواية جمع عنه، والاختلاف في أن ابن حبان ذكره أو ذكر آخر مثله في الاسم واسم الاب، أما الثني: ذكره ابن حبان في " ثقاته "، وخر حديثه في " صحيحه "، وكذلك الحاكم في " مستدركه " وصححه، وقال الترمذي عن الحديث نفسه: حسن صحيح، وهذا يقوي من شانه وإن كان لم يرو عنه إلا واحد، كما تقدم الكلام عن هذه المسالة ص ٢٤ في الجواب عن الامر الثاني.
ولينظر: هل يفسر قوله هذا بكلامه الاتي ص ٥٤ بواسطة القاضي زكريا الانصاري؟.
ومهما يكن ففي تسوية الحكم على الرجلين بالقبول: نطر.
وينبغي التنبيه إلى أنه ليس للذهبي اصطلاح في كلمة
مقبول- كما هو الشان في " تقريب التهذيب ".
٢٤ - ومن الالفاظ الواردة في " الكاشف ": شيخ.
جعل ابن أبي حاتم ﵀ مراتب الجرح والتعديل في كتابه " الجرح " ٢: ٣٧ ثمانية مرتب، أربعا للتعديل، ومثلها للتجريح.
فالاولى من مراتب التعديل: التوثيق الصريح، والثانية: الصدوق، ونحوه، والثالثة: شيخ، والرابعة: صالح الحديث.
وقال عن أهل الثانية: " يكتب حديثه وينظر فيه "، وقال عن الثالثة: " يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية "، وقال عن الرابعة: " يكتب حديثه للاعتبار ".
ومراده من " النظر ": الموازنة بين مروياتمنن كان من أهل هذه المرتبة، ومرويات أهل المرتبة التي قبلها، هل هناك مخالفة أولا؟ ثم يكون العمل بها.
فافاد أن أهل الثانية والثالثة يكتب حديثهم للاحتجاج به عبد النظر، بقرينة قوله عن الرابعة: " يكتب حديثه للاعتبار ".
نعم، هناك احتجاج دون احتجاج، ونظر دون نظر.
وبهذا يتبين إن كلمة " شيخ ": من ألفظ التعديل الخفيف، لكنها فوق كلمة " صالح الحديث " كما هو صريح صنيع ابن أبي حاتم، مع أنه قد استقر كلام المتأخرين من عهد السخاوي فمن بعده على أن " شيخ " و" صالح الحديث " من ألفاظ المرتبة السادسة الاخيرة من مراتب التعديل، لكن من المعلوم أنهم يذكرون في المرتبة الواحدة ألفاظا بينها بعض التفاوت اليسير.
وإرى أن " شيخ " مثل " محله الصدق " فهي للدلالة على التعديل لا التليين ولا التمتين، والمصنف - وغيره - قد يجمع بينهما، كما قال في " الميزان " ٤
٩٩٣٦- عن أبي إدريس السكوني مستدركا على تجهيل
[ ٤٥ ]
ابن القطان حاله: " قلت: قد روى عنه غير صفوان
١)، فهو شيخ محله الصدق، وحديثه جيد ".
وقال المصنف في مقدامة " الميزان " ١: ٣ - ٤: " لم أتعرض لذكر من قيل فيه: محله الصدق، ولا من قيل فيه: لا باس به، ولا من قيل: هو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو هو شيخ، فان هذا وشبهه يدل على عدم الضعفالمطلق ".
وقال في " الميزان " أيضا ٢
٤١٧٧): " سمع منه أبو حاتم وقال: شيخ، فقوله: " هو شيخ " ليس هو عبارة جرح، ولهذا لم أذكر في كتابنا أحدا ممن قال فيه ذلك، ولكنها إيضا ما هي عبارة توثيق، وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة.
ومن ذلك: يكتب حديثه، أي: ليس هو بحجة "
٢) .
وفي " نصب الرايد " للحافظ الزيلعي ﵀ من كلام ابن القطان في " بيان الوهم والايهام ": سئل أبو
حاتم وأبو زرعة الرازيان عن طالب بن حجير " فقالا: شيخ، يعنيان بذلك أنه ليس من أهل العلم، وإنما هو صاحب رواية ".
أي: هو من أهل الرواية والنقل، لا من أهل الدراية والعلم والفقه، فهي بمثابة كلمة: راوي، لا زيادة ولا نقصان، لذلك قد يقترن بها ما ينزلها عن مرتبة من محله الصدق، كما قال أبو زرعة في يحيى بن راشد البصري - " الجرح " ٩
٦٠٣- -: " شيخ لين الحديث "، فكأنه يقول: راو لين الحديث.
وفي " الجرح والتعديل " ٣
٥٧٠- ترجمة الحكم بن عطية: " سمعت أبي يقول: سمعت سليمان بن حرب يقول: عمدت إلى حديث المشايخ فغسلته قلت: يحتج به؟ قال: لا، من ألف شيخ لا يحتج بواحد، ليس هو مثل الحكم بن سنان ".
وكان قد قال قبل ٣
٥٤٥- في الحكم بن سنان: " عنده وهم كثير، وليس بالقوي، ومحله الصدق، يكتب حديثه ".
وأرى أن قول أبي حاتم " من ألف شيخ لا يحتج بواحد ": فيه ظاهرة من تشدده المعروف به، يدل على ذلك قول الحافظ ابن رجب في " شحر علل الترمذي " ١: ٤٦١: " والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم: عبارة عمن دون الائمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره "، والله أعلم.
٢٥ - ومن ألفاظ الذهبي التي يكثر استعمالها: قوله: لا يعرف.
وعادته أن يقولها بدلا من كلمة " مجهول " التي اصطلح على أنه إذا أطلقها فهي من قول أبي حاتم.
فهو يقول:
لا يعرف- فيمن تفرد عنه راو واحد، سواء صرح بالتفرد أولا، وسواء كانت دعوى التفرد مسلمة أو لا، وسواء كان الرجل ثقة - مع كون ظاهره مجهول العين - أو لا.
قال في " الميزان " ١
٨٢٢- في ترجمة أسقع بن أسلع: " ما علمت روى عنه سوى سويد بن حجير الباهلي، وثقه مع هذا يحيى بن معين، فما كل من لا يعرف ليس بحجة، لكن هذا الاصل ".
وقال في " الميزان " ٤
٩٤٥٢): " يحيى بن إسحاق لا يعرف، تفرد عنه يحيى بن أبي كثير، لكن وثقه
[ ٤٦ ]
يحيى بن ميعين " - وانظر التعليق على
٣٦٧٨- - وهذا ذهاب منه إلى اختيار ابن القطان المذكور سابقا آخر صفحة ٣٣، وسيتي صفحة ٥١ أن هذا اختيار الحافظ ابن حجر أيضا.
وقال ٤
٩٤٥٥): " يحيى بن إسماعيل، حدث عنه إبراهيم بن سعد، لا يعرف، وخبره منكر ".
أما أمثلة دعواه التفرد مع عدم الموافقة عليها: فستاتي إن شاء الله ص ٥٨.
وهل يريد المصنف بقوله: " لا يعرف " جهالة عينه، أو جهالة عدالته؟ قال المصنف في " الميزان " ١
١٦٢٢): " الحارث بن عسعيد العتقي، مصري، لا يعرف "، فقط لم يذكر راويا عنه، أما هنا
٨٥٤- فقال: " وعنه نافع بن يزيد، وان لهيعة "، وعلق عليه الحافظ البرهان سبط ابن العجمي بعد أن نقل كلامه من " الميزان " قال: " انظر كيف روى عنه رجلان، فخرج بذلك عن جهالة العين، ولم يذكر في " الميزان " رواية أحد عنه ".
فهذا صريح منه في أن من " لا يعرف " فهو مجهول العين.
أما ابن حجر فنقل في " التهذيب " قول الذهبي " لا يعرف "، وفسره فقال: " يعني حاله "
١) .
وقال الذهبي في " الميزان " ١
١٧٨٩- في ترجمة حريث بن ظهير: " روى عن ابن مسعود، وعنه عمارة بن عمير، لا يعرف ".
وفسرها الحافظ كذلك في " التهذيب " ٢: ٢٣٤: " يعني عدالته " أيضا، لكنه قال في " التقريب "
١١٨١): " مجهول "، واصطلاحه فه إذا أأطلق الجهالة أراد جهالة عينه.
ورأيت له نصا في " التهذيب " ١٠: ٤٨٠ يتفق مع السبط في فهمه لكلمة " لا يعرف " وأنها لجهالة العين.
فانه قال في ترجمة نهيك بن يريم الاوزاعي: " جرى الذهبي على عادته فيمن لم يجد له إلا راويا واحدا فقال: " لا يعرف ".
فهذا يعني أنه مجهول العين، لكن المصنف يعدل عن كلمة
مجهول- للامر الذي أسفته: اصطلح على إطلاقها إذا أخذها من أبي حاتم، فاصطلح على إطلاق
لا يعرف- حينما يريد أن يحكم بالجهالة من قبل نفسه.
وقد أطلق
لا يعرف- في تراجم أرقامها من " الميزان ": ١
١٦٤٢، ١٨٥٦)، ٢
٤٢٣٦، ٤٢٥٥، ٤٤٥٥ مع ٤٤٥٨، ٤٧١٦، ٤٧١٨، ٤٧٢١، ٤٧٩٣)، ٤
٩٤٥١، ٩٤٥٢، ٩٤٥٥، ٩٤٧٣، ٩٥٨٩، ٩٦٨٢، ٩٦٩٩- وغيرها.
وفي " الكاشف ":
٣٢٩، ٧٧٣- وغيرها.
ويعكر على قولنا: إ الحافظ يفهم من كلمة الذهبي هذه جهالة عدالته: أنه كثيرا ما يقول الذهبي في رجل " لا يعرف "، ويقول الحافظ عنه في " التقريب ": مجهول - أي: مجهول العين -.
فمن ذلك: المثال الذي تقدم: حريث بن ظهير.
والحارث بن مالك: قال في " الميزان " ١
١٦٤٢): " لا يعرف "، وفي " التقريب "
١٠٤٦): " مجهول "، والحسن بن سلم العجلي ١
١٨٥٦- مع " التقريب "
١٢٤٤)، وعبد الله بن ثابت المروزي
[ ٤٧ ]
٢٢
٤٢٣٦- مع
٣٢٤١- من " التقريب "، وعبد الله بن حاجب ٢
٤٢٥٥- مع
٣٢٦٠)، وعبد الله بن محمد الليثي
٢٩٦٨- من " الكاشف " مع
٣٦٠٢)، وفيه أيضا محمد بن حسان
٤٧٩١- مع
٥٨١٠) .
فهذه شواهد تؤيد قول البرهان الحلبي وقول الحافظ ابن حجر الذي قاله في ترجمة نهيك بن يريم الاوزاعي، وتعكر على تصريحه في " التهذيب " ٢: ١٤٢، ٢٣٤ في ترجمتي الحارث بن سعيد العتقي وحريث بن ظهير بان الذهبي يريد جهالة العدالة.
ومع هذا فانه يبدو لي أن كلمة الذهبي تحتمل كلا التفسيرين، والقرائن والسياق يرشد إلى أحدهما.
والله أعلم.
٢٦ - ومن ألفاظ الذهبي: جهل، ويجهل، فعلان مبنيان لما لم يسم فاعله، من كلمة: مجهول، وهما يتخفيف الهاء، ويضبطان في بعض الكتب المطبوعة: جهل ويجهل - بتشديد الهاء - خطا، لان اسم المفعول منهما حينئذ: مجهل.
أما المجهول: فبتخفيف هاء فعله، وقد ضبط المصنف الياء من يجهل باضم، وكذلك ابن الاسكندري صاحب نسخة السبط، أكثر من مرة، وضبطه مرة واحدة ضبطا كاملا
يجهل- في ترجمة إسماعيل بن رياح بن عبيدة السلمي
٣٧٣) .
أما قولهم: چهله فلان: ففعل ماض مبني للمعلوم، ومشدد الهاء، كما يضبط على الصحة في التب المطبوعة، بعنى نسبه إلى الجهالة، لا إلى الجهل.
٢٧ - ومن الافاظ الكثيرة الدوران في كتب الجرح والتعديل - ومنها " الكاشف " -: قولهم: مجهول.
ومعلوم أن الجهالات ثلاثة: جهالة العين، وجهالة العدالة الظاهرة والباطنة معا، وجهالة العدالة الباطنة فقط.
وجهالة العين: هي المرادة عند إطلاقهم كلمة مجهول - إلا عند أبي حاتم ومن معه -.
ويعبرون عن الجهالة الثانية: بجهالة العدالة اختصارا، وبجهالة الحال، وبجهالة الوصف، وهي
الجهالة المرادة إذا أطلقها أبو حاتم الرازي
١)، وأستبعد أن يكون ولده على غير اصطلاحه، وأميل إلى أن أبا زرعة مثله في هذا الاصطلاح.
فكل جهالة تنقل عن هؤلاء الثلاثة في أحد الرواة: فهي جهالة العدالة الظاهرة والباطنة.
ويندر إرادتهم جهالة العين، كما تراه في ترجمة خالد بن عرفطة.
ويعبرون عن صاحب الجهالة الثالثة بالمستور
٢)، أو عدل الظاهر خفي الباطن.
وليست العدالة الباطنة هي العدالة التي لا يعلمها إلا الله تعالى! إنما المراد بها حال الرجل الخاصة في بيته ومعاملته وسفره، وأما الظاهرة: فهي حاله الظاهرة، بان ترى عليه علائم التدين والاستقامة، دون أن يعرف شئ عن حاله الخاصة.
وبماذا تزول جهالة العين؟ اشتهر القول بانها تزول برواية ثقتين عنه، وهذا هو قول الامام محمد بن يحيى الذهلي، أسنده إليه
[ ٤٨ ]
الخطيب في " الكفاية " ص ٨٩.
فهما من حيث العدد اثنان، ومن حيث الوصف ثقتان، ومشى على هذا المتأخرون، ولا يكسبه ذلك عدالة عندهم.
لكن للائمة المتقدمين الآخرين مذاهب أخرى مختلفة متعددة، لا بد من ملاحظتها واعتبارها، ومن الخطا الكبير فهم كلامهم وتنزيل أقوالهم وأحكامهم على الرواة، على وفق ما اعتمده المتأخرون من كلام إمام واحد من المتقدمين، هو الامام الذهلي، مع أن الواحد منهم قد تختلف إطلاقاته من راو إلى آخر، وهذا العلم كله علم
مصطلح- فلا بد من الوقوف على مصطلحات كل إمام على حدة، وتنزيل أقواله على وفقها.
وللحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى مقولة جيدة في " شرح علل الترمذي " ١: ٨١ - ٨٥ في شرح مذاهب عدد من المتقدمين في إطاق الجهالة، ومن الضروري الرجوع إليها، وتتبع آخر يضاف إليها، لحصل شبه استقراء لمصطلحاتهم في هذه الكلمة.
ومما قاله ابن رجب - واستحسنه -: ما حكاه يعقوب بن شيبة، عن يحيى بن معين، قال له يعقوب: " متى يكون الرجل معروفا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو
غير مجهول.
قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين ".
فافاد أن رواية اثنين ممن ينتقي الرجال عن راو: ترفع عنه الجهالة، كابن سيرين والشعبي، أما من يروي دون النتقائ: فلا، لذا قال ابن رجب: " وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون ".
على إن ابن معين قد يوثق من لم يرو عنه إلا رجل واحد، كما تقدم نقله عنه قريبا ص ٤٦ أول فقرة ٢٥، وهذا ليس من قبيل التعارض، بل هو من باب اعتبار القرائن، فمن روى عنه واحد وشهدت القرائن عند ابن معين وغيرهه أنه ثقة: وثقوه، ومن ليس كذلك: وقفوا عند ظاهر أمره: فمن روى عنه واحد فقط، قالوا: مجهول العين، ومن روى عنه اثنان فاكثر - كل حسب اصطلاحه واعتباره - قالوا: معروف العين مجهول العدالة، وهكذا ثم ذكر ابن رجب إمثلة على المجهول والمعروف عند ابن المديني
١- وأبي حاتم وأحمد، واستظهر إخيرا: " أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات ".
ورواية الحفاظ الثقات: تنفع المجهول، لكنها لا تجعله ثقة: عدلا ضابطا، وقد تقدم ص ٣١ ما جاء في " فتح المغيث " ١: ٢٩٨ أن " كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي أمره "، وأزيد هنا ما جاء في " الجرح والتعديل ٢: ٣٦ تحت " باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه ".
قال ابن أبي حاتم: " سالت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه.
وقال: سالت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل، مما يقوي حديثه؟ قال: أي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قا: إنما ذلك إذا
١- كررت القول في التعليقات أن لابن المديني ملحظا خاصا في قوله " مجهول ": اعتمادا على قول ابن رجب، ثم رأيت الاخ الاستاذ إكرام الله بن إمداد الحق استظر في بحثه " علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال " ص ٦٤٠ أنه يريد: جهالة العين غالبا.
وفي ص ٦٤٨ أنه يريد بقوله " ليس بمشهور ": غالبا عدم اشتهاره برواية الحديث.
والله أعلم.
[ ٤٩ ]
لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه ".
فآل كلامه إلى لام أبي حاتم.
ويلاحظ أنه ليس في كلامهم
تصريح بالتوثيق.
وأما ابن حبان ﵀: فقد اشتهر أنه يوثق المجاهيل ومن يقول فيه: لا أعرفه، ولا ابن من هو، ولا، ولا، وهذا هو مرادهم بقولهم: يوثق المجهول عينا الذي لم يرو عنه إلا راو واحد.
وأقول: نعم، ولكن بشرط أن لا يكون في هذا المجهول العين تضعيف، لان ابن حبان لا يرى الجهالة جرحا، ويرى أن الاصل في المسلم العدالة والبراءة والسلامة من أي جرح، حتى يثبت عليه ما يجرحه، وغير ابن حبان يرى أن الاصل في المسلم الجهالة حتى يثبت فيه ما يجرحه أو يعدله.
فالتعديل عند ابن حان يثبت باحد أمرين: - بالقول: كان ينقل عن شعبة مثلا: فلان ثقة.
- وبالبراءة الاصلية.
وإذا كانت الجهالة العينية قد ارتفعت برواية واحد مشهور عن هذا الراوي، فلم يبق إلا البحث عن عدالته، وعدالته بالبراءة الاصلية، فلا حاجة إذا إلى شئ آخر عند ابن حبان، إنما الحاجة عند غير ابن حبان إلى البحث عما يرفع جهالة عدالته، والعدالة لا تثبت عند بالبراءة، بل لا بد من نص عليها.
هذا تقرير قولهم عن ابن حبان.
قال الحافظ في مقدمة " لسان الميزان " ١: ١٤: " مسلك ابن حبان في كتاب " الثقات " الذي ألفه أنه يذكر خلقا ممن نص عليهم أبو حاتم وغيره أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره " أي: عند يغر ابن حبان، أما ابن خزيمة فمع الجمهور.
ويلاحظ قول الحافظ: كان عند ابن حبان ، فظاهره أنه يقول هذا وينسبه إلى ابن حبان إجتهادا منه، وكلام السخاوي في " فتح المغيث " ١: ٢٩٤ يؤيد ذلك.
وكلامه في مقدمة " الثقات " صريح في هذا، قال ﵀ ١، ١٣: "..إن العدل من لم يعرف فيه الجرح،
إذ التجريح
١- ضد التعديل، فمن لم يعلم بجرح فهو عدل، إذا لم يبين ضده، إذ لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر ".
فجعل العدالة مرتكزة على أمر سلبي، هو: عدم وجود شئ جارح فيه، في حين أنه جعلها مرتكزة على أمر إيجابي في مقدمة " صحيحة "، هو التزامه في غالب شئونه باحكام الاسلام أمرا ونهيا، فعلا وتركا.
قال ﵀ هناك ١: ٨٣: "..والعدالة في الانسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله، لانا متى
[ ٥٠ ]
ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال: أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل، إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدل: من كان ظاهر حواله طاعة الله، والذي يخالف العدل: من كان أكثر إحواله معصية الله ".
وعبر عن هذا المعنى في مقمة " المجروحين " ١: ٨ بقوله: " وأقل ما يثبت به خبر الخاصة - يريد: الآحاد - حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه ".
ومن أجل هذا: ذهببعض المعاصرين إلى أن شرط ابن حبان في " صحيحه " أقوى وأشد من شرطه في " ثقاته "، وكانالحافظ ابن حجر ﵀ يشير إلى هذا المعنى حين يقول في " التهذيب " مرارا: فلان ذكره ابن حبان في " الثقات " وأخرج حديثه في " صحيحه "؟ والله أعلم.
وهل شارك أحد ابن حبان بمذهبه الذي ذهب إليه في " ثقاته "؟ الجواب: ذكر السخاوي ﵀ في " فتح المغيث " ١: ٢٩٣ - ٢٩٧ عددا من المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا راو واحد، ثم قال: " قيل أهل هذا القسم مطلقا من العلماء من لم يشترط في الراوي مزيدا على الاسلام، وعزاه ابن المواق للحنفية حيث قال: إنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد، وبين من روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية المجهول على الاطلاق.
انتهى.
وهو لازم كل من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن الاوز تعديل له، بل عزا النووي في مقدمة " شرح مسلم " لكثير من المحققين الاحتجاج به، وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وإليه يومئ قول تلميذه ابن حبان وقيد بعضهم القبول بما إذا كان المتفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل، كابن مهدي وغيره وهو مخدوش.
وكذا خصه ابن عبد البر بمن يكون مشهورا، أي بالاستفاضة ونحوها في غير العلم، بالزهد، أو بالنجدة، فاما بالشهرة بالعلم والثقة والامامنة: فهي كافية من باب أولى.
ويقرب من ذلك: انفراد الواحد عمن يروي عن النبي ﷺ.
وخص بعضهم القبول بمن يزكيه - م رواية الواحد - أحد من أئمة الجرح والتعديل، واختاره ابن القطان، وصححه شيخنا - أي ابن حجر - وعليه يتمشى تخريج الشيخين في " صحيحهما " لجماعة، أفردهم المؤلف - أي الحافظ العراقي - بالتاليف وكذا صرح ابن رشيد بانه لو عدله المنفرد عنه: كفى، وصححه شيخنا أيضا إذا كان متاهلا لذلك.
وبالجملة: فرواية إمام ناقل للشريعة لرجل ممن لم يرو عنه سوى واحد في مقام الاحتجاج: كافية في تعريف وتعديله ".
ثم نقل عن ابن كثير قوله: " إذا كان - الذي لم يرو عنه إلا واحد - في عصر التابعين والقرون المشهود لاهلها بالخيرية: فانه يستانس بروايته ويستضاء بها في مواطن ".
[ ٥١ ]
وعن ابن المواق: " لا خلاف أعلمه بين أعلمه بين أئمة الحديث في رد المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد، وإنما يحكى الخلاف عن الحنفية ".
وعن ابن رشيد قوله: " لا شك أن رواية الواحد الثقة تخرج عن جهالة العين إذا سماه ونسبه ".
هذه خلاصة ما في " فتح المغيث "، واقتصرت على حكاية الاقوال والمذاهب، وإليك البيان: ١ " - أما من لم يشترط في الراوي مزيدا على الاسلام: فلم أره مسمى، ولا أراه قريبا من مذهب أحد سمي إلا ابن حبان وشيخه ابن خزيمة، كما تقدم قريبا، لكنهما يشترطان في الراوي عنه أن يكون مشهورا غير ضعيف، فمذهبهما يتميز بهذين الشرطين.
٢ " - وأما كونه مذهب الحنفية - في حكاية ابن المواق عنهم -: فهذا يحتاج إلى تفصيل، قال فخر الاسلام البزدوي ﵀ في " أصوله " التي شرحها عبد العزيز البخاري في " كشف الاسرار " ١: ٧١٩: " وأما العدالة: فان تفسيرها الاستقامة، وهي نوعان: قاصر وكامل، ١ - أما القاصر: فما ثبت منه
بظاهر الاسلام واعتدال العقل، لان الاصل حالة الاستقامة، لكن هذا الاصل لا يفارقه هوى يضله ويصده عن الاستقامة، ٢ - وليس لكمال الاستقامة حد يدرك مداه، لانها بتقدير الله تعالى ومشيئته تتفاوت، فاعتبر ي ذلك ما لا يؤدي إلى الجرح والمطلق من العدالة ينصرف إلى أكمل الوجهين ".
فقول الحنفية بالعدالة القاصرة: ممائل لقول ابن حبان: " إن العدل من لم يعرف فيه الجرح.."، لكن ابن حبان يحتج بحديث من هذا شانه، أما الحنفية: فلا، قال عبد العزيز البخاري في شرحه المذكور: " كشف الاسرار " الموضع المذكور: " وبهذه العدالة لا يصير الخبر حجة، لان هذا الظاهر عارضه ظاهر مثله، وهو هوى النفس فانه الاصل قبل العقل، وحين زرق العقل والنهى ما زايله الهوى، وإنه داع إلى العمل بخلاف العقل والشرع، فكان عدلا من وجه دون وجه..، فتردد الصدق في خبره بين الوجود والعدم من غير رجحان، فشرط كمال العدالة، وهو أن يكون مجانبا لمحظور دينه، ليثبت رجحان دليل العقل على الهوى، فيترجح الصدق في خبره ".
وأما الجهالة عندهم: فجهالة عداة، وجهالة في رواية الحديثبان لم يعرف هذا المجهول إلا بحديث أو حديثين.
أما جهالة العدالة: فقال الكمال ابن الهمام في " تحريره " ٢: ٢٤٧: " مسالة.
مجهول الحال - وهو المستور -: غير مقبول، وعن أبي حنيفة في غير الظاهر من الرواية عنه: قبول ما لم يرده السلف.
وجهها: ظهور العدالة بالتزامة الاسلام وك: أمرت أن أحكم بالظاهر
١)، ودفع بان الغالب أظهر، وهو الفسق ".
فافاد أن المستور في مصطلح الحنفية يساوي مجهول الحال والعدالة في مصطلح المحدثين، وأفاد أيضا أن قبول روايته هو قول نقل عن الامام أبي حنيفة ﵀ لكن في كتب النوادر التي هي غير كتب ظاهر الرواية، ومعلوم في أصول المذهب أن كتب ظاهر الرواية هي المعتمدة في المذهب، ولا يعتبر بما في سواها إلا إن نقل معه ترجيح من علماء المذهب، وهذا من ذاك، ونقل معه رده، كما ترى.
[ ٥٢ ]
أما قول الكمال بعد أسطر: " وأما ظاهر العدالة: فعدل واجب القبول ": فمراده: عدل الظاهر خفي الباطن، الذي يسميه المحدثون مستورا.
وأما الجهالة الثانية: فقال الامام البزدوي ١: ٧٠٤ ما ملخصه - ومثله ابن الهمام ٢: ٢٤٩ -: " أما المجهول: فانما نعني به المجهول في رواية الحديث، بان لم يعرف إلا بحديث أو حديثين، فان روى عنه السلف وشهدوا له بصحة الحديث صار حديثه مثل حديث المعروف، وإن سكتوا عن الطعن بعد النقل: فكذلك، وإن اختلف فيه مع نقل الثقات عنه: فكذلك عندنا، فاما إذا كان ظهر حديثه ولم يظهر من السلف إلا الرد لم يقبل حديثه وصار مستنكرا لا يعمل به على خلاف القياس، وأما إذا لم يظهر حديثه في السلف فلم يقابل برد ولا قبول: لم يترك به القياس، ولم يجب العمل به، لكن العمل به جائز، لان العدالة أصل في ذلك الزان، ولذلك جوز أبو حنيفة ﵀ القضاء بظاهر العدالة من غير تعديل، حتى إن رواية مثل هذا المجهول في زماننا لا يحل العمل بها، لظهور الفسق ".
ففي هذا النقل عدة فوائد وملاحظات، أهمها: أن الامر ليس على الاطلاق الذي حكاه ابن المواق عن الحنفية، وغير ابن المواق كثيرون ينسبونه إليهم، هذا العزو غير الدقيق الواقع من بعض العلماء إلى مذاهب أخرى غير مذاهبهم: كثير جدا في كتب العلم، من الحنفية وغيرهم، فلا بد من التثبت ومراجعة كتب المذاهب المنسوب إليها القول.
ومن فوائد هذا النقل: أن الامام أبا حنيفة إنما قال هذا القول - على ما فيه من قيود - بناء على واقع عصره، أما ابن حبان المتوفى سنة ٣٥٤، بعد أبي حنيفة بمائتي سنة وأربع سنين: فلا عذر له إن كان ينظر إلى عصره، لكن كلامه يدل على أنه ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على النظر والاستدلال، لا لملحظ زمني.
فافترقا.
وأما ما نقله السخاوي عن النووي ﵀ في مقدمة " شرح مسلم ": فهو صحيح هنا، وعبارته ١: ٢٨: " المجهول أقسام: مجهول العدالة ظاهرا وباطنا، ومجهولها باطنا مع وجودها ظاهرا - وهو المستور - ومجهول العين.
فاما الاول: فالجمهور على أنه لا يحتج به، وأما الآخران: فاحتج بهما كثيرون من المحققين ".
فمراد السخاوي: مجهول العين الذيدخل تحت قول النووي: وأما الآخران لكن يبدو لي أنه حصل سبق ذهن للامام النووي في حككاية أصحاب هذه الاقسام الثلاثة، يدل على هذا كلامه نفسه في " التقريب " ص ٢١٠ بشرحه " التدريب " - وهي المسالة السادسة من مسائل النوع الثالث والعشرين - قال: رواية مجهول العدالة ظاهرا وباطنا لا تقبل عند الجماهير، رواية المستور - وهو عدل
الظاهر خفي الباطن -: يحتج بها بعض من رد الاول وأما مجهول العين: فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة ".
ونحوه في " إرشاد طلاب الحقائق " له ص ١١٢ من المسالة الثامنة من النوع الثالث والعشرين، ولفظه في مجهول العين: " الثالث: مجهول العين، وقد يقبل مجهول العدالة من لا يقبل مجهو لاعين "، وقال أولا عن مجهول العدالد: " لا تقب روايته عند الجماهير " أي: القليل من العلماء من يقبل رواية مجهول العدالة، وبعض هذه القليل - وهو النادر - من يقبل رواية مجهول ابعسن.
وهذا هو الذي يتمشى مع كلام ابن الصلاح أصل كلام النووي ومصدره، وهو المتفق مع النظر.
فاشد المجاهيل الثلاثة جهالة هو مجهول العين الذي لم نثبت شخصيته ووجوده بعد، ثم مجهول
[ ٥٣ ]
العدالة، وهو من أثبتنا وجوده بين صفوف الرواة وار تفعت عنه جهالته العينية، لكنا لم نعرف شيئا من حاله وعدالته، ثم مجهول الباطن، وهو من عرفنا ظاهره بالخير والصلاح، ولم تتبين لنا حاله الخاصة الداخلية، وهو المستور.
والله أعلم.
ولا بد من التنبيه أخيرا إلى ثلاثة أمور: أولها: أن من شرط الراوي الواحد الذي يثبت العدالة - عند ابن حبان - لمن يروي عنه: أن يكون مشهورا، كما جاءت عبارة ابن حجر في " اللسان " ١: ١٤.
وكانه يعني الشهرة بطلب الحديث والاعتناء به، كما سيأتي في نقل القاضي زكريا الانصاري عن الامام الذهبي.
أما إذا كان ضعيفا: فال يفيد شيئا، كما صرح به ابن حجر في المصدر المذكور، وتبعه تلميذه السخاوي في " فتح المغيث " ١: ٢٩٨.
ثانيها: قال الكمال ابن الهمام في " تحريره " ٢: ٢٥٣ - بشرحه - بعد أن حكى المذاهب في قبول حديث المجهول: " ومعلوم أن المقصود مع ضبط "، فنبه إلى ضرورة ضبط هذا لا راوي المجهول، وهو - أي الضبط - شرط في كل راو، لكن حال هذا المجهول تقتضي التنبيه لمثل هذا، إذ يخضى منه عدم الضبط، لعدم معرفته.
ولسان حال ابن حبان مقر بهذا غير منكر له، ولا ريب.
ثالثها: أرجو القارئ الكريم أن يكون على ذكر من كلام شيخنا أحمد الصديق الذي تقدم بطوله ص ٢٤، فان فيه بيان أهمية الاختبار والاعتبار، وبالتالي مكانة الضبط، ويتبين منه أن الضبط عامة - في حق الراوي - وخاصة بالنسبة لحديث المبحوث فيه: إنما هو العود الفقري للسنة، لذلك كان الضعف ينجبر إذا سلم نص الحديث، وإذا كان النص مختلا مضطربا لا ينجبر وإن رواه الثقات.
ولذلك كان التلقي بالقبول لحديث ما والعمل به: آية صحته، وگن كانت أسانيده التي وصلت إلينا ضعيفة، إما لان الائمة الذين تلقوه بالقبول وقفوا على أسانيد صحيحة لم تصلنا، وإما لانهم رأوه متلائما مع
أحاديثالباب)، فحكموا على راويه - أو روايه - بالضبط له، أو لغير ذلك.
ومن هذا القبيل: ما نقله شيخ الاسلام زكريا الانصاري ﵀ في " فتح الباقي " ١: ٢٩٩ عن الامام الذهبي أنه قال: " كل من اشتهر بين الحفاظ بانه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشان، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بان أحدا وثقه: فهذا الذي عناه الحفاظ بانه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح.
قال: ومن ذلك إخراج الشيخين لجماعة ما اطلعنا فيهم على جرح ولا على توثيق، فيحتج بهم، لانهما احتجا بهم ".
قلت: الشق الاول من هذا الكلام يصلح أن يكون موضحا لقول الخطيب في " الكفاية " ص ٨٨: " المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به ".
والشق الثاني منه: يستفاد منه أن احتجاج صاحب الصحيح بحديث راو غير موثق - ولا مجرح - ينزل منزلة شهرته بين الحفاظ بالطلب وبالعناية به، لانه لا يحتج إلا بمن يصلح الاحتجاج به عنده، وهذا التعليل - " لانهما احتجا بهمم " - يرشح لقول من قال: تفرد الثقة عن الراوي وتعديله له - أو تعديل إمام آخر له - يعتبر توثيقا للراوي كافيا.
[ ٥٤ ]
ومثل هذا التعليل: قول السخاوي ١: ٢٩٦: " معرفة البخاري به التي اقتضت له روايته عنه - ولو انفرد بها - كافية في توثيقه ".
وقال الذهبي أيضا في " الميزان " ٢
٧٠١٥- مؤكدا لقوله المذكور، في ترجمة مالك بن الخير الزبادي:
" في رواة الصحيحين عدد كثيرا ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يات بما ينكر عليه: فحديثه صحيح ".
وعلق الحافظ في " اللسان " ٥: ٣ فقال: " بل هذا شئ نادر، لان غالبهم معروفون بالثقة، إلا من خرجا له بالاستشهاد ".
فيكون قد أقره على ما حكاه من مذهب الجمهور، وخالفه في العدد، وهذا لا يضر.
وأرى أن الامر نسبي، فعددهم كثير بالنظر إلى ذات الرقم الذي بلغوه، وعددهم قليل بالنظر إلى عدد رواة الصحيحين.
الله أعلم.
وبهذا القول للذهبي وبموافقة ابن حجر له: استدل شيخنا العلامة جهبذ العصر ونقادته مولانا حبيب الرحمن الاعظمي حفظه الله تعالى وأمتع به المسلمين، استدل على قبول مذهب ابن حبان في " ثقاته "، فقد كتبت إليه أسترشده في الجزم باعتماد توثيق ابن حبان لراو ولو انفرد، فكتب إلي أثابه الله ما نصه: " وأما توثيق ابن حبان إذا انفرد: فهو مقبول عندي، معتد به إذا لم يات بما ينكر عليه، وهو الذي يؤدي إليه رأي الحافظ ابن حجر، فانه أقر قول الذهبي في " الميزان ": إن الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يات بما ينكر عليه: فحديثه صحيح، أقره الحاظ في حق من لم يوثقه أحد، فإذا كان ابن حبان وثقه: فهو أول بالقبول "
١) .
كما تقدم بعضه في ص ٣٣، وموافقة شيخنا عبد الله الصديق له.
وكان كلام ابن كثير - السابق ص ٥١ - يجعل حديث هؤلاء بمثابة الحديث
المشبه- الذي قالوا فيه: إنه قريب من الحديث الحسن، فمتى توبع بادنى متابع صار حسنا لغيره.
والله أعلم.
ولا ريب أن حال الكثر الغلب من المذكورين في " ثقاته ": القبول - على تفاوت مراتبه -، وأما التعليق عليه بانه يذكر: - بعض من انفرد بالرواية عنه أحد الضعفاء.
- وبعض من يقول فيه: لا أعرفه، ولا أعرف أباه، ولا فهذا مما لا ينبغي، ذل أن كتابه " الثقات " يحتوي على آلاف مؤلفة ممن لهم رواية، فإذا وجد فيهم تراجم قليلة جدا - بل عدد نادر لا يذكر بجانب تلك الكثرة - فانه لا يحسن بنا إهدار الكتاب كله من أجل هذا العدد النادر.
والله المستعان.
* * *
[ ٥٥ ]
وأراني لم أنته بعد من الحديث عن هذا الصنف من الرواة، ولا بد لي من إتمام الكلام عنه بالحديث عن نقطتين: - مدى إمكانية الحكم على راو بانه تفرد بالرواية عنه فلان فقط.
- التنبيه إلى مصطلحات خاصة في كلمة
مجهول- ونحوها.
أما النقطة الاولى: فان طريق معرفة التفرد: أمر معلوم، هو التتبع والاستقراء، ثم إصدار الحكم، وهذا شان الائمة الموصوفين بانهم أهل ذلك.
إما أن يقوم بعملية التتبع رجل من أهل زماننا: فلا بد له من تقييد حكمه بان هذا ما وصل إليه بحثه في الكتب المسماة: كذا وكذا وقد قال الامام الذهبي - وهو من أهل التتبع والاتقراء بشهادة ابن حجر له في " شرح النخبة " ص ١٥٦ - في " تذكرة الحفاظ " ٣: ٩٤٨ في ترجمة الامام أبي بكر الاسماعيلي صاحب " المستخرج على صحيح البخاري ": " صنف - الاسماعيلي - " مسند عمر ﵁ "، طالعته وعلقت منه، وانبهرت بحفظ هذا الامام، وجزمت بان المتأخرين على إياس من أن يلحقوا بالمتقدمين ".
والذهبي الذي هو من أهل التتبع: سيأتي ما يتعلق به في هذه الجزئية.
فالحكم على أن فلانا لم يرو عنه إلا فلان - بهذا الحصر التام - شان أئمة التتبع القدامى، أمثال ابن المديني وابن معين وأحمد والبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة..، ومع ذلك فسيمر بك في التعليقات أمثلة على الاستدراك عليهم دعواهم هذه، وأن إمكانية دعوى اتفرد من إمام من أمثال من ذكرت: على خطر النقد والاستدراك، إلا إذا أخذت من هذا الامام بالتسليم، وتناقلها جماعة العلماء دون استدراك عليها، لان لسان حال الامام الناقل لها الساكت عليها: موافق مسلم، وحينئذ يحكم بالاطمئنان على الرجل بالجهالة العينية.
وسبب صعوبة هذا الحكم وكونه على خطر الاستدراك: تفرق الرواة في الامصار، وانتشار الاسانيد بانتشارهم.
قال الحافظ في " التهذيب " ١: ٤ وهو يتحدث عن هذا المعنى: " وسببه انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها ".
ومن الامثلة التي ستمر بالقارئ في التعليق - وبعضها جديد -:
١ " - قول ابن معين في رواية الدوري ٢: ٢٤٨
٣٨٢٣- عن شبيب بن بشر البجلي: " لم يرو عنه غيره " أي: غير أبي عاصم النبيل، مع أن المزي ﵀ ذكر في " تهذيب الكمال " خمسة رجال آخرين سوى أبي عاصم.
٢ " - وأغرب من هذا ما حصل لابن معين نفسه أنه قال في رواية الدوري ٢: ٤٦٢
٤٨١٠- عن عيسى بن جارية الانصاري: " لا يعلم أحد روى عنه غير يعقوب القمي " مع أنه قال عنه برقم
٤٨٢٥): " يحدث عنه يعقوب القمي وعنبسة قاضي الري ".
وأما المزي فاوصلهم إلى خمسة!.
[ ٥٦ ]
٣ " - وقال ابن المديني عن أبي ماجدة الحنفي العجلي: " لم يرو عنه غير يحيى الجابر "، كما نقله ابن حجر آخر ترجمته.
مع أنه روى عنه أيضا أيوب السختياني.
وانظر لزما
٣٠٤٤) .
٤ " - وقال أبو حاتم: أحمد بن علي النميري إمام مسجد سلمية لم يرو عنه غير محمود بن خالد الدمشقي، مع أن ابن حبان ذكر رواية يزيد بن عبد ربه أيضا، وكذلك ذكره ابن منده وزاد: محمد بن أبي أسامة، فصاروا ثلاثة.
٥ " - وقال أبو زرعة - " الجرح " ٩
٨٦٩- - في يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحه، المترجم هنا
٦٣٩٤): " ثقة ولم يرو عنه إلا أسامة بن زيد "، مع أن ابن أبي حاتم قال قبل نقله هذا القول: " روى عنه عبد الله بن أبي بكر وأسامة بن زيد ".
٦ " - وقال أبو داود في عجلان - والد محمد بن عجلان الآتي برقم
٣٧٥٤- -: " لم يرو عنه غير ابنه محمد "، مع أنه روى عنه بكير بن عبد الله بن الاشج أيضا، وإسماعيل بن أبي حبيبة
إن كان محفوظا- كما في التهذيبين.
٧ " - وقال أبو داو أيضا في عبد الله بن عمر بن غانم الافريقي المترجم هنا برقم
٢٨٧٣): " لم يرو عنه غير القعنبي " مع أنه روى عنه عثمان بن محمد بن خشيش القيرواني - ذكر في الرواية عنه عند ابن حبان في " المجروحين " ٢: ٣٩ - وداود بن يحيى، كما في " الميزان " ٢
٢٦٥٤- و" رياض النفوس " للمالكي ١: ١٤٤ - وسماه داود بن أبي يحيى -.
لكن يحتمل أن يكون مراد أبي داود هنا: لم يرو عنه ثقة غير القعنبي، فالقيرواني وداود غير ثقات.
قال الحافظ في " النكت على ابن الصلاح " ٢: ٧٢٣: " قد يطلقون النفي ويقصدون به الطرق الصحيحة، فلا ينبغي أن يورد على إطلاقهم مع ذلك الطرق الضعيفة ".
٨ " - وقال الترمذي في " سننه " ٧، ٣٢٧
٢٦٨٥- عن خلف بن أيوب العامري المترجم هنا
١٣٩٦): " لم أر أحدا يروي عنه غير محمد بن العلاء، ولا أدري كيف هو "، مع أنالمزي ذكر في ترجمته تسعة رواة عنه! ونقل الحافظ قصة عن الحاكم يستفاد منها أيضا أن ابن معين روى عنه، فكملوا عشرة.
٩ " - وحكى الحافظ في " تهذيبه " ٤: ٣٨٤ عن البزار أن الاوزاعي تفرد بالرواية عن صالح بن جبير، مع أنه روى عنه ثمانية رجال!.
١٠ " - وقال ابن عدي في " الكامل " ١: ٤٠٠ آخر ترجمة أصبغ بن زيد الجهني: " لا أعلم روى عن أصبغ هذا غير يزيد بن هارون "، مع أن المزي ذكر عشرة يروون عنه فيهم يزيد بن هارون.
١١ " - وادعى ابن حزم في " المحلى " ١٠: ٣٢
٢٠٠٤- أن زينب بنت كعب بن جرة " مجهولة، لا تعرف، ولا روى عنها أحد غير سعد بن إسحاق - بن كعب بن عجرة - وهو غير مشهور بالعدالة "، مع أنه روى عنها ابن أخيثا الآخر: سليمان بن محمد بن كعب.
[ ٥٧ ]
١٢ " - وقال ابن القطان في إسحاق بن كعب بن عجرة المترجم برقم
٣١٨): " ما روى عنه غير ابنه سعد "، ونبهت في التعليق إلى أنني وقفت على رواية أب معشر عنه في " المسند " ٤: ٢٩.
وانظر أيضا
٢٣٥٥) .
١٣ " - وقال الذهبي في " الميزان " ٢
٤٩٢٣): " تفرد عنه داود بن الحصين " مع إن ابن حبان ٥: ١٠١ أضاف إليه آخر: محمد بن يحيى بن حبان.
١٤ " - وقال أيضا ٢
٢٦١٧- عن داود بن أبي صالح: " روى عنه الوليد بن كثير فقط "، فتعقبه الهيثمي ٤: ٢ برواية كثير بن زيد أيضا عند أحمد في " المسند " ٥: ٤٢٢ قال: " ولم يضعفه أحد ".
١٥ " - وقال ٢
٤٥٤٦- عن عبد الله بن محمد بن صيفي: " وعنه صفوان بن موهب فقط " وقال ابن حبان ٥: ٤٤ من " الثقات ": " روى عن ابنه يحيى بن عبد الله ".
١٦ " - وقال في ترجمة دحيبة العنبرية ٤
١٠٩٥٢): " ما روى عنها سوى عبد الله بن حسان العنبري " وسلفه في هذا الحصر اقتصار شيخه المزي على ذكره، فتبعه، وتبعه ابن حجر أيضا، مع أن ابن حبان قال في " الثقات " ٦: ٢٩٥: " روى عنها كثير بن قيس بن الصلت العنبري "، فهذان اثنان رفعا عنها جهالة العين، يضاف إليها: ذكر ابن حبان لها في " الثقات ".
وإذا كان المصنف قال ٤
٧٠١٥- في ترجمة مالكبن الخير الزبادي: " الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يات بما ينكر عليه: أن حديثه صحيح " - ووافقه عليه ابن حجر -: فقبول حديث هذه: أمر قريب جدا.
١٧ " - وقال ٢
٥٠٠٥): " عبد الرحمن بن يربوع ما روى عنه سوى ابن المنكدر " فتعقبه الزيلعي في " نصب الراية " ٣: ٣٤ - ٣٥، والحافظ في " التهذيب " ٦: ٢٩٥.
هذا كثير منه رحمه الله تعالى تجد أمثلته العديدة في حواشي السبط البرهان، وما علقته عليه.
قال الزيلعي في الموضع المذكور - والحافظ أيضا في هذا الموضع الاخير - مبينا سبب وقوع الذهبي في هذا المأخذ: " ذكر شيخنا الذهبي في " ميزانه " - ٢
٥٠٠٥- - عبد الرحمن بن يربوع فقال: ما روى عنه سوى ابن المنكدر، وهذا غلط، فان البزار قال في " مسنده " عقيب ذكره لهذا الحديث عن عبد الرحمن بن يربوع: قديم، حدث عنه عطاء بن يسار وممد بن المنكدر وغيرهما، وأظن أن الذي أوقع الذهبي في ذلك كون المزي لم يذكر راويا عنه غير ابن المنكدر، وكثيرا ما وقع له مثل ذلك في كتبه! والله أعلم ".
ونقل الحافظ قول الذهبي هذا وتعقبه بقوله: " أخطا في هذا الحصر، وكانه تلقاه من هذه الترجمة وقلد في ذلك شيخه المزي! ".
بل جعل الحافظ ذلك عادة للذهبي، فقد قال في " الميزان " ٤
٨٩٤٧): " موسى، عن محمد بن سعد، ما روى عنه سوى الجريري "، فتعقبه في " التهذيب " ١٠: ٣٧٩ بقوله: " ذكره الذهبي في " الميزان " وأشار إلى أنه مجهول، كعادته فيمن لم يذكر له المزي إلا راويا واحدا ".
وقال أيضا في ترجمة نضر بن عبد الله السلمي ١٠: ٤٣٩: " قرأت بخط الذهبي - ٤
٩٠٧٣- -: لا
[ ٥٨ ]
يعرف، وهذا كلام مستروح، إذا لم يجد المزي قد ذكر للرجل إلا راويا واحدا جعله مجهولا، وليس هذا بمطرد ".
وقد اعتمد البرهان السبط في " حاشيته " هذه مسلك الذهبي وحكمه، فنقل كثيرا من أقواله التي نقلت نماذج منها، وسكت عنه، فيقال في صنيعه ما قيل في حق الذهبي أيضا.
وهنا يرد سؤال تكملة للبحث: هل قصد المزي استيعاب شيوخ المترجم والرواة عنه؟.
والجواب: ما قاله المزي نفسه في مقدمة " تهذيبه " ١: ١٥١: " ذكرت أسماء من روى عنه كل واحد منهم، وأسماء من روى عن كل واحد منهم في هذه الكتب أو في غيرها، عنى ترتيب حروف المعجم ".
وقال الحافظ في مقدمة " تهذيب التهذيب " آخر صفحة ٣: " ثم إن الشيخ - المزي - رحمه اله قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة، واستيعاب الرواة عنه، ورتب ذلكعلى حروف المعجم في كل ترجمة، وحصل من ذلك على الاكثر، لكنه شئ لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره ".
وصنيع المصنف الذهبي - وهو تلميذ المزي الفاهم عنه مقاصده في كتابه - نراه ينفي ويحصر: ما روى عن فلان إلا فلان: بناء على اقتصار المزي على ذكر هذا الواحد!.
وكان المزي ﵀ لفرط تتبعه واجتهاده في ذلك ادعى هذه الدعوى، وإلا فمثله لا يغيب عن ذهنه إنه " شئ لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره "!.
ولقد ترك ﵀ للمتعقبين عليه ثغرة واسعة، مثل مغلطاي، كما أوقع المستسلمين لظاهر صنيعه في مآخذ عليهم، مثل الذهبي.
بل إني أقول: لا يبعد أن يفوته ذكر بعض هؤلاء - الشيوخ والتلامذة - وهم من رجال الكتب الستة، وإن كنت لا أستحضر مثالا على ذلك، لكني لا أبعده، وهو إن وجد فنادر.
وكان يظن إن المزي استوعب ما عند البخاري وابن أبي حاتم مما يتعلق بغرضه هذا، لكني رأيت أمثلة تخالف هذا الظن.
انظر التعليق على
١٢٣، ٣٧٤)، والمثال السابق برقم ١٦ ".
لذلك قلت في أول كلامي عن هذه النقطة: " إذا أخذت - دعوى التفرد - من هذا الامام بالتسليم، وتناقلها جماعة العلماء دون استدراك عليها " ولم أقصر كلامي على متابعة إمام واحد للامام القائل فقط، بل قلت: جماعة العلماء، اعتبارا من واقع الامام الذهبي في متابعته للمزي.
فدعوى التفرد تحتاج إلى تتبع، ودعوى تسليم العلماء بها تحتاج إلى تتبع أيضا.
والله ولي التوفيق.
أما النقطة الثانيد - وهي المصطلحات الخاصة بكلمة
مجهول- ونحوها -: ١ " - فتقدم أن الاصل في إطلاق
مجهول- إرادة جهالة العين.
٢ " وتقدم أن اصطلاح أبي حاتم - وألحقت به ابنه عبد الرحمن وأبا زرعة - في إطلاقها: جهالة الحال.
وانظر ما ياتي بعد أسطر.
[ ٥٩ ]
٣ " - وأن ابن حجر مشى في " التقريب " على أنها في مجهول العين.
٤ " - واصطلح المصنف في " الميزان " على أنه إذا أطلقها ولم ينسبها إلى قائل: فهي مستفادة من أبي حاتم، فيكون معناها جهالة الحال.
نعم، سها ﵀ أحيانا، فاطلق الجهالة وهي من كلامه وحكمه، لا من عند أبي حاتم، كما تجد مصداق ذلك بشواهده في التعليقات النفسيه لشيخنا العلامة المحقق اكبير الاستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى، على " الرفع والتكميل " للامام اللكنوي رحمه الله تعالى ص ٢٢٥ فما بعدها.
وعكس هذا، فقد يقول أبو حاتم
مجهول- في راو ما، فيقول الذهبي فيه كلمة أخرى من مصطلحاته الخاصة به.
مثال ذلك: أن أبا حاتم قال في مدلاج بن عمرو السلمي: " مجهول "، فذكره المصنف في " الميزان " وقال: " لا يدرى من هو " كما سيأتي قريبا.
٥ " - ولكن: هل كل من أطلق عليه أبو حاتم
مجهول- هو مجهول الحال، بمعنى أنه لم تعرف عدالته؟.
الجواب التفصيلي الشافعي يحتاج إلى دراسة شاملة فاحصة، لكني أريد التنبيه إلى أنه قد يطلق الجهالة
في عدد من أعراب الصحابة ﵃، يريد أنهم مجهولو المعرفة عند كبار التابعين، إذ لم تنقل لهم رواية عنهم
١) .
ففي " الجرح " ٨
١٩٥١): " مدلاج بن عمرو السلمي، حليف بني عبد شمس، سمعت أبي يقول: هو مجهول ".
مع أنه شهد بدرا فما بعدها من مشاهد النبي ﷺ، وذكره الذهبي في " التجريد " ٢
٧٢٥- وقال: " بدري "، ولكنه في " اليزان " ٤
٨٤٠٩- تبع أبا حاتم فقال من عنده: " لا يدرى من هو "، وهذا منه يشبه قول أبي حاتم " مجهول ".
وفي " الجرح " ٨
١٢٧٦): " معبد بن خالد الجهني أبو رغوة، له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر ﵄، مات سنة ثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول ".
فمن ولد قبل الهجرة بثماني سنين، يكون عمره يوم وفاة النبي ﷺ ثماني عشرة سنة، فهو صحابي، وهذا باعتراف أبي حاتم.
وهذا الاعراف من أبي حاتم بصحبته، وهذا الكم عليه منه بالجهالة: يحتم تأويل قوله تأويلا مستساغا، إذ لا يعقل مثل هذا التناقض في كلام الناس، فضلا عن مثل أبي حاتم في إمامته! وقد أوله له الحافظ ابن حجر في " اللسان " ٦: ١٣ فقال في ترجمة مدلاج " كذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة
٢)، يطلق عليهم اسم الجهالة، لا يريد جهالة العدالة، وإنما يريد أنهم من الاعرب الذين لم يرو عنهم أئمة التابعين ".
[ ٦٠ ]
وقد قال الامام أبو أحمد الحاكم في " الاسامي والكنى " له ١: ١٥٥ / آعن معبد بن خالد الجهني: كا ألزم جهني للبادية ".
٦ " - " مجهول " عند العقيلي وابن الجارود وأبي العرب القيرواني، يطلقونها في كتبهم في " الضعفاء " ويريدون منها جهالة العدالة إذا لم يقفوا على توثيق صريح في الرجل.
قال العلامة اكوثري ﵀ في " مقالاته " ص ٦١ وهو بصدد تصحيح حدث معاذ بن جبل ﵁ في الاجتهاد بالرأي: والحارث هذا - ابن عمرو الثقفي - ذكره ابن حبان في " الثقات " - ٦: ١٧٣ - وإن
جهله العقيلي
١- وابن الجارود وأبو العرب، يعنون الجهالة بحاله من جهة أنهم لم يظفروا بتوثيقه نصا من أحد ".
فتجهيل هؤلاء الثلاثة رجلا ينصرف إلى جهالة العدالة أولا، وثانيا: سببه أنهم لم يقفوا على تعديل فيه.
٧ " - قال ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ٩: ٤٨٨ آخر ترجمة محمد بن نجيح السندي: " قلت: عده أب الحسن ابن القطان فيمن لا يعرف، وذلكقصور منه، فلا تغتر به، ود أكثر من وصف جماعة من المشهورين بذلك، وسبقه إلى مثل ذلك أبو محمد بن حزم، ولو قالا: لا نعرفه: لكان أولى لهما ".
وانظر: " اللسان " ١: ٢٣١، ٢٢٤.
وقال العراقي في " ذيل الميزان " ص ١٠٣
١١٢- في ترجمة أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري: " قال ابن القطان: علته الجهل بحال أحمد ".
وعلق عليه الحافظ في " اللسان " ١: ٢١٩، فقال: " ابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله "
٢) .
واشتهر قوول المصنف في " الميزان " ١
٢١٠٩- في ترجم حفص بن بغيل: " إن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل عليه عدالته ".
وابن القطان قال في المذكور: " لا يعرف له حال، ولا يعرف ".
وقوله في ترجمة مالك بن الخير الزبادي ٣
٧٠١٥): " قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته.
يريد: أنه ما نص أحد على توثيقه ".
ويستفاد من قولي الذهبي هذين: مصطلح ابن القطان في إطلاقه.
ويستفاد من قولي ابن حجر أيضا أمران: - لفت نظر الباحث إلى حال هذين الامامين خاصة بشان استعمالهما هذه الكلمة.
[ ٦١ ]
- التذكي بالفرق بين قول الامام: لا أعرفه، وفلا لا يعرف.
فالاول: حكم على نفسه بانه لا يعرفه، فهو يحكم على نفسه بعدم معرفته له، والثاني: حكم على الرجل، وحكم على نفسه، ونقل عن الآخرين
أنه غير معروف، وأنهم لا يعرفونه، فهو قائل صراحة، وناقل ضمنا.
فالفرق بينهما كبير، فإذا ما توالى نقل العلماء للقول الاول، وتواردوا عليه دون تعقب له: ساوى حينئذ القول الثاني.
ومثل هذا تماما يقال في قولهم عن حديث ما: لا أعرفه، ولا يعرف.
ويقال في هذا نحو ما تقدم في دعوى تفرد رواية فلان عن فلان، صفحة ٥٦، ٥٩.
٢٨ - ومن الالفاظ الواردة في هذا الكتاب وغيره: قول ابن معين في الرجل: لا أعرفه.
وقد تكرر قوله هذا مرات تلفت النظر في رواية عثمان الدامي عنه، حتى إني جمعتها فجائت سبعين مرة، إلا واحدة قال فيها: لا أدري، قال ذلك في سعيد التمار
٣٩٣) .
ولما كان ابن أبي حاتم وابن عدي حريصين جد الحرص على نقل أقوال ابن معين: كنت أرجع إليهما للنظر في حال الرجل عندهما، فارى لهما تعليقا على نفي ابن معين معرفته حال الرجل، بما يلقي ضوءا على معرفة مصطلحه في هذه الكلمة.
ووفاء بما وعدت في التعليق على
١٣٠٩): أني سأدرس قوله هذا في هذه الدراسات، فسأذكر اسم الرجل مع رقم ترجمته في " تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي " ثم تفسير ابن أبي حاتم للكلمة المرادة هنا " لا أعرفه "، ثم أتبع ذلك بالترااجم التي علق ابن عدي فيها على الكلمة بما يفسرها عنده، ثم أخلص إلى نتيجة أراها، إن شاء الله.
١ " - سهل بن حما - غير أبي عتاب الدلال -
٣٩١)، قال ابن أبي حاتم ٤
٨٤٥): " يعني: ما أخبره ".
٢ " - عمر بن عثمان بن عمر التيمي
٢٩، ٥٩٧)، قال ابن أبي حاتم ٦
٦٧٤): " يعني أنه مجهول ".
٣ " - عنبسة بن مهران
٢٨)، وقال ابن أبي حاتم ٦
٢٢٤٤): " لانه مجهول ".
٤ " - قدامة بن كلثوم
٧١١)، وعند ابن أبي حاتم ٧
٧٣٧): " لم يعرفه لانه كان مجهولا ".
٥ " - قدامة بن محمد بن قدامة الخشرمي
٧١٠)، وفي " الجرح " ٧
٧٣٥): " يعني: لا يخبره، وأما قدامة فمشهور ".
يريد أنه معروف العين، برواية عدد من الرواة عنه.
٦ " - قرة بن أبي الصهباء
٧٠٥)، وفي " الجرح "، ٧
٧٤٦): " يقول: ما أعرفه لانه مجهول ".
قدامة فمشهور ".
يريد أنه معروف العين، برواية عدد من الرواة عنه.
٦ " - قرة بن أبي الصهباء
٧٠٥)، وفي " الجرح "، ٧
٧٤٦): " يقول: ما أعرفه لانه مجهول ".
٧ " - مالك بن عبيدة الديلي
٧٨٣)، وفي " الجرح " ٨
٩٤٨): " يعني: أنه مجهول ".
٨ " - محمد بن أبي صالح السمان
٧٧٦)، وفي " الجرح " ٧
١٣٨٠): " يعني لا أخبره ".
٩ " - محمد بن عبد العزيز التيمي
٨١٣)، وقال ابن أبي حاتم ٨
٢٣): " يعني لا أخبره ".
١٠ " - معاوية بن معبد بن كعب السلمي
٧٧٧)، وفي " الجرح " ٨
١٧٣٠): " يعني لانه مجهول ".
[ ٦٢ ]
أما التراجم التي علق ابن عدي عليها فبلع عددها خمسا وأربعين ترجمة، وها هي إسماؤهم وأرقامهم عند عثمان الدارمي، ومواطن تعليق ابن عدي عليهم ولفظه: ١١ " - أصبغ بن سفيان
١٤٦)، وقال ابن عدي ١: ٣٩٩: " هو كمال قال يحيى بن معين، مجهول لا يعرف، وما أظن له شيئا يسيرا، ولم يحضرني في وقت ما أمليت: له حديث، وهو قليل الرواية جدا ".
١٢ " - بهلول بن راشد
١٨٩)، وقال ابن عدي ٢: ٤٩٩: " ليس بذاك المعروف ".
١٤ " - الجراح بن مليح البهراني
٢١٤)، وفي " الكامل " ٢: ٥٨٤: " كان يحيى إذا لم يكن له علم ومعرفة باخباره ورواياته يقول
لا أعرفه) .." ثم أثنى على الجراح بقوله: لا باس به وبرواياته ١٥ " - حاتم بن حريث
٢٨٧، وقال ابن عدي ٢: ٨٤٥: " ولعزة حديثه لم يعرفه يحيى، وأرى أنه لا باس به ".
١٦ " - حصين الجعفي
٢٥٦)، وقال ابن عدي ٢: ٨٠٥: " لا أعلم له رواية إلا عن علي ".
١٧ " - حميد الشامي
٢٦٨)، وروى له في " الكامل " ٢: ٦٨٦ حديثا واحدا وقال: " إنما أنكر عليه هذا الحديث، وإذا كان مثل يحيى لا يعرفه، لا يكون له شهرة ولا يعرف ".
١٩ " - داود بن خالد العطار
٣١٤)، قال ابن عدي ٣: ٩٦١: " كان أحاديثه أفرادات، وأرجو أنه لا باس به ".
٢٠ " - زهير بن مرزوق
٣٤٤)، وقال ابن عدي ٣: ١٠٧٩: " إنما لم يعرفه يحيى لان له حديثا واحدا
معضلا ".
٢١ " - سعيد بن الصباح
٤٠٤)، قال ابن عدي ٣: ١٢٤٦: " لسعيد غير ما ذكرت من الحديث، وليس بكثير، وأرجو أنه لا باس به ".
٢٢ " - سعيد بن عمير بن عقبة
٣٧٣)، قال ابن عدي ٣: ١٢٤٦: " أظن إن له حديثا واحدا، ولم يحضرني في وقتي هذا ".
٢٣ " - سعيد التمار، قال فيه ابن معين
٣٩٣): " لا أدري "، وقال ابن عدي ٣: ١٢٢٥: " إنما قال
لا أعرفه- بنسبته، لانه لم ينسب ابن من، وإنما عرف: سعيد التمار ".
٢٤ " - سعيد المؤذن
٣٦٥)، وكذلك قال ابن عدي ٣: ١٢٤٥: " لانه لم ينسب ".
[ ٦٣ ]
٢٥ " - سفيان بن عتبة
٣٧٠)، قال ابن عدي: ٣: ١٢٤٥: " قول يحيى لا أعرفه: يعني أنه لم يره ولم يكتب عنه، فلم يخبر أمره، وهو عندي سفيان بن عقبة، ولا باس به ولا برواياته ".
٢٦ " - سليمان بن سفيان
٣٨٥)، قال ابن عدي ٣: ١١٢٢: " وسليمان يعرف بهذين الحديثين، وما أظن أن له غيرهما إلا شيئا يسيرا ".
٢٧ سهل بن حماد
٣٩١)، قال ابن عدي ٣: ١٢٨٣: " سهل غير معروف، ولم يحضرني له حديث فاذكره ".
٢٨ " - شعيب بن طلحة
٤١٩)، وفي " الكامل " ٤: ١٣١٨: " هو كما قال، لا يعرف، ولم أجد له حديثا فاذكره ".
٢٩ " - صالح أبو بشر
١٥٥)، وفي " الكامل " ٤: ١٣٨٦: " هذا الذي قال يحيى إنه لا يعرفه، لانه مجهول لا يعرف ".
٣٠ " - الصباح أبو سهل الواسطي
٤٣٨)، وعلق في " الكامل " ٤: ١٤٠٢: " لان جميع ما يروي من الحديث لا يبلغ عشرة أحاديث، هي أحاديث لا يتابعه أحد عليها ".
٣١ " - عاصم بن سويد
٥٩٢)، وقال ابن عدي ٥: ١٨٨٠: " إنما لا يعرفه لانه قليل الرواية جدا،
ولعل جميع ما يرويه لا يبلغ خمسة أحاديث ".
٣٢ " - عبد الله بن حفص
٤٦٤)، ووافقه ابن عدي ٤: ١٥٥٨ فقال: " هذا الذي لا يعرفه ابن معين: لا أعرفه أنا، فلا أدري عثمان بن سعيد من أين عرفه، ولا من أين وجد اسمه ".
٣٣ " - عبد الله بن سلم
٦٤٩)، وزاد عثمان بن سعيد الدارمي نقلا عن القواريري: " قل ما كان يحدث " وقال ابن عدي ٤: ١٥٦٣: " لم يحضرني له حديث فاذكره ".
٣٤ " و٣٦ " - عبد الله بن عالاسود الحارثي، وعبد الله بن عثمان بن سعد
٦٣٦، ٦٠٨)، قال ابن عدي: " هو كما قال، وهما مجهولان ".
٣٥ " و٣٧ " - عبد اللن بن عبد الرحمن الجمحي، وعبد اله البناني
٢٧، ٥٩١، ٥٩٨)، وقال ابن عدي ٤: ١٥٥٩ - ١٥٦٠: " هذان الاسمان اللذان قال يحيى بن معين لا أعرفهما: مجهولان كما ذكرهما يحيى ".
٣٨ " - عبد الاعلى الزهري
٦١٩)، وهو عند ابن عدي ٥: ١٩٥٤ عبد الاعلى بن أبي المساور، وذكر فيه روايتين أخريين عن ابن معين: بشئ وليس بثقة.
٣٩ " و٤٠ " - عبد الرحمن بن آدم، وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي
٦٠٠، ٤٨١)، وعند ابن عدي ٤: ١٦٠٧: " إذا قال مثل ابن معين
لا أعرفه): فهو مجهول غير معروف، وإذا عرفه غيره فلا يعتمد على معرفة غيره، لان الرجال بابن معين تسبر أحوالهم ".
٤١ " - عثمان بن عمر التيمي
٢٩، ٥٩٧)، وعند ابن عدي ٥: ١٨٢١: " هو كما قال: لانه مجهول ".
[ ٦٤ ]
٤٢ " و٤٤ " - عثمان وعمر ابنا مضرس
٢٦٢)، وفي " الكامل " ٥: ١٨٢٤: " ليس هما بمعروفين، وإنما أشار إلى حديث واحد ".
٤٣ " - عمر بن عثمان بن عمر التيمي
٢٩، ٥٩٧)، وفي " الكامل ": ١٧٢٣: " هو كما قال ".
٤٥ " - محمد بن عبد العزيز التيمي
٨١٣): وقال ابن عدي ٦: ٢١٣: " لا يعرفه لقلة حديثه ".
٤٦ " - مالك بن عبيدة الديلي
٧٨٣)، قال ابن عدي ٦: ٢٣٧٧: " ما أظن لمالك بن عبيدة غير هذا
الحديث ".
٤٧ " - معاوية بن معبد بن كعب
٧٧٧)، قال ابن عدي ٦: ٢٣٩٩: " هو كما قال ابن معين، لا يعرف ".
٤٨ " - منخل بن حكيم
٧٩٠)، وقال ابن عدي ٦: ٢٤٢١: " ليس بالمعروف، ولهذا لم يعرفه ابن معين، ولم أجد له غير هذا ".
٤٩ " - ميمون أبو محمد
٧٧٣)، وفي " الكامل " ٦: ٢٤١٠: " عثمان بن سعيد يسال أبدا يحيى بن معين عمن لا يعرف، فيجيبه يحيى: إني لا أعرفه، وإذالم يعرفه يحيى يكون مجهولا ".
٥٠ " - نافع أبو هرمز
٨٢٦)، ونقل ابن عدي ٧: ٢٥١٣ أيضا عن ابن معين من رواية أبي يعلى الموصلي: " ليس بشئ "، ومن رواية ابن أبي مريم: ليس بثقة، كذاب، من رواية الدوري ٢: ٦٠٢
٣٤٨٢): " ضعيف "، ولم يذكر روايته الثانية ٢: ٦٠٢
٣٨٢٨): " ليس بشئ ".
وذكر له نحو عشرة أحاديث وقال: " له غير ما ذكرت ".
٥١ " - يحيى بن زبان
٨٩٠)، ووافقه ابن عدي ٧: ٢٦٧٨ فقال: " أنا أيضا لا أعرف يحيى بن زبان هذا فاذكر له شيئا ".
٥٢ " - يونس بن سليم الصنعاني
٨٨٧، ٨٩٨)، وأكده ابن عدي ٧: ٢٦٣٢ فقال: " ليس بالمعروف ".
٥٣ " - أبو سلمة مولى بني ليث
٩٦٢)، وعذره ابن عدي فقال: ٧: ٢٧٤٧: " أبو سلمة لا يذكر إلا في حديث واحد، فكيف يعرفه ابن معين؟ ! ".
٥٤ " - أبو يزيد الطحان
٩٦٨)، وفي " الكامل " ٧: ٢٧٥٠: " وابن يونس يروي عن غير واحد ممن يكنيهم ولا يعرفون، فلهذا قال ابن معين: لا أعرفه ".
٥٥ " - مولى سباع
٩٥٧- وقال ابن عدي ٧: ٢٧٥٧: " لا أعرف له غير هذا الحديث، ويروي عنه موسى بن عبيدة، وهو مجهول لا يعرف ".
ويضاف إلى هؤلاء:
٥٦ " - حاجب بن الوليد.
قال الخطيب في " تاريخه " ٨: ٢٧١ - وعنه المزي ٥: ٢٠٥ وابن حجر ٢: ١٣٤ -: " قال عبد الخالق بن منصور: سالت يحيى بن معين عن حاجب فقلت: أترى أن أكتب عنه؟ فقال: ما أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة.
فقلت: أترى أن أكتب عنه؟ فقال: ما أعرفه، وهو صحيح
[ ٦٥ ]
الحديث، وأنت أعلم "
١) .
وحاجب هذا عصري ابن معين، وقد ذكر المزي ستة عشر راويا عنه.
٥٧ " - عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري.
في " الجرح " ٥ "
١٤٨١: " قرئ على العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين إنه سئل عن عبيد الله بن حميد الذي يروي عن الشعبي، قيل: هو ابن حميد بن عبد الرحمن؟ قال: لا أعرفه.
يعني لا أعرف تحقيق أمره "
٢) .
هذا ما جمعته - ولا ريب أن هناك سواه - ويتبين منه أسباب عدم معرفة ابن معين بالرجل، وهي تدور حول هذه النقاط - إما أنه لم يعرفه لجهالته بعينه.
- وإما أنه لم يعرفه لجهالته بعد الته.
- وإما أنه لم يعرفه لجهالته بضبطه.
وقد يجتمع أمران منها، وقد تجتمع الثلاثة.
والشواهد على ذلك ناطقة بما أقول، فلا يحتاج إلى تعيين مثال، وإن كان المحور الاساسي فيها قلة حديث الرجل، كما تراه في كلام الامامين ابن أبي حاتم وابن عدي.
فقلة حديثه سبب رئيسي في جهالة ضبطه، وقلة حديثه أيضا دلالة على قلة من يروي عنه، وغالبا يتفرد عند راو واحد، ومن كان قليل الرواية والرواة عنه: كان مغمورا غامضا أمره عند علماء الجرح والتعديل.
ولقائل أن يقول: إن الحافظ ابن حجر ﵀ صرح في " الكنت على ابن الصلاح " ٢: ٦٧٧ بان ابن معين قال في يحيى بن المتوكل: " لا أعرفه "، وأراد " جهالة عدالته لا جهالة عينه، فلا يعترض عليه بكونه روى عنه جماعة "، ونحوه قوله في " التهذيب " ٦: ٢١٨ في ترجمة عبد الرحمن الغفقي.
وأقول في الجواب: يعنبغي أن يحمل تفسير ابن حجر أمام هذه الشواهد الكثيرة على أن اين معين أراد
هذا المعنى هنا في هذه الترجمة، لا أنه تفسير عام لهذه الكلمة حيثما وردت.
وهذا ما حملني على جمع هذه النصوص والامثلة الكثيرة.
والله أعلم.
وخلاصة ذلك: أن مراد ابن معين من قوله:
لا أعرفه- أعم من أن يكون جهالة عين، أو عدالة، وقد تجتمع جهالتان منهما.
والسبب في ذلك قلة حديث الرجل، وقد يكون السبب عدم علمه به.
[ ٦٦ ]
وممن أطلق الجهالة وعدم المعرفة لقلة حديث الرجل: الامام الترمذي في " سننه " باب المشي خلف الجنازة ٣: ٣٨٩
١٠١١)، قال: " إن أبا ماجد رجل مجهول لا يعرف، إنما يروى عنه حديثان عن ابن مسعود ".
فكون الرجل قليل الحديث، وأنه سبب لاطلاق عدم المعرفة به: أمر معروف عند أهل العلم، وهو واضح من حيث النظر، فلا يستشكل عليه.
وهذا ما يمهد لنا السبيل للبحث في كلمة اصطلاحية ثانية لابن معين، هي قوله: ٢٩ - ليس بشئ: فانها كلمة ظاهرة المراد في أن الرجل لا يلتفت إلى ولا يعبا به، ولكن لماذا؟ لانه تالف هالك، أو لانه قليل الحديث فلا يشتغل به؟.
فالشواهد الكثيرة التي جمعها شيخنا العلامة الحجة الاستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة سلمه الله تعالى في تعليقاته على " الرفع والتكميل " ص ١٢٢ - ٢٢١، هي شواهد ناطقة بان المراد: تالف هالك، كما هو المدلول الاصلي لها.
وتفسيرها بقلة الحديث أمر صحيح أيضا، فقد يكون قليل الحديث ومجهول العين، أو مجهول العدالة، أو فاقد الضبط، كما تقدم قبل قليل.
وأول من جاء بهذا التفسير: أشهر تلامذة ابن معين - تقريبا - وصاحب أوسع رواية عنه: العباس بن محمد الدوري.
ففي " تاريخه ٢: ٤٥٦
٤٢٠٩- عن ابن معين: " كان عمير بن إسحاق لا يساوي شيئا، ولكن يكتب حديثه ".
وفسرها الدوري بقوله: " وقال أبو الفضل - هو الدوري نفسه -: يعني يحيى بقوله: أنه ليس بشئ، يقول: إنه لا يعرف، ولكن ابن عون روى عنه.
فقلت ليحيى: ولا يكتب حديثه؟ قال: بلى " أي: يكتب حديثه.
وقال ابن معين أيضا في كثير بن شنظير، في رواية الدوري ٢: ٤٩٣
٤٠١٤)، " ليس بشئ ".
فقال الحاكم - كما في " الفتح " ٦: ٣٥٦ و" التهذيب " ٨: ٤١٩ -: " قول ابن معين
ليس بشئ): يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به ".
والظاهر أن قول الدوري والحاكم هو مستند ابن القطان في قوله الذي نقله عنه الحافظ - واشتهر به - في " مقدمة الفتح " ص ٤٢١ في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري: " إن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات
ليس بشئ- يعني أن أحاديثه قليلة جدا ".
وقوله " في بعض الروايات ": يشبه قول الحاكم: " ربما قال فيه: ليس بشئ "، وإن كان قول الحاكم أوضح.
وتصرف السخاوي ﵀ في " فتح المغيث " ١: ٣٤٥ تصرفا مخلا في نقل كلام ابن القطان فقال عن إدراج " ليس بشئ " مع قولهم: " ليس بثقة، واه بمرة ": " هو المعتممد، وإن قال ابن القطان: إن ابن معين إذا قال في الراوي " ليس بشئ ": إنما يريد أنه لم يرو حديثا كثيرا "، فاوهم اطراد هذا التفسير!.
أقول: إنه تصرف مخل، لا سيما مع تأمل الموقع الذي نقل فيه ابن حجر كلمة ابن القطان هذه، وهذا لفظه م المصدر المذكور: " عبد العزيز بن المختار البصري، وثقه ابن معين في رواية ابن الجنيد
[ ٦٧ ]
وغيره، وقال في رواية ابن أبي خيثمة: ليس بشئ، وقال أبو حاتم: مستوي الحديث ثقة، ووثقه العجلي وابن البرقي والنسائي، وقال ابن حبان في " الثقات ": يخطئ.
قلت: احتج به الجماعة، وذكر ابن القطان الفاسي ".
فمن وثق من قبل ابن معين نفسه وهؤلاء الائمة، وجاءت فيه رواية عن ابن معين " ليس بشئ " فمن المقبول المعقول تفسيرها بقلة أحاديثه، فهو ملجا يلجا إليه عند الحاجة، وهو أولى من دعوى تعارض قوليه فيه.
ومن ذلك: صدقة بن أبي عمران الكوفي أحد رجال مسلم وابن ماجه، قال فيه أبو حاتم ٤
١٨٩٧): " صدقو شيخ صالح، وليس بذاك المشهور "، وقال ابن معين في رواية أبي داود عنه: " ليس بشئ "، وقال في رواية إسحاق بن منصور: " لا أعرفه ".
فيفسر قوله: " ليس بشئ " بقوله الاخر: " لا أعرفه " ولا يحملان على التعارض.
أما مع اقترانها ب: ذاهب الحديث، أو ليس بثقة، أو نحو هذه الالفاظ الجارحة بشدة منه أو من غيره: فلا وجه لذلك.
والله أعلم.
ومما يحسن التنبيه إلى أخيرا: إنه لا يلزم من قلة حديث الرجل أن يقول فيه ابن معين: " ليس بشئ " أو " لا أعرفه ".
أعني: أن قلة حديث الرجل ليست عنوانا على عدم ثقته.
وقد يضعفه.
انظر
٢٠١٢) .
فقد رأيت حال عبد العزيز بن المختار، كيف وثقه في رواية، وقال في أخرى: ليس بشئ، وكذلك ساله عثمان الدارمي
٦٩١- " عن أبى دراس ما حاله؟ فقال: إنما يروي حديثا واحد
١)، ليس به باس ".
٣٠ - ٣٢ - وأما ألفاظ البخاري الثلاثة: " فيه نظر، في حديثه نظر، في إسناده نظر ": فقد مشيت في التعليق على المغايرة بين مدلولاتها، وحرصت على التنبيه إلى اللفظ المنقول عن البخاري إن كان في نقل المصنف أو البرهان السبط شئ من التصرف.
١ " - فقوله: " فيه نظر ": الضمير يعود على الرجل، فيكون للامام البخاري ﵀ وقفة في الرجل، وهي وقفة شديدةلا خفيفة، أئ: إنها من الجرح الشديد.
وكانها تعدل " منكر الحديث " عنده
٢) .
قال المصنف في " الميزان " ٢
٤٢٩٤- في ترجمة عبد الله بن داود الواسطي التمار: " قال البخاري في " التاريخ الكبير " - ٥
٢٢٦- -: فيه نظر..، وقال ابن عدي - ٤: ١٥٥٧ -: وهو ممن لا باس به إن شاء الله.
قلت - الذهبي -: بل كل الباس به، ورواياته تشهد بصحة ذلك، وقد قال البخاري: فيه نظر، ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبا ".
ونقل عن البخاري قوله في عثمان بن فائد ٣
٥٥٥٢): " في حديثه نظر "، ثم قال: " قل أن يكون عند البخاري رجل فيه نظر إلا وهو متهم ".
فهذا يدل على تسويته بين الكلمتين.
وسبقه إلى التسوية بينهما ابن عدي، فانه ترجم ٢: ٥٨٨ لجميع بن عمير التميمي، ونقل فيه قول البخاري ٢
٢٣٢٨): " فيه نظر "، ثم
[ ٦٨ ]
فسرها وعلق عليه فقال: هو " كما قال، في أحاديثه نظر ".
وسكت ابن حجر في " التهذيب " ٢: ١١٢ على كلام ابن عدي، فكأنه يرتضيه.
وقال المصنف في " الموقظة " ص ٨٣: " وكذا عادته - أي البخاري - إذا قال
فيه نظر)، بمعنى أنه
متهم، أو ليس بثقة، فهو عند أسوا حالا من الشعيف ".
وقال الحافظ في " التلخيص الحبير " ١: ٧٤ في حديث أبي ثفال المري في التسمية على الوضوء: " قال البخاري: في حديثه نظر، وهذه عادته فيمن يضعفه ".
قلت: لكن لفظ المصنف في " سير أعلام النبلاء " ١٢: ٤٣٩ نقلا عن الامام البخاري: " أنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر: فهو متهم واه ".
فهو صريح في بيان المراد بهذا القول من البخاري نفسه، وليس عادة له عرفت بالاستقراء.
فكلام المصنف في الموضع الثاني، وابن عدي، وابن حجر في " التلخيص ": متناسب متلائم مع صريح بيان البخاري المصطلحه في قوله: " في حديثه نظر ".
ويبقى النظر أيضا في إطلاق البخاري قوله واصطلاحه الذي نقل عنه، وفي تقييد المصنف ذلك في الموضعين من " الميزان " ب: " غالبا،، وقل ".
فالبخاري عبر عن اصطلاحه فاطلق، أما الذهبي في " الميزان " فكأنه لا حظ حال الرجل عند غير البخاري، فرأى الغالب الاتفاق بين البخاري وغيره في حكمهم على الرجل، وأحيانا يكون خلاف ذلك، فعبر بقوله: " غالبا، وقل أن يكون ".
ولا بد من التنبيه إلى ضرورة ثلاثة أمور: أولها: التحقق من النقل لمثل هذه الالفاظ عن البخاري، ماذا قال؟ وما لفظه؟.
ففي " الكامل " ٧: ٢٦٤٣ ترجمة ياسين بن شيبان العجلي: " قال البخاري: فيه نظر "، في حين أن العقيلي نقله ٤
٢١٠٠- بلفظ: " في حديثه نظر "، وانظر التعليق على ترجمته
٦١٢١- وعلى
٣٠٠٢) .
ثانيها: التحقق والتامل في سياق كلامه.
فالذي يبدو لي - والله أعلم - أنه يراعي سياق كلامه إلى حد أنه يطلق كلمة لولا سياق كلامه لقال غيرها.
انظر التعليق على
٣٠٠٢- أيضا.
مثال ذلك: قوله في صعصعة بن ناجية جد الفرزدق ٤
٢٩٧٨): " قال لي العلاء بن الفضل: حدثني عباد بن كسيب، حدثني طفيل بن عمرو، عن صعصة بن ناجية المجاشعي: قدمت على النبي ﷺ فعرض علي الاسلام فاسلمت فيه نظر ".
فصعصعة صحابي، وترجمه المؤلفون في الصحابة، لكن حديثه هذا
فيه نظر، لا إنه هو فيه نظر، فانه صحابي.
وأكد هذا التأويل: أنه قال في ترجمة عباد بن كسيب ٦
١٦٢٤)، وقد ذكر السند فقط -: " لم يصح "، وقال في ترجمة طفيل ٤
٣١٦٠): " لم يصح حديثه ".
فافادنا أن النظر هناك: في الحديث لا في الرجل، وأفادنا أن النظر يعني عدم الصحة.
وهذا الجمع بين النصوص الثلاثة نبهنا إلى ضرورة مراعاة الامر الثالث.
[ ٦٩ ]
ثالثها: ضرورة جمع ألفاظه المتعلقة بالرجل الواحد أو بالحديثة الواحد، والتنبه لذلك أثناء الاستقراء، كي لا يظن أنها مختلفة المراد، متعددة، وهي في رجل واحد، متفقة متحدة.
وقد يريد النظر في الاسناد، لاضطرابه، أو لانقطاعه.
ففي " التاريخ الكبير " ٥
٣٨٩- قال: " عبد الله بن عبد الرحمن.
قال يحيى بن قزعة وإبراهيم بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد.
ح عبيدة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مغفل ".
فذكر طرقا وختمها بقوله: " فيه نظر ".
وقال ٥
٥٧٥): " عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الانصاري الخزرجي، عن أبيه، عن جده "، وختم الترجمة بقوله: " فيه نظر، لانه لم يذكر سماع بعضهم من بعض ".
فهذا كقوله: ٢ " - " في إسناده نظر ".
وقد قال البخاري ذلك في رواة كثيرين، منهم: أوس بن عبد الله الربعي أبو الجوازاء، المترجم في " التاريخ الكبير " ٢
١٥٤٠) .
وأوس ثقة عندهم، لذلك فسر ابن عدي هذا القول في " الكامل " ١: ٤٠٢ بقوله: يريد: " أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده ".
ويساعده على هذا التفسير صياغة الجملة مقطوعة عما قبلها وبعدها من سباق ولحاق، فهي بظاهرها صريحة في أن المراد: فيما يسنده أوس إلى رسول الله ﷺ من طريق ابن مسعود وعائشة: نظر ووقفة.
وزاد ابن عدي هذا الفهم ترسيخا بانه: لم يسمع منهم، ففيما يسنده انقطاع وإرسال، ووافقه على هذا التفسير ابن حجر في " مقدمة الفتح " ص ٣٩١ - ٣٩٢ ترجمة أوس المذكور.
أما الذهبي: فانه صنع عجبا!
ترجم لاوس هذا ١
١٠٤٥- ونقل كلمة البخاري فيه ولم يفسرها بهذا التفسير، وبعد أسطر قليلة ترجم لاويس القرني رحمه الله تعالى ١
١٠٤٨- ونقل كلمة البخاري نفسها فيه ٢
١٦٦٦)، وفسرها ب " أن الحديث الذي روي عن أويس في الاسناد إلى أويس نظر ".
وعجبت منه - أولا - لم يفسرها في ترجمة أوس أيضا، مع أنها قبل أسطر، فاخر تفسيرها! ! ثم زال عجبي وزاد يقيني بامامة المصنف ودقته..وقد كان هذا التأمل سببا في انكشا فاوهم في تفسير ابن عدي المذكور.
وإليك البيان.
قال البخاري في " التاريخ الكبير " ٢
١٥٤٠): " أوس بن عبد الله الرعبي أبو الجوزاء البصري، سمعت عبد الله بن عمرو، روى عنه بديل بن ميسرة، قال يحيى بن سعيد: قتل أبو الجوزاء سنة ثلاث وثمانين في الجماجم.
وقال لنا مسدد: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة، ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها.
قال محمد - هو البخاري نفسه -: في إسناده نظر ".
قال ابن عدي ١: ٤٠٢: " وأبو الجوزاء روى عن الصحابة: ابن عباس، وعائشة، وابن مسعود
[ ٧٠ ]
وغيرهم، وأرجو أنه لا باس به، ولا يصحح روايته عنهم: أنه سمع منهم، ويقول البخاري: " في إسناده نظر ": أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا لانه ضعيف عندهم، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئا في هذا الموضع ".
فعجبت من ابن عدي كيف يقول: مراد البخاري أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائسشة وغيرهما، والنص صريح أمامه: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ! ونظرت في " مقدمة الفتح فرأيته أخذ هذا التفسير بالتسليم! ثم نظرت في " التهذيب " ترجمة أوس فازاح الاشكال، قال " وقول البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه: إنما قاله عقب حديث رواه له في " التاريخ " من رواية عمرو بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده "، ثم حكى كلام ابن عدي: لم يسمع من مثل ابن مسعود فتبين من هذا: أن معنى قول البخاري " في إسناده نظر ": في الاسناد الموصل إلى المترجم نظر،
وهذا هو تماما معنى قول المصنف الذي قاله في ترجمة أويس القرني، وتقدم نقله.
وعلى كلام ابن عدي يكون المعنى: في الاسناد منه إلى من فوقه نظر، فينظر فيمن فوقه، هل هو ثقة أو ضعيف، أو: ينظر ما فوقه، هل متصل أو منقطع، فاختلت الحيثية - كما يقولون.
وبهذا تبين لي سبب إعراض المصنف عن نقل قول ابن عدي في ترجمة أوس، وتفسيره من عنده في ترجمة أويس.
والله أعلم.
وعلى كل: فهذه الكلمة من البخاري ليس فيها جرح لذات الرجل، لما تقدم، نيؤكده: أنه قال في أبي خداشزياد بن الربيع اليحمدي
١٦٨٥): " في إسناده نظر "، ومع ذلك فقد احتج به في " صحيحه ".
انظر " الكامل " ٣: ١٠٥٢، و" الميزان " ٢
٢٩٣٧) .
بقي التنبيه إلى جزئية جانبية وردت في كلام ابن حجر المتقدم، وهي: أن عمرو بن مالك النكري ضعيف عند البخاري، ولم أر تصريحا بذلك، ولا تلميحا، لكن عجبت من ابن عدي وابن حجر نفسه.
فابن عدي ترجم للنكري ٥: ١٧٩٩ وصدر الترجمة بقوله: " منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث "
١)، وختمها بنحو ذلك.
فكيف لا يعل به الخبر الذي أسنده البخاري من طريقه؟.
وهذا عجب ثان من ابن عدي في هذه الترجمة الواحدة.
وابن حجر - والمزي من قبله - لم ينقلا كلام ابن عدي هذا في ترجمة النكري، بل اقتصرا على أنه مذكور في " ثقات " ابن حبان أنه قال ٧: ٢٢٨: " يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه ".
وكما إهمل المزي وابن حجر كلام ابن عدي هنا، أهمله الذهبي في " الميزان " ٣
٦٤٣٦)، بل لم يذكر فيه شيئا أبدا إلا أنه ثقة! فهو - في الغالب - اعتمد توثيق ابن حبان له.
وأخيرا: إن تفسير ابن عدي لقولة البخاري هذه يحتاج هذه يحتاج إلى تتبع ودراسة.
فالذي يبدو لي أنه صحيح في بعض دون بعض، فلا بد من النظر في سياق قول البخاري - أي قول له - لنخلص إلى نتيجة صحيحة.
[ ٧١ ]
والامر - كما قال شيخنا في تعليقاته على " الرفع والتكميل " ص ٣٩١، وعلى " قواعد في علوم الحديث ".
ص ٢٥٧ - " يستحق أن يوليه بعض الباحثين الافاضل تتبعا خاصا، رجاء أن يتوصل به إلى تقعيد قاعدة
مستقرة تحدد مراد البخاري من تعبيره المختلفة ".
* * * هذا، ولم يبق إلا أربع كلمات يستعملها الذهبي كثيرا في كتبه عامة، ومنها: " الكاشف "، وليست من كلمات الجرح ولا التعديل، وهي: متاله أو يتاله، وجلد، وممدح، وبس.
١ " - أما متاله أو يتاله: فيذكرها الذهبي ﵀ في سياق تنويهه بعبادة الرجل وإشادته بتوجهه إلى الله تعالى بالكلية.
كقوله في رباح بن زيد الصنعاني: " ثقة، زاهد، متاله ".
قال الامام الغزالي رحمه الله تعالى في " المقصد الاسنى في معاني أسماء الله الحسنى " ص ٦٢ بعد ما شرح اسم
الله): " تنبيه: ينبغي أن يكون حظ العبد من هذا الاسم: التاله، وأعني به: أن يكون مستغرق اللب والهمة بالله ﷿، لا يرى غيره، ولا يلتفت إلى سواه، ولا يرجو ولا يخافإلا إياه ".
وفي " القاموس المحيط ": " التاله: التنسك والتعبد، والتاليه: التعبيد ".
وهذه الكلمة نادرة الورود على لسان المحدثنى، ولم أرها في كلامهم إلا مرد واحدة، جاءت في كلام الامام أبي زرعة الرازي ﵀، رأيتها في " أسئلة البرذعي لابي زرعة " ٢: ٣٦٧، قالها في عبد الكريم الجرجاني.
٢ " - وأما جلد: فيستعملها غالبا مع الرافضي الشيعي، وهي للدلالة على تمكنه وتشدده في مذهبه وفي " القاموس ": " الجلد: الشدة والقوة، وهو جلد، وجليد، من إجلاد وجلداء، وجلاد، وجلد ".
ويستعمل المصنف بهذا المعنى والسياق كلمة أخرى، لا سيما في كتاب " الميزان فيقول مثلا: فلان من عتق الشعية، يريد من المتشددين فيهم، لان العتيق هو القديم، ومن قدم في أمر تمكن فيه وقوي.
٣ " - وأما ممدح: فيقولها فيمن كان كثير المكارم والسماحة والجود، فكثر مدح الناس له.
وفي " القاموس ": الممدح: " الممدوح جدا ".
وممن قالها فيه: خالد بن عبد الله القسري
١٣٣٥)، وعاصم بن عمر بن الخطاب
٢٥١٠) .
٤ " - وأما بس: فهكذا ضبطها: السين ساكنة، وهي بمعنى: فقط، وحسب، وهي كلمة عربية فصيحة، وقيل: لغة ضعيفة مسترذلة.
كما في " القاموس ".
وإنما ضبطت السن بالسكون - مع وضوحه - لاني رأيت المصنف والحافظ ابن الاسنكندري صاحب نسخة السبط وضعا شدة كبيرةعلى السين في ترجمة الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري "، وهي على عربيتها نادرة الاستعمال على لسان المتقدمين - بله المتأخرين - فلم أرها في كلامهم إلا مرة في كلام أبي زرعة الرازي، في أچوبته لابي سعيد لبرذعي ٢: ٤١٤ لما قال له: سفيان بن وكيع، كان يتهم بالكذب؟ قال أبو زرعة: " الكذب بس؟ ! ٢.
والله أعلم.
* * *
[ ٧٢ ]